منشور
عمر شعبان إسماعيل · حالة الإقليم · 2014
يعالج عمر شعبان التحديات الاقتصادية التي تواجه حكومة التوافق الوطني الفلسطينية بعد اتفاق الشاطئ في يونيو 2014، معتبراً أن المصالحة ليست اندماجاً متكافئاً بين نظامين بل إعادة إدماج غزة في النظام السياسي والاقتصادي المتمركز في الضفة الغربية. ويرى أن سبع سنوات من الانقسام والحصار خلقت واقعاً اقتصادياً وإدارياً وقانونياً مختلفاً في غزة، شمل اقتصاداً إغاثياً ريعياً، وانقطاع التجارة مع الضفة، وتضخم الاحتياجات السكانية والخدمية، ووجود موازنتين وجهازين إداريين مختلفين. ويعرض مهام الحكومة التكنوقراطية في التحضير لانتخابات خلال ستة أشهر تمهيداً لانتخابات متوقعة في يناير 2015، ورفع الحصار، وإعادة الإعمار، مع إبراز أرقام مثل مساهمة غزة السابقة بـ33% من الناتج المحلي و15% من الصادرات، وموازنة حكومة غزة البالغة نحو 894 مليون دولار مقابل 3.9 مليار دولار للسلطة، و51 ألف موظف في حكومة غزة. ويخلص إلى أن النجاح يتطلب الانتقال من الإغاثة إلى التعافي المبكر ثم إلى اقتصاد تنموي، عبر مواءمة الجهاز البيروقراطي وإعادة ربط اقتصاد غزة باقتصاد الضفة وتفعيل القطاع الخاص والمؤسسات المدنية.
عمر شعبان، يونيو 2014: نجاح المصالحة يتوقف على إعادة إدماج غزة اقتصادياً والانتقال من الإغاثة إلى التنمية.
يأتي توقيع اتفاق المصالحة الفلسطينية بين حركتي فتح وحماس، بعد سبع سنوات من التطورات التي زادت الوضع الفلسطيني تعقيدًا، مقارنة بما كان عليه قبل الانتخابات التشريعية التي عقدت في يناير ٢٠٠٦. ورغم أهمية التوصل لهذا الاتفاق، فإن هذا الوضع المعقد يطرح تحديات محددة قد تحول دون فعالية الاتفاق في إنهاء الانقسام بين قطاع غزة والضفة الغربية.
وفي هذا الإطار، تحاول هذه الورقة استكشاف التحديات المتوقعة على الصعيد الاقتصادي أمام حكومة الوفاق الوطني الفلسطينية، التي تم تشكيلها في ٢ يونيو ٢٠١٤، استنادًا لنص اتفاق الشاطئ.
## سبع ساعات أنهت سبع سنوات من الانقسام
بدأ الانقسام بين قطاع غزة والضفة الغربية، بعد الانتخابات التشريعية التي عقدت في يناير ٢٠٠٦، والتي فازت فيها حركة حماس، وقامت بعدها بتشكيل حكومة منفردة، وتلا ذلك اقتتال داخلي هزمت فيه السلطة الفلسطينية وانحصر نفوذها في الضفة الغربية، في حين سيطرت حركة حماس وحكومتها على قطاع غزة، وفرض مع ذلك حصار إسرائيلي شديد على قطاع غزة، وقاطع المجتمع الدولي حكومة حماس لعدم تبنيها شروط الرباعية الدولية، وهي: الاعتراف بإسرائيل، ونبذ العنف، والاعتراف بالاتفاقيات المبرمة بين منظمة التحرير والحكومة الإسرائيلية.
وتلا ذلك تواصل جهود المصالحة بين حماس وفتح بقيادة مصرية ودعم عربي، وتم التوقيع على اتفاقيات عديدة للمصالحة في صنعاء ومكة المكرمة والقاهرة والدوحة دون أي تطبيق. وقامت إسرائيل بالتزامن مع هذه الجهود، بشن حربين قاسيتين على قطاع غزة في ٢٠٠٨-٢٠٠٩ وفي ٢٠١٢.
