ععمر شعبان إسماعيلاقتصاد سياسي · فلسطين

منشور

تداعيات الانقسام الداخلي على منظمات العمل الأهلي الفلسطيني ومقترحات المعالجة

عمر شعبان إسماعيل · مؤسسة بال ثينك للدراسات الاستراتيجية · 2018

ورقة بحثية بالعربية تحلل كيف أضعف انقسام فتح وحماس منذ 2007 مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني وشوّه أدوارها، وتقدم مقترحات لاستعادة الوحدة الوطنية وفعالية العمل الأهلي.

ورقة بحثية بالعربية تحلل كيف أضعف انقسام فتح وحماس منذ 2007 مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني وشوّه أدوارها، وتقدم مقترحات لاستعادة الوحدة الوطنية وفعالية…

تداعيات الانقسام الداخلي على العمل الاهلي الفلسطيني ومقترحات للمعالجة.

عمر شعبان

دخل الوضع الفلسطيني منعطفاً نوعياً، عقب أحداث الانقسام بعد إقتتال داخلي دام قرابة العام على قطاع غزة بين حركة حماس والسلطة الفلسطينية في منتصف حزيران 2007 ، مما نتج عنه انقسام النظام السياسي والسلطة الفلسطينية، حيث تراجعت سيطرة السلطة الفلسطينية إلى مناطق الضفة الغربية فقط وأصبح قطاع غزة تحت سيطرة حركة حماس، نتج عن ذلك الاقتتال والانقسام تراجع معظم مكتسبات وانجازات المراحل السابقة على المستوي السياسي والبرنامج الوطني وبناء مؤسسات دولة فلسطينية حديثة. كذلك تراجع مستوى الحقوق والحريات العامة ، وما تبعه من ضعف وتهميش لدور مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني بشكل عام. كذلك تراجع شديد في مستوى التأييد العربي والدولي للقضية الفلسطينية.

تستعرض هذه الورقة تداعيات الانقسام على قطاع العمل الاهلي الفلسطيني ومحاولات المجتمع الاهلي الفلسطيني على مواجهة هذه التداعيات والجهود المبذولة منه لإنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية. تتطرق الورقة كذلك إلى طبيعة الدور الوظيفي لهذه المؤسسات خلال سنوات الانقسام، والمبادرات التي تم طرحها من أجل تحقيق انهاء الانقسام وتحقيق المصالحة الوطنية الفلسطينية، حيث تعرض الورقة أوجه القصور في دور هذه المؤسسات، إضافة للتحديات التي حالت دون وجود دور فاعل وضاغط لمؤسسات المجتمع المدني من أجل التأثير على الأطراف الفلسطينية المنقسمة (حركة فتح، حركة حماس) لإنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة الوطنية.

مقدمة

تقتضي دراسة دور مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني في انهاء الانقسام والعمل على تحقيق المصالحة، عدم إغفال أن هذه المؤسسات ليست طرفاً محايداً أو خارج دائرة الانقسام وتفاعلاته، حيث هناك العديد من هذه المؤسسات يمكن تصنيفها واعتبارها أداة وطرفاً لهذا الانقسام وجزءاً منه نظرا لتبعيتها الفكرية والسياسية. إلا أنه يمكن القول أن معظمها تنبه إلى مخاطر الانقسام وتداعياته وهو ما تجسد في محاولاتها المتواصلة لتوفير الحد الأدنى من متطلبات تحقيق المصالحة الوطنية. يختلف المجتمع المدني الفلسطيني من حيث تشكله ووظائفه عن طبيعة وشكل المجتمع المدني في الدول الاخرى المستقلة، المجتمع المدني الفلسطيني بدأ بالتشكل في ظل قانون الجمعيات العثماني قبل أن تتطور داخل البنية المؤسسية لمنظمة التحرير الفلسطينية مع تأسيسها في منتصف الستينات من القرن الماضي، حيث ان المجتمع المدني الفلسطيني تجاوز دوره التقليدي في تلبية احتياجات مجتمعية أو مطلبية فقط، بل امتد ليصبح دوره الأساسي يتمثل في القيام بمهام وطنية سياسية والتصدي لسياسات وممارسات الانتداب الانجليزي بداية والاحتلال الإسرائيلي لاحقا نظرا لعدم وجود نظام سياسي فلسطني منذ بدايات القرن الماضي، المجتمع الاهلى في فلسطين كان مطلوبا منه القيام بدور الدولة التي لم تكون موجودة.

