منشور
عمر شعبان إسماعيل · معهد الشرق الأوسط · 2016
يرى عمر شعبان أن مصر تتجه إلى تطبيع تدريجي لعلاقتها مع حماس لأن القاهرة تحتاج إلى دور وسيط بين حماس والسلطة الفلسطينية وإسرائيل، كما تحتاج إلى تعاون الحركة في ملف أمن سيناء. ويشير إلى أن حماس، التي تواجه أزمة مالية حادة بسبب انهيار تجارة الأنفاق والإغلاق شبه الكامل لمعبر رفح وفشل المصالحة الفلسطينية، أبدت مرونة متزايدة تجاه مطالب القاهرة رغم كلفتها السياسية. ويعدد مطالب مصر من حماس، ومنها ضبط حدود غزة-سيناء، وتوضيح موقفها من اغتيال هشام بركات، وتحديد علاقتها بالإخوان المسلمين، والتعاون في المصالحة مع السلطة، مقابل مطالب حماس بإعادة فتح رفح بشكل منتظم وإدخال مواد الإعمار والمساعدات. ويستشهد بخطوات عملية مثل نشر نحو 500 عنصر على الحدود واعتقال مشتبهين من تنظيم الدولة والقاعدة، مع التأكيد أن التعاون مرشح لأن يتوسع ببطء على أساس المصالح المشتركة وبناء الثقة.
عمر شعبان، يونيو 2016: مصر وحماس تبدآن تطبيعًا تدريجيًا مدفوعًا بأمن سيناء ووساطة المصالحة وفتح رفح.
مصر، التي تتمتع بعلاقات ودية مع كل من السلطة الفلسطينية وإسرائيل، تدرك أنها يجب أن تطبّع علاقاتها مع حماس لكي تتمكن من أداء دور الوسيط بين الأطراف الثلاثة. كما أن الحكومة المصرية، التي لم تحقق بعد نتائج مقنعة في مكافحة الجماعات الإرهابية في سيناء، تحتاج أيضًا إلى تعاون حماس في هذا المجال.
وفي هذا السياق يمكننا فهم الإشارات الإيجابية الأخيرة المتبادلة بين الحكومة المصرية وحماس. ففي الشهر الماضي، صرّح الرئيس عبد الفتاح السيسي بأن مصر مستعدة لرعاية المصالحة بين فتح وحماس، وذلك في أعقاب زيارة مفاجئة قام بها وفد من حماس إلى القاهرة في آذار/مارس. وقد دشّنت الزيارة مسعى لتطبيع العلاقات بعد سنوات من العداء والاتهامات المصرية لحماس بتدبير هجمات إرهابية في سيناء وأجزاء أخرى من مصر، والمساعدة فيها والمشاركة بها.
المصالحة القسرية
أثارت مؤشرات التقارب تكهنات وشكوكًا لدى المراقبين. فبعض المحللين رأوا فيها علامة على وجود خلاف بين الأجهزة الأمنية المصرية بشأن كيفية التعامل مع حماس وإلى أي مدى يمكن استمالتها. وادعى محللون آخرون أن الزيارة عكست رغبة القاهرة في استبدال العداء تجاه حماس بالتعاون معها، ولا سيما في سياق محاربة الجماعات الإرهابية في سيناء والدفع قدمًا بالمصالحة الفلسطينية الداخلية. وثمة احتمال آخر هو أن يكون الانفتاح على حماس بهدف استباق أي دور تركي في غزة قبيل الاستعادة المتوقعة للعلاقات التركية-الإسرائيلية، أو أن تكون الزيارة جزءًا من الجهود السعودية لتعزيز التحالف السني في مواجهة إيران، أو أن تكون كل هذه العوامل مجتمعة.
ولا شك أن الحكومة المصرية، المنخرطة منذ عدة سنوات في مواجهة مريرة مع الجماعات الجهادية السلفية في سيناء من دون أن تحقق نجاحًا كاملًا، بدأت تنظر في احتواء حماس مقابل منحها شكلًا من أشكال الشرعية. وفي الوقت نفسه، فإن الدور القيادي للقاهرة في القضية الفلسطينية يقتضي منها الإبقاء على قنوات اتصال مع حماس لكي تتمكن من التوسط مع السلطة الفلسطينية وإسرائيل بشأن قضيتي المصالحة والتهدئة مع كل منهما على التوالي. وباختصار، يبدو أن شعار مصر في الوقت الراهن هو: «أبقِ أصدقاءك قريبين، وأعداءك أقرب».
ومن جهة أخرى، تواجه حماس أزمة مالية حادة بسبب انهيار تجارة الأنفاق بين غزة وسيناء، التي كانت أحد أبرز مصادر إيرادات حكومة حماس، وبسبب الإغلاق شبه الكامل لمعبر رفح، ما حال دون تدفق المساعدات إلى حماس من خارج غزة. وفي الوقت نفسه، فشلت جميع الجهود الرامية إلى المصالحة بين حماس والسلطة الفلسطينية.
وتدرك حماس أن حكومة السيسي ستظل قائمة في الوقت الحاضر، وأنه سيتعين عليها التعامل معها بدلًا من انتظار سقوطها كما كانت تأمل في البداية. وقد دفعت هذه الحقائق الحركة إلى البحث عن مخارج من الأزمة، مبدية قدرًا من المرونة إزاء مطالب القاهرة رغم الكلفة المرتفعة المتوقعة لأي انفراج من هذا النوع.