وقد تغير الموقف الإقليمي من سيطرة حماس على القطاع، مع انتهاء حكم الإخوان المسلمين في مصر في ٣ يوليو ٢٠١٣، حيث توترت العلاقة بين حماس الحاكمة في غزة والنظام المصري الجديد، ونتج عن ذلك أن أغلقت الحكومة المصرية الأنفاق بين غزة وسيناء، على نحو سبب أزمة مالية ونفسية لحكومة حماس وسكان قطاع غزة. وتزامن ذلك مع انتهاء تسعة شهور من المفاوضات بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل بوساطة أمريكية دون نتيجة.
وقد مثلت هذه التطورات خلفية لاجتماع ٢٣ أبريل ٢٠١٤ في غزة، بين وفد منظمة التحرير بقيادة ممثل حركة فتح في ملف المصالحة السيد عزام الأحمد، وقيادة حركة حماس، وانتهى بتوقيع اتفاق جديد للمصالحة، يبدو أنه هو الأقرب للتطبيق هذه المرة. سبع سنوات عجاف من الانقسام الفلسطيني تنتهي في جلستين مدتهما سبع ساعات فقط في منزل السيد إسماعيل هنية.
ويُعد اتفاق الشاطئ، وهو مخيم اللاجئين الذي يسكن فيه السيد إسماعيل هنية، والذي نتج عن اجتماع دام مدة سبع ساعات في منزل هنية؛ عنصر مفاجأة للجميع، بسبب سرعة إنجازه رغم المشاكل الكبيرة التي راكمها الانقسام في السنوات السبع الماضية. وهو ما دفع الفلسطينيين الذين مَلُّوا من تعهدات وتصريحات طرفي الانقسام بإنهائه دون عمل حقيقي تجاه إنجازه، للتندر بالقول: "لم ينجح اتفاق مكة، وهي المكان المقدس في إصلاحهما فهل ينجح اتفاق مخيم الشاطئ، وهو مكان ليست له أي قدسية دينية في تحقيق ما عجزت عنه صنعاء المتواضعة، ومكة المقدسة، والقاهرة المؤثرة، والدوحة الثرية؟".
## ملخص اتفاق الشاطئ
ينص اتفاق الشاطئ على تشكيل حكومة وفاق وطني من شخصيات تكنوقراط مستقلة ليس لها انتماء سياسي، بما يمكّنها من الحصول على اعتراف العالم، ويمكّن الرئيس محمود عباس من تسويقها لإسرائيل والولايات المتحدة وأوروبا. وتشير المعلومات إلى أن كلا الطرفين قد اضطرا للتسريع في المصالحة بسبب الضغوط التي يعيشها طرفا الانقسام. فمن ناحية، لم تحصل السلطة الفلسطينية بقيادة الرئيس محمود عباس على شيء من المفاوضات التي تجددت في أغسطس ٢٠١٣، وحدد لها ٩ شهور تنتهي في أبريل ٢٠١٤ في ظل مواصلة إسرائيل لحملة الاستيطان المكثف جدًّا في الأراضي الفلسطينية، ورغبة الرئيس محمود عباس في إنهاء ملف الانقسام الذي حدث في عهده قبل مغادرته المشهد السياسي.
ومن ناحية أخرى، تعيش حركة حماس وحكومتها أزمة مالية وسياسية عميقة بعد سقوط حكم الإخوان المسلمين في مصر في بداية يوليو ٢٠١٣، والحملة المصرية الشديدة لإغلاق الأنفاق بين غزة وسيناء التي كانت تشكل شريان الحياة المادي والمالي لحركة حماس في غزة، فضلا عن القيود على حركة أعضاء حماس إلى خارج غزة وإليها عبر معبر رفح، الذي يُعد بوابتهم الوحيدة للعالم من خلال مصر، إضافةً للتغيرات في الإقليم التي أقنعت حماس أخيرًا بأن تلك المتغيرات لا تصب في صالحها، فقررت حماس وبنضج شديد أن تذهب للمصالحة بكل قوتها. وقد حدد طرفا الانقسام سابقًا (والمصالحة لاحقًا) مهمة حكومة التكنوقراط في ثلاث مهام رئيسية على النحو التالي:
- التحضير لانتخابات تشريعية ورئاسية يُتوقع أن يتم الإعلان عن موعدها بعد ستة أشهر من تشكيل الحكومة، ويتوقع في حال نجحت جهود المصالحة أن تُجرَى الانتخابات في شهر يناير ٢٠١٥.