تعد مؤسسات المجتمع الاهلي مكون أساسي وهام جداً في مكونات أي دولة، لما لها من دور تنموي وداعم في تعزيز الجهود من أجل تحقيق التنمية المجتمعية والتضامن المجتمعي، ومؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني تمثل جزءاً من حياة المجتمع الفلسطيني المدنية التي رافقته في مسيرة التكوين الوطني، وتعد قناة للتعبئة ورافعة لبناء المجتمع الفلسطيني واستنهاض مقومات بقائه وتطوره، بالإضافة الى أن مفاهيم التسامح واستيعاب الآخر والمصالحة والاندماج الديمقراطي، ومفاهيم العفو والمصلحة الوطنية هي قناعات تناضل من أجلها هذه المؤسسات وتسعى الى تعزيزها في المنظومة القيمية لمجتمعاتها. من هنا تكمن الإشكالية الرئيسية لهذه الورقة في التساؤل التالي: الى أي مدى يساهم دور مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني في العمل على إنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة الوطنية

المجتمع المدني الفلسطيني: خصوصية التشكل

إن للمجتمع المدني تاريخاً مرتبطاً بالسياسة والاقتصاد والأفكار، وبتطور نشوء فكرة المجتمع والدولة، إن هذا المجتمع هو صيرورة فكرة وتاريخية نحو المواطنة والديمقراطية" بالنظر الي مفهوم المجتمع المدني من حيث مضمونه واستخداماته في مختلف المراحل التاريخية، نجده في السياق والحالة الفلسطينية قد تميز بسمات خاصة في إطار تشكل مؤسساته ووظائفها. فعلى مستوى التشكل، ارتبط نشوء مؤسسات المجتمع المدني وتطورها في فلسطين بغياب سلطة وطنية شرعية وتحت ظروف احتلال وقهر واستعمار منذ مطلع القرن الماضي وتغييب مفتعل للشخصية الوطنية والحضارية للشعب الفلسطيني، ومع تواصل وتصعيد ظروف القمع والاضطهاد تطورت المؤسسات لتقوم بمهام ومسؤوليات هي من صلب مسؤوليات السلطة وليست مكملة لها كما هو الحال في الدول الاخرى المستقلة. ارتكز عمل مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني وخاصة المنظمات الاهلية في مواجهة سلطة الاحتلال، والعمل على تكوين أطر الحماية الذاتية للشعب الفلسطيني وتعزيز وجوده الوطني والحفاظ على هويته السياسية والاجتماعية متماسكة، وترابط نسيجه بوصفها ضرورة وطنية، إضافة لقيامها بالوظائف الاجتماعية والخدماتية. حيث تصنف أنماط مؤسسات المجتمع الفلسطيني إلى نوعين:

النوع الاول: القوى والأحزاب السياسية.

النوع الثاني: المنظمات الأهلية والتي تنقسم حسب طبيعتها إلى:

الجمعيات الخيرية والتعاونيات.

المنظمات الجماهيرية.

المؤسسات والمنظمات التنموية.

المراكز ومؤسسات البحث والإعلام وحقوق الإنسان.

مؤسسات وهيئات الدفاع عن حقوق ومصالح فئات محددة.

المجتمع المدني الفلسطيني ما بعد قيام السلطة الفلسطينية

بلغ عدد المنظمات غير الحكومية في المناطق الفلسطينية حسب إحصائية الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني 3600 منظمة. تتوزع تلك المنظمات بواقع 2800 منظمة في الضفة الغربية، و800 في قطاع غزة. تأسس ما يقارب من 60% من تلك المنظمات بعد نشوء السلطة الفلسطينية ويتركز معظمها في المناطق الحضرية. فقد مثل قيام السلطة الفلسطينية تطوراً مهما في مسيرة المجتمع المدني الفلسطيني ومؤسساته وذلك من ناحيتين:

الاولي: الزيادة الملحوظة في عدد هذه المؤسسات وتطورها النوعي وتوسع انتشارها في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة.