الكلفة والمنافع
على الرغم من التعتيم الإعلامي على زيارة آذار/مارس، أظهرت التسريبات أن القاهرة طلبت من حماس ما يلي:
• توضيح موقفها من اغتيال النائب العام المصري هشام بركات في حزيران/يونيو 2015
• توضيح طبيعة علاقتها بجماعة الإخوان المسلمين في مصر، التي تصنفها السلطات هناك الآن جماعة إرهابية
• ضبط الحدود بين غزة وسيناء ومساعدة القوات المصرية في سيناء
• التعاون مع الجهود المصرية للمصالحة بينها وبين السلطة الفلسطينية، وخاصة بعد استضافة الدوحة عدة جولات من المحادثات بين حماس والسلطة الفلسطينية
ومن جهتها، طلبت حماس من مصر، بحسب التقارير، إعادة فتح معبر رفح بصورة منتظمة ودائمة أمام سكان غزة، والسماح بإدخال المواد الخام اللازمة لإعادة إعمار غزة، وكذلك السماح لقوافل الإغاثة والمساعدات الإنسانية بالوصول إلى القطاع.
غير أن موازنة الكلفة والمنافع تقتضي من حماس التنازل عن كثير من امتيازاتها مقابل امتيازات محتملة أخرى قد لا تتحقق في نهاية المطاف. فلماذا تتعاون حماس ضد الجماعات الجهادية في سيناء وغزة بينما هي بحاجة إلى استرضائها؟ وهل تستطيع حماس أن تتخلى عن حلفائها الإقليميين في تركيا وقطر وإيران، وهي كلها دول تربطها علاقات سيئة بمصر؟ وكيف ستنظر جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وهي التنظيم الأم لحماس، إلى الأخيرة وهي تجلس وتعمل مع النظام الذي يقمعها، لا سيما أن الجماعة قدمت لحماس دعمًا كبيرًا عندما كانت في السلطة في مصر؟
النتائج الأولية
على الرغم من الكلفة المرتفعة لتطبيع العلاقات مع القاهرة، أبدت حماس مرونة لافتة في التعامل مع شروط الحكومة المصرية. وخلال زيارتها إلى القاهرة، نشرت حماس نحو 500 عنصر على طول الحدود بين غزة وسيناء. كما دعت حماس فرقًا صحفية وسياسيين إلى المنطقة الحدودية لتُظهر أنها بدأت تنفيذ بعض الشروط المصرية.
كما اعتقلت حماس في أيار/مايو مشتبهًا بانتمائهم إلى تنظيم الدولة الإسلامية والقاعدة وجماعات جهادية أخرى في غزة، في محاولة لاسترضاء القاهرة، فقيّدت تحركاتهم وسعت إلى قطع صلاتهم بنظرائهم في سيناء. وفي ذلك الوقت، قال أحد قادة حماس، خليل الحية، الذي كان ضمن الوفد الذي زار القاهرة، إن حماس تعارض من حيث المبدأ الاغتيالات السياسية، وشدد على أن جماعته لا تعمل خارج فلسطين. وقال إن حماس لن تسمح لأي أحد بالعمل انطلاقًا من غزة ضد أمن مصر وشعبها.
ومع ذلك، قد يوحي كل هذا بأن تعاون حماس مع مصر لن يتجاوز حدودها ولن يصل إلى مستوى إقامة تحالف مع الحكومة المصرية ضد إرهابيي تنظيم الدولة الإسلامية في سيناء.
أما فيما يتعلق بعلاقتها بجماعة الإخوان المسلمين، فموقف حماس المعلن هو أنها حركة تحرر وطني فلسطينية، وأن صلتها الوحيدة بالإخوان المسلمين هي القيم الإسلامية المشتركة بينهما.
كما شددت حماس على حرصها على التعاون مع مصر لتحقيق المصالحة الفلسطينية، في ما يشكل إشارة واضحة إلى أن جولات المحادثات في الدوحة لن تكون بديلاً عن المحادثات في القاهرة. ثم، وفي تطور مهم أعقب الزيارة، فتحت مصر، التي كانت قد أعادت فتح معبر رفح لمدة يومين فقط خلال الأشهر الأربعة السابقة لزيارة آذار/مارس، المعبر مرتين خلال ثلاثة أسابيع لعدة أيام في كل مرة — الأولى في أيار/مايو، ثم مرة أخرى في أوائل حزيران/يونيو. وعلاوة على ذلك، أكدت حماس الأسبوع الماضي أنها تلقت دعوة من القاهرة للمشاركة في جولة أخرى من المحادثات مع فتح خلال شهر رمضان المبارك.
ومن المؤكد أن علاقة مصر بحماس تتخذ اتجاهاً جديداً قائماً على تغليب المصالح المشتركة على الأيديولوجيا. ويبدو أن مسار التعاون المتبادل قد بدأ، وإن كان بوتيرة بطيئة.
إن تطبيع العلاقات بين الجانبين سينمو تدريجياً مع استمرار كل منهما في بناء الثقة المتبادلة.
المجال: Regional & International Politics — Egypt · Hamas · mediation · Sinai — النص © Middle East Institute — محفوظ هنا مع الإسناد إلى المصدر. — المصدر الأصلي