- رفع الحصار الإسرائيلي عن قطاع غزة بما يسمح بعودة دخول وخروج البضائع والأفراد منها وإليها. ويشمل ذلك إعادة ترميم العلاقة مع جمهورية مصر العربية، بما يعني عودة العمل في معبر رفح بشكل طبيعي بحيث يتمكن فلسطينيو قطاع غزة من حرية الحركة.
- إعادة إعمار ما دمرته الحربان الإسرائيليتان على قطاع غزة ٢٠٠٨-٢٠٠٩ وحرب ديسمبر ٢٠١٢.
## عملية دمج أم اندماج؟
لا شك في أن التحديات والعقبات المتوقعة كبيرة وشائكة ومعقدة، بعضها معروف وتم تشخيصه مسبقًا، في حين ما زال البعض الآخر مجهولا، سواء كان جزئيًا أو كليًا، حيث خلقت سبع سنوات واقعًا اقتصاديًا وقانونيًا وإداريًا وسياسيًا واجتماعيًا مختلفًا بين قطاع غزة الذي تحكمه حماس منذ يونيو ٢٠٠٧ والمحافظات الشمالية التي تحكمها السلطة الوطنية الفلسطينية من رام الله.
ونظرًا لصغر مساحة قطاع غزة مقارنة بالضفة الغربية، حيث تبلغ ٣٦٥ كلم٢ مقارنة بـ ٥٠٠٠ كلم٢، ونظرًا لتركز النظام السياسي والاقتصادي في المحافظات الشمالية في السنوات السبع الماضية، فإن المصالحة تعني إعادة دمج قطاع غزة في النظام السياسي والاقتصادي المتركز في محافظات الشمال، لذا فهي ليست عملية اندماج متساوية بين منطقتين أو نظامين، بل هي عملية إعادة دمج إقليم قطاع غزة الذي انفصل بعيدًا في النظام السياسي الفلسطيني للسلطة الوطنية الفلسطينية.
ومنذ سيطرة حركة حماس وحكومتها على الحكم في قطاع غزة في يونيو ٢٠٠٧، قامت إسرائيل بفرض حصار شامل وقاسٍ على قطاع غزة برمته. وحكمت السياسة الإسرائيلية في حصار قطاع غزة ثلاثة معايير هي: لا تنمية no development، ولا ازدهار no prosperity، ولكن لا أزمة إنسانية but no humanitarian crises.
وتغيرت هذه السياسة مع مرور الوقت، فبعد أن كانت إسرائيل لا تسمح سوى بدخول المواد الإغاثية فقط، سمحت بدخول مواد البناء، والشاحنات، ومعدات خاصة بقطاع الإنشاءات، وحدثت هذه التحسينات على سياسة الحصار بعد حادثة أسطول الحرية في ٣١ مايو ٢٠١٠، والتي خلقت ضغطًا دوليًا على الحكومة الإسرائيلية لرفع الحصار، أو تخفيفه على الأقل. وقد دفعت سياسة الحصار بحكومة حماس وحركتها ومواطني قطاع غزة بشكل شبه كامل للاعتماد على تجارة الأنفاق بين غزة وسيناء، بحيث شكلت المصدر الأساسي لمئات السلع اللازمة للحياة، وكذلك مصدرًا هامًا للدخل لحكومة حماس في غزة.
وأنتج هذا الوضع غير العادي وضعًا شاذًا، وخلق واقعًا مخالفًا بشدة لما كان عليه قطاع غزة، وبالتأكيد للواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في محافظات الشمال. ويعتقد الكثير من المراقبين أن الهدف الخفي للحكومة الإسرائيلية من فرض الحصار على قطاع غزة هو منع التواصل بين الإقليمين، بما يمنع قيام دولة فلسطينية واحدة، وهو ما أقر به الجيش الإسرائيلي في شهادته بخصوص حادثة أسطول الحرية في مايو ٢٠١٠، والذي تضمنه تقرير لجنة التحقيق توركل Torkel، حيث نص على أن: "أحد أهداف الجيش الإسرائيلي يتمثل في فصل يهودا والسامرة عن غزة كهدف أمني وسياسي".