الثانية: تنامي دور المؤسسات، حيث أن وجود السلطة الفلسطينية وإدارتها للشأن الداخلي الفلسطيني، دفع هذا المؤسسات للمشاركة في مهام التنمية التي تتطلبها مرحلة الحكم الذاتي في مختلف المجالات، والعمل على تطوير بنية المجتمع الفلسطيني وتعزيز قيم الولاء المدني وترسيخها. إضافة لمواجهتها تعسف أجهزة السلطة والانتهاكات التي تمارسها في بعض الاوقات. وعلى الرغم من القيام بهذه الأدوار والمهمات، إلا أنها واجهت العديد من المعوقات الذاتية والموضوعية التي حدت من قدرتها على أداء دور فاعل ومؤثر يسمح لها بالمشاركة الإيجابية في توجيه العلاقات والتفاعلات داخل الحقلين السياسي والاجتماعي وتعزيز عملية التحول الديمقراطي، وفيما يلي أبرز هذه المعوقات:

المعوقات التي واجهت مؤسسات المجتمع المدني:

1- التسييس المتزايد للعديد من مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني.

2-عدم استقلاليتها في إطار علاقتها بالسلطة التي تسعى للهيمنة عليها والتدخل في أنشطتها. وهنا يمكن تقسيم مؤسسات المجتمع المدني بناءً على معيار التسييس الي مؤسسات مستقلة وحيادية، ومؤسسات حزبية ومسيسة بشكل غير مباشر لكنها تعمل في الاطار الوطني، ومؤسسات حزبية ومسيسة بشكل مباشر وتعمل وفق اجندة حزبية.

3- محدودية الموارد المالية والاقتصادية وعدم استقرار مصادر التمويل.

4- تفشي مجموعة من الظواهر السلبية في عدد كبير منها، كالشخصنة، والفساد الإداري والمالي، وغياب نظم فعالة للرقابة والمساءلة.

أثرت هذه المعوقات وغيرها الى حد كبير في أداء وطبيعة عمل مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني، والتي انعكست على مواقفها وموقعها، حيث ضعف دور المجتمع المدني بتراجع الحالة السياسية الفلسطينية عموماً، وخاصة خلال سنوات الانقسام. ففي ظل الانقسام على السلطة السياسية، لم تعد هذه المنظمات قادرة على إعادة تعريف ذاتها اجتماعياً، فتعرضت إلى ممارسات الهيمنة والإقصاء والتقييد من ناحية، ومن ناحية أخرى جرى استيعابها في الغالب ضمن هيكلة المعرفة والممارسة في إطار استراتيجيات المعونة الخارجية. لم تقتصر إنعكاسات الانقسام السياسي الذي شهدته الأراضي الفلسطينية على فضاء الحقل السياسي الفلسطيني، بل إمتدت لتصيب كافة البنى والهياكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية وتم جذبها الى مربعات الانقسام وتفصيلاته.

تأثرت مؤسسات المجتمع المدني بشدة من تداعيات وافرازات الانقسام السياسي ومن تداعيات ذلك على الحريات وتقييد العمل الاهلي، وتحولت الأجندات التنموية لتحاكي واقع الانقسام. مما أدى إلي اختلاف أجندات الكثير من تلك المنظمات جغرافياً في محاكاة الواقع الفلسطيني، وهيمنت المناطقية على أداء هذه المنظمات وبشدة بحيث أصبح المجتمع المدني في فلسطين يناقش قضايا متباينة ومختلفة حسب المنطقة الجغرافية. ففي الوقت الذي كانت مؤسسات المجتمع المدني في قطاع غزة تحاكي الحصار والعدوانات الإسرائيلية المتكررة على القطاع واغلاق المعابر، كانت المؤسسات في الضفة الغربية تحاكي الاستيطان والجدار ومصادرة الأراضي. بينما في القدس كانت القضايا المتعلقة بسحب الهويات وهدم المباني وتهويد المدينة هي محور عمل المؤسسات هناك. وبالتالي غابت الاجندة الوطنية الموحدة أو تراجعت بفعل هذه السياسات لتناسب المناطق التي تعمل بها.