وتظل الضفة الغربية وقطاع غزة وشرق القدس أراضي الدولة الفلسطينية العتيدة، كما نصت عليه اتفاقية السلام بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية، والضفة الغربية وقطاع غزة إقليمان منفصلان ماديًا، وإلى حد ما اقتصاديًا، وهنالك فروق عديدة في البنية المؤسساتية والفكرية والاجتماعية بينهما. وتعمق هذا الفرق خلال سنوات الحصار، حيث قُطع الاتصال بينهما قسرًا بسبب الحصار الإسرائيلي، ومنع التجارة بينهما، وتقليص حركة تنقل الأفراد بين الإقليمين. ويؤكد السياسيون الفلسطينيون والشعب الفلسطيني كذلك أن الدولة الفلسطينية لا يمكن أن تقوم دون أيٍّ منهما. لا دولة فلسطينية في غزة أو الضفة منفردتين، ولا دولة فلسطينية دون غزة. ويشير البنك الدولي في تقريره الصادر في أغسطس ٢٠٠٩ إلى "أن الهدف الاستراتيجي المتمثل في قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة اقتصاديًا لا يمكن تحقيقه إلا إذا ظلت الضفة الغربية وقطاع غزة معًا في وحدة اقتصادية واحدة".
ويمكن تحديد الوضع الاقتصادي والاجتماعي في القطاع بعد سبع سنوات من الحصار فيما يلي:
- تحوُّل قطاع غزة من مجتمع منتج يُساهم في الدخل القومي الإجمالي الفلسطيني، ويُنتج الكثير من السلع والخدمات القابلة للتصدير، إلى مجتمع واقتصاد ريعي إغاثي يعتمد بشكل شبه كامل على المساعدات النقدية والمادية من الخارج. وتوقفت جميع المؤسسات الدولية، خاصةً في سنوات الحصار الأولى عن تنفيذ أي مشروعات تتطلب دخول مواد خام أو ماكينات ومعدات ثقيلة. كذلك توقفت المؤسسات الدولية عن التعامل مع حكومة حماس في غزة، فيما أُطلق عليه no contact policy. وصاحب ذلك تدهورٌ حادٌّ في مؤشرات التعليم، والصحة العامة، والترابط الاجتماعي، والبنية التحتية، والأنشطة الاقتصادية، وارتفاع هائل في نسب البطالة والفقر.
- انقطاع التجارة بين قطاع غزة والضفة الغربية، أخذًا في الاعتبار أن التجارة بين الإقليمين كانت تمثل النسبة الأكبر لكليهما، وحتى عام ٢٠٠٤ كان قطاع غزة يساهم بنسبة ٣٣٪ من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي، وبنسبة ١٥٪ من الصادرات الكلية للأراضي الفلسطينية.
- انقلاب الهرم الاجتماعي بسبب تجارة الأنفاق التي أتت على حساب قطاع الأعمال التقليدي والشرعي؛ حيث أنتج اقتصاد الأنفاق طبقةً من الأثرياء الذين لم يكونوا سابقًا جزءًا من نسيج قطاع الأعمال، وتتصف هذه الفئة بالثراء الكبير، لكنها تفتقر للمهارات والخبرة اللازمة لقطاع الأعمال الشرعي والرسمي. كما دفع العمل في الأنفاق إلى خروج غالبية رءوس الأموال الشرعية من قطاع الأعمال، وهو الوضع الذي يمكن تلخيصه بـ"رأس دون مال ومال دون رأس".
- تزايد الاحتياجات الأساسية للسكان، من إسكان، وبنية تحتية، ومياه، وخدمات صحية، بسبب توقف أو تباطؤ التطور في هذه القطاعات في سنوات الحصار. ويُشير تقرير الأمم المتحدة "غزة ٢٠٢٠" إلى أن عدد سكان قطاع غزة في عام ٢٠٢٠ سيصبح ٢٫١ مليون نسمة، مما سيشكل ضغطًا غير مسبوق على مستوى الخدمات الاجتماعية، حيث ستصبح الكثافة السكانية ٥٥٠٠ مواطن لكل كلم٢، وسيحتاج قطاع غزة إلى حوالي ٢٦٠ مليون م٣ من المياه الصالحة للشرب، أي بزيادة قدرها ٦٠٪ عما هو متوافر اليوم. كذلك سيكون القطاع بحاجة لحوالي ٤٠٠ مدرسة جديدة، و٨٠٠ سرير جديد لمواجهة الاحتياجات الصحية، مع الحاجة إلى توظيف ١٠٠٠ طبيب جديد وألفي ممرضة.
- توقف الاستثمار الخارجي، حيث لم يشهد قطاع غزة في السنوات السبع الماضية أي استثمارات تطويرية ذات مغزى، فقد تركزت جميع المساعدات الخارجية في المجالات الإغاثية، بما في ذلك المشافي، والمدارس، وسيارات الإسعاف، والمساعدات الغذائية؛ بل حدث العكس تمامًا حيث أغلقت العشرات من المشاريع الإنتاجية، وخرج الكثير من أصحاب الأعمال برءوس أموالهم للاستثمار في خارج قطاع غزة، كذلك لوحظ انتقال عدد من رجال الأعمال للعمل في محافظات الضفة الغربية والدول المحيطة، سواء في مصر أو الأردن، وحتى في دول بعيدة مثل كندا وأستراليا والدول الإفريقية.
- اختلاف المركز والبيئة القانونية لقطاع غزة عن الضفة الغربية، حيث أعلنت الحكومة الإسرائيلية في سبتمبر ٢٠٠٧ أن قطاع غزة هو "كيانٌ معادٍ"، وأُجبرت المؤسسات الإسرائيلية على وقف التعامل المباشر مع قطاع غزة، وتوقف تعامل البنوك الإسرائيلية مع نظيرتها في قطاع غزة، وتقلصت كميات العملة الإسرائيلية المحولة لقطاع غزة، مما تسبب في أزمة متواصلة في مستوى توافر عملة الشيكل في قطاع غزة، كذلك أوقفت وزارة الاقتصاد الإسرائيلية العمل بالرقم الجمركي الخاص بقطاع غزة في الحاسوب الحكومي الإسرائيلي، مما حرم قطاع غزة من التواصل المباشر مع العالم، واضطر معه قطاع الأعمال في غزة إلى التعامل مع وسطاء من الضفة الغربية أو إسرائيل لإتمام صفقات الاستيراد والتصدير.
- انقسام في النظام المالي والإداري البيروقراطي بين قطاع غزة والضفة الغربية، فبعد انقسام يونيو ٢٠٠٧، أصبح لقطاع غزة موازنة عامة تقدمها حكومة حماس منفصلة عن موازنة السلطة الفلسطينية، وبلغت موازنة حكومة حماس في غزة لعام ٢٠١٤ حوالي ٨٩٤ مليون دولار، ويعمل لدى حكومة حماس حوالي ٥١٠٠٠ ألف موظف، حوالي ثلثهم يعملون ضمن وزارة الداخلية. وتعتمد موازنة حماس على المساعدات الخارجية، وعلى الضرائب المحصلة من تجارة الأنفاق، إضافةً للضرائب المعمول بها عادةً، مثل: ضريبة الدخل، وضريبة القيمة المضافة. في حين بلغت موازنة السلطة الفلسطينية حوالي ٣٫٩ مليارات دولار تعتمد على الضرائب بقيمة مليار دولار، وضرائب المقاصة التي تحولها إسرائيل شهريًا بقيمة ١٫٢ مليار دولار سنويًا، وحوالي مليار دولار مساعدات خارجية وقروض من البنوك المحلية.
إلى جانب ذلك، على إثر الانقسام طلبت السلطة الوطنية الفلسطينية من موظفيها في غزة عدم العمل مع حكومة حماس، والجلوس في بيوتهم مع مواصلة دفع مرتباتهم، فاتجهت حكومة حماس إلى تعبئة الفراغ الإداري الذي نتج عن هذا القرار بعشرات آلاف الموظفين، الذين ثبت أن الكثير منهم لم يكن يتمتع بالمؤهلات العلمية والخبرات اللازمة، مما أثر سلبًا على مستوى الخدمات المقدمة للجمهور، خاصةً في قطاعي الصحة والتعليم. ويجدر التنويه إلى أن عشرات الآلاف من موظفي السلطة الفلسطينية قد عادوا للعمل تحت إشراف حكومة حماس في غزة، مع مواصلة دفع مرتباتهم من قبل حكومة السلطة الفلسطينية في رام الله. باختصار أنتج الانقسام موازنتين عامتين مختلفتين، وجهازين حكوميين مختلفين.