المجتمع المدني الفلسطيني وحالة الانقسام

جاء الانقسام في حزيران/يونيو2007 مكملاً لحالة الانهيار التي بدأت منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي، والتي حملت بذوراً من المرحلة التي سبقتها، مرحلة قيادة منظمة التحرير للكفاح الوطني من الخارج، بما في ذلك محاولات إسرائيل المقصودة لتعميق الانقسام ودفع الوضع برمته إلى النهاية التي وصل إليها. آلت تلك الامور مجتمعة الى تلاشي أسس شروط التنمية وشبه غياب كامل لتعزيز الحيز العام المتمثل في المجتمع المدني. فالانقسام الفلسطيني في حزيران /يونيو 2007 مر بثلاثة مراحل أساسية تمثلت في:

تنامي حدة الاستقطاب الثنائي بين حركة فتح وحركة حماس، عقب الانتخابات التشريعية الثانية عام 2006 في ظل وحدة السلطة والتنازع على الصلاحيات وازدواجية السيطرة.

مرحلة الانتقال بالاستقطاب والصراع، من الاطار السياسي الى مربع الاقتتال الداخلي والعسكرة.

حسم الصراع بالقوة والسلاح، ما أدى الى ازدواجية السيطرة وثنائية السلطة.

هذه المراحل تطرح تساؤلا بشأن مدى إسهام مؤسسات المجتمع المدني نحو تعزيز مجموعة القيم والمبادئ وترسيخها، مثل قيم التسامح والحوار، والاندماج والولاء الوطني والمجتمعي، والسلم الاجتماعي وثقافة التفاوض في حل الخلافات بدلاً من لغة القوة حتى تحول دون تفاقم حالة الانقسام في ظل كافة المعيقات التي تواجهها.

التغير في دور وأداء مؤسسات المجتمع المدني

برزت بعض المتغيرات في أداء المؤسسات عقب تعرض المجتمع المدني لسلسة من الاجراءات والقرارات والقوانين في كل من غزة والضفة والهادفة إلى الحد من استقلاليتها ومحاولة التدخل في شؤونها ومنها:

تقلص دورها في مجال الدفاع عن الحريات العامة والقضايا الديمقراطية الامر الذي دفعها للحفاظ على ذاتها أمام وطأة الاجراءات الجديدة.

تحجيم انتشار المنظمات ذات التوجهات الديمقراطية والعلمانية، وبالمقابل بروز وانتشار منظمات جديدة ذات طبيعة قريبة من الحزب السياسي الحاكم في كل من غزة والضفة. ففي غزة برزت العديد من المنظمات التابعة لحركة حماس أو قريبة منها، وفي الضفة برزت العديد من المنظمات التابعة لفتح او القريبة منها. وفي المقابل تم تحجيم وإغلاق العديد من المنظمات التي لها علاقة مع الحزب السياسي المنافس في كل منطقة من المنطقتين.

انزياح نخب المجتمع المدني إلى التكيف مع متطلبات السلطة القائمة ولكن بما يحافظ على استقلالية وبقاء واستمرارية عمل المنظمات الأهلية. فالتصادم مع السلطة أصبح ضعيفاً وناعماً بشكل راعى الدبلوماسي في الخطاب النقدي للسلطة وتجنب الصدام معها.

تراجع العمل التنموي لصالح العمل الإغاثي بسبب الحصار الاسرائيلي المفروض على القطاع والدمار الذي نتج عن ثلاثة حروب اسرائيلية متتالية، وتدمير للمؤسسات والجمعيات والبنى التحتية. فالفقر والبطالة والقضايا المجتمعية فرضت على المنظمات التغيير في أدوارها. فأصبح العمل الاغاثي يهيمن على طبيعة وأداء المؤسسات.

دخول جهات تمويلية جديدة ذات توجهات إسلامية (تركيا-قطر-اندونيسيا-ماليزيا) والتي إهتمت بدعم المنظمات ذات التوجه الإسلامي على حساب المؤسسات ذات الصبغة العلمانية أو اليسارية، وعززت من تقديم المساعدة أو الخدمة ارتباطاً بالانتماء الحزبي.

عدم قدرة المنظمات الاهلية على بلورة رؤية وطنية واجندة عمل واضحة ما جعله يستجيب دون مقاومة لأجندات التمويل الدولي.

وأصبحت مؤسسات المجتمع المدني تعاني من حالة التباين في موقفها وموقعها من حالة الانقسام حيث يمكن تقسمها الي التالي:

مؤسسات أيدت توجهات القوى السياسية المتنازعة وأساليب تعاملها خلال مراحل الانقسام، لا سيما المؤسسات التابعة لهذه القوى والمناصرة لها، والتي قامت باستخدام العديد من هذه المؤسسات كأدوات للانقسام وفرض الهيمنة السياسية، إضافة الي انحياز بعض هذه المؤسسات في خطابها الإعلامي – السياسي الى احد اطراف الانقسام والعمل على تبرير الممارسات التي تقوم بها هذه الأطراف.

مؤسسات استهدفت خلال الانقسام، إذ أدت مساهمتها ومساندتها للقوى السياسية المتنازعة الى استهدافها. وأخذ هذا أشكالا عديدة كالاعتداء على القائمين عليها، واعتقالهم واغلاق الكثير منها، ومنعها من ممارسة نشاطاتها ومصادرة محتوياتها كما طالت هذه الإجراءات أحيانا مؤسسات ليست لها علاقة بالأطراف المتنازعة وخاصة المؤسسات التي تقوم بمراقبة ممارسات هذه الأطراف ورصدها.

مؤسسات لم تكن معنية بموضوع الانقسام او المصالحة، إما بسبب تخوفها من التدخل في هذه الموضوعات او بحكم نشاطها وضعف إمكاناتها وقدراتها على التعاطي مع حالة الانقسام، وهذا ما برز بوضوح في عزوف الكثير من مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني عن المشاركة في الفعاليات والنشاطات والمبادرات التي تهدف الى انهاء الانقسام وتحقيق المصالحة، كالمؤسسات العاملة في ميدان التنمية المجتمعية، والمؤسسات ذات الطابع المدني – الاغاثي، والعديد من المؤسسات النقابية.

مؤسسات عارضت وصول التنافس والصراع السياسي الى مرحلة الانقسام وشروع بعضها في اتخاذ مجموعة من الخطوات في اطار مساعيها لتحقيق المصالحة الوطنية، من خلال العمل على تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة وتهيئة بيئة مواتية لإجراء الحوار الوطني وإنجاز المصالحة. وقد تجسد ذلك في العديد من المؤتمرات والنقاشات والندوات التي نظمتها هذه المؤسسات بمشاركة ممثلين عن مختلف الفصائل الفلسطيني، إضافة الى تقديمها بعض المبادرات التي عكست رؤية هذه المؤسسات تجاه حالة الانقسام، وما تضمنه من مجموعة من الاليات المقترحة للمساهمة في حل الخلافات بين حركتي فتح وحماس، وتحقيق المصالحة الوطنية.

مبادرات المجتمع المدني لإنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية:

ظهرت خلال الخمس عشرة عاماً من الانقسام، العديد من المبادرات المحدودة لمؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني الذين تحركوا للإصلاح بين حركتي فتح وحماس وتحقيق المصالحة الوطنية، لكن كافة هذه المحاولات كانت تفتقد الزخم والقدرة على تحقيق اختراق في جدار الانقسام. حيث يمكن تصنيف أشكال المبادرات التي تقدمت بها مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني، الى جانب المبادرات التي طرحتها الفصائل الفلسطينية الي ما يلي:

مبادرات لمعالجة حالة الانقسام.

مبادرات لمعالجة تداعيات حالة الانقسام.

مبادرات للضغط لإجراء حوار.

مبادرات لتسويق رؤى معينة.

نذكر هنا بعضا من هذه المبادرات التي تقدم بها المجتمع المدني الفلسطيني لأنهاء الانقسام منذ عام 2007:

أولا: مبادرات مؤسسة بال ثينك للدراسات الاستراتيجية:

منذ بداية احداث الانقسام في يونيو 2007 عملت مؤسسة بال ثينك على طرح مجموعة من الرؤى وتنفيذ العديد من المبادرات فيما يتعلق بكيفية انهاء الانقسام والسعي نحو تقريب وجهات النظر بين حركة حماس وحركة فتح، حيث كانت المبادر الأول من مؤسسات المجتمع المدني للعمل على انهاء الانقسام، وقامت في سبتمبر 2007 بتقديم مبادرة لكيفية الخروج من الازمة (كما موضح ادناه – مقترح إطار للحل) وبعد ذلك أصبحت مرجعية للمبادرات الاخرى وهذا كان بمثابة التحفيز للمؤسسات للعمل نحو انهاء الانقسام وتحقيق المصالحة المجتمعية، وعلى الرغم من غياب آليات لتفعيل تلك المبادرات على ارض الواقع، باستثناء عدد قليل من المؤسسات، أبرزها مؤسسة بال ثينك للدراسات الاستراتيجية التي استمرت في متابعة المبادرات التي قدمتها إضافة لتقديمها مجموعة من المقترحات لمعالجة تداعيات الانقسام على الجهاز القضائي والحكومي والنسيج الاجتماعي وتقديم تصورات وحلول للخروج من حالة الانقسام