## تحدي الانتقال إلى الاقتصاد التنموي
يمكن القول، إن اتفاق المصالحة يؤسس لدخول قطاع غزة في مرحلة يُطلق عليها في أدبيات التنمية مرحلة الإنعاش المبكر early recovery phase، وهي المرحلة التي تلي مرحلة التدخل الطارئ في مناطق الكوارث، وهي تسبق المرحلة الثالثة وهي مرحلة التنمية، والتي يكون ممكنًا معها التركيزُ على المشروعات التنموية ذات الأثر بعيد الأمد. وتتطلب مرحلةُ الإنعاش المبكر الجمع بين التدخل الإغاثي لمساعدة القطاعات الأكثر تضررًا والتي هي بحاجة لتدخل سريع وبين التدخلات ذات البعد التنموي. وهي تمثل بصفة عامة جسرًا أو مرحلة انتقالية نحو خلق اقتصاد منتج تنموي. لذا يكمن التحدي في هذه المرحلة في البحث عن آليات تدخل تجمع بين البعدين الإغاثي والتنموي، وتسمح بالانتقال التدريجي من اقتصاد الإغاثة، والاعتماد على المساعدات، إلى اقتصاد تنموي يعتمد على موارده الذاتية بنسبة عالية، ويتم تعزيز مفاهيم الاستثمار والشراكة والتجارة.
وفي مثل هذه الظروف يُطرح السؤال دائمًا: هل يتم التركيز على إعادة البناء "الترميم"، أم نسعى للتركيز على البناء والتنمية؟. ففي اليابان مثلا وبعد الحرب العالمية الثانية، كان السؤال: هل نوجه المجهود نحو إعادة إصلاح ما دمرته الحرب أم نحو البناء والتأسيس؟. والخيار الأمثل يكمن في كيفية الجمع بينهما. حيث الزمن والاقتصاد لا ينتظران، بل يتوجب العمل ضمن رؤية تقوم على: ما هي الأنشطة التي يُمكن تنفيذها بالتوازي، وما هي تلك الأنشطة التي لا يمكن تنفيذها سوى بالتوالي.
ويرتبط بذلك كيفية الموازنة وترتيب الأولويات لجماعات الضغط، فهل يتم خلق فرص عمل للشباب الخريجين أم للمتعطلين عن العمل في السنوات السابقة؟ هل الأولوية تكمن في معالجة سريعة للفقر والبطالة، أم التركيز على المشروعات الاستراتيجية التي تؤتي ثمارها بعد سنوات طويلة؟.
وتكمن أحد التحديات الهامة خلال الفترة المقبلة في كيفية خلق الانسجام في الجهاز البيروقراطي بين موظفي السلطة الفلسطينية، وهم الذين طلب منهم الجلوس في بيوتهم وليمارسوا عملهم منذ سبع سنوات وسيطلب منهم العودة لأعمالهم، وبين موظفي حكومة حماس الذين تبوأ بعضهم مناصب كان يشغلها موظفو السلطة الفلسطينية، كذلك خلق الانسجام بين الجهاز البيروقراطي في القطاع ونظيره في الضفة الغربية، مما يجعل منهما جهازًا بيروقراطيًا منسجمًا يعمل بنسق منتظم.
كما يعد إعادة الربط والتناغم بين اقتصاد قطاع غزة والضفة الغربية بعد الانفصام بسبب الحصار والانقسام تحديًا مهمًا. فقطاع غزة في حاجة ماسة للكثير مما تنتجه محافظات الشمال، كذلك الحال بالنسبة لاقتصاد الضفة الغربية الذي هو في حاجة ماسة لمنتجات قطاع غزة. وكذلك فإن التفعيل السريع لمؤسسات وشركات القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني والجامعات كي تساهم في إنجاح المرحلة يُعد تحديًا آخر مهمًا.
باختصار، تعد مرحلة ما بعد المصالحة بالنسبة للشعب الفلسطيني هي مرحلة "استراتيجية"، إما أن ينجح الشعب بعبورها نحو مستقبل أفضل، وإما أن يسقط في فجوة الفقر والاتكالية والانقسام الذي لا عودة عنه إن فشل في تجاوزه.
المجال: National Reconciliation — reconciliation · economic policy · Palestinian governance · aid — النص © Halat al-Iqlim (Cairo) — محفوظ هنا مع الإسناد إلى المصدر. — PDF