فعلى مدار سنوات الانقسام، نفذت المؤسسة مجموعة من المبادرات والمؤتمرات واللقاءات الحوارية لمناقشة كيفية العمل على استعادة الوحدة الوطنية وتحقيق المصالحة، جاءت هذه الأفكار والمبادرات من اجل العمل على تذييل العقبات التي أدت لحدوث الانقسام وسيطرة حركة حماس على قطاع غزة، حيث هدفت الى تناول معظم القضايا على المستوى الاقتصادي، السياسي، والاجتماعي ومن اهم هذه المبادرات:

مبادرة بال ثينك للمصالحة" مقترح إطار للحل، 2007:

أصدرت مؤسسة بال ثينك في سبتمبر 2007، ورقة سياسات بعنوان: (الخروج من الازمة الفلسطينية: ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل)، جاءت هذه الورقة نتاج للعديد من الجلسات التفاكرية والعصف الذهني التي نظمتها المؤسسة مع عدد من ممثلي القوى السياسية وأعضاء المجلس التشريعي والأكاديميين والناشطين في إطار المجتمع المدني، تعتبر هذه الورقة منتوجاً عاماً وذلك لارتباطها بدوافع وطنية متحررة من الحسابات الحزبية الضيقة، او الإقليمية المتجاوزة للمصالح الوطنية الفلسطينية، وتصلح ان تحول الى مرجعية واداة ضغط على أصحاب القرار السياسي، جاءت هذه الورقة بهدف المساهمة الفاعلة في إطلاق عملية المصالحة الوطنية، وبدء الحوار لإعادة الوحدة للمشروع الوطني،. حيث حاولت الورقة ان تتضمن إجابات منطقية عقلانية على التساؤلات التي طرحها الواقع، قدمت الورقة سبل الخروج من الازمة الداخلية عقب احداث يونيو 2007 ورؤية بال ثينك للدراسات الاستراتيجية لكيفية الخروج من الازمة ومن منظور فلسطيني خالص.

المبادرات المجتمعية لتعزيز الوحدة المجتمعية والمصالحة الوطنية:

تمثلت هذه المبادرات في التعاون مع العدد من المؤسسات القاعدية في محافظات غزة، والتي قدمت مبادرات لتنفيذ أنشطة وفعاليات على صعيد المجتمع وبالشراكة مع مؤسسات في محافظات الضفة الغربية، وجاءت هذه المبادرات ضمن مشروع مساهمة قطاع المؤسسات الاهلية القاعدية في شطري الوطن في تحقيق الوحدة المجتمعية على المستوى الوطني، ويأتي ذلك ضمن تجمع المؤسسات الاهلية للمصالحة الفلسطينية الذي يضم عدد من المؤسسات الاهلية للمصالحة الفلسطينية.

لقاءات حوارية، بال ثينك للدراسات الاستراتيجية بالشراكة مع سكرتارية الأطر الطلابية:

عقدت سكرتاريا الأطر الطلابية في قطاع غزة في إطار التعاون مع مؤسسة بال ثينك سلسلة من اللقاءات الحوارية مع مجموعة من طلاب وطالبات الجامعات، حيث تمحورت هذه اللقاءات حول أهمية دور الشباب في المجتمع وكيفية تعزيز دورهم في المشاركة السياسية والمجتمعية، أضافة لمناقشة تداعيات الانقسام وحرمان الشباب مش حقهم في المشاركة والانتخابات، وكيفية تفعيل دور الشباب في المجتمع واخذ دور فاعل في الضغط على صناع القرار لإنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية.

الورقة السويسرية، خارطة طريق لدمج الموظفين:

قبيل تشكل حكومة الوفاق الوطني الفلسطيني 2013/2014، عملت بال ثينك للدراسات الاستراتيجية وبالشراكة مع الحكومة السويسرية على مدار عام كامل لتقديم خطة كاملة لحل، وجاءت هذه المبادرة الوحيدة فيما يتعلق بقضية الموظفين في القطاع العام، حيث جاء شعار الورقة كالتالي: "كل من يعمل عليه ان يتقاضى راتب، وكل من يتقاضى راتب عليه ان يعمل"، وبنيت الورقة وفقاً للقانون الأساسي الفلسطيني وديوان الموظفين العام، وجاءت الورقة تقدم فحوى خارطة طريق لدمج الموظفين المدنيين في قطاع غزة ضمن رزمة من المعايير التي تساعد على تطبيق عملية اندماج عملي وتدريجي وهدفت أيضا الى الاسهام في تقوية حكومة الوفاق وتعزيز المصالحة وتعد إسهاماً معتبراً في انجاز بنية موحدة وفعالة للخدمات المدنية في جميع المحافظات. وشملت الورقة على خطة مالية تكون على مدار خمس سنوات من اجل عملية اصلاح، تأهيل، تنمية، وتطوير القطاع العام في الحكومة الفلسطينية.

ثانياً: مبادرة القطاع الخاص وجمعية رجال الاعمال:

تمحورت في كيفية معالجة اشكال الازمة المتمثلة بالمقرات الأمنية، وتقدير الخسائر وتعويض أصحابها، وتوزيع الصلاحيات الأمنية بوضوح بين رئيس السلطة الوطنية والحكومة، وتشكيل حكومة تكنوقراط.

ثالثاً: مبادرة بعض الشخصيات المستقلة وقيادات في العمل الميداني:

طالبت بتصويب الأوضاع الأمنية والإدارية والسياسية التي ساهمت في تفاقم الازمة بين الطرفين، ودعت الى تشكيل حكومة وحدة وطنية تتولى معالجة المشاكل الأمنية والإدارية.

رابعاً: مبادرة المركز الفلسطيني للديمقراطية وحل النزاعات:

قدمت هذه المبادرة تصورات لحل بعض المشاكل، كالأمن، والعلاقة بين السلطة والمنظمة، وتنازع الصلاحيات بينهما. ودعت المبادرة الى تشكيل المحكمة الدستورية، واعتماد التمثيل النسبي الكامل في أي انتخابات فلسطينية، واللجوء للتحكيم من اجل إيجاد مخرج قانوني بما يتعلق بالموقف من الاتفاقيات السابقة التي وقعتها منظمة التحرير الفلسطينية مع إسرائيل.

خامساً: مبادرة مجموعة الحوار الوطني من المثقفين والأكاديميين في عدد من المؤسسات المحلية والمراكز البحثية:

جاءت هذه المبادرة حول انهاء الخلاف بين حركتي فتح وحماس ومسبباته، ووضع أسس للإجماع الوطني ترتكز على الثوابت الوطنية، والسلم الأهلي، والتوافق الوطني، وحق المشاركة السياسية، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، وإعادة بناء الأجهزة الأمنية على أسس مهنية فلسطينية خالصة.

هذه المبادرات وغيرها جاءت لتحمل في رؤيتها إنهاء حالة الانقسام وتحقيق المصالحة، حيث اتسمت بتقارب أهدافها وتباين دوافعها. لكن وعلى الرغم مما قدم من مبادرات لإنهاء حالة الانقسام وتحقيق المصالحة الوطنية والترحيب الذي ابدته القوى السياسية لهذه المبادرات، لا سيما حركة فتح وحركة حماس، حيث واجهت مؤسسات المجتمع المدني العديد من أوجه القصور والتحديات التي حالت دون تنفيذ مبادرات إنهاء الانقسام، ساهم ذلك في عدم تبني القوي السياسية لهذه المبادرات التي تقدمت بها مؤسسات المجتمع المدني.

التحديات التي تواجه مبادرات مؤسسات المجتمع المدني

مرت مبادرات المجتمع المدني بمجموعة من العراقيل والتحديات التي حالت دون تطبيقها، وساهمت في عدم استمرارها وتبنيها، ومن أهم هذه التحديات ما يلي:

افتقار هذه المبادرات لرؤية موحدة تجاه متطلبات انهاء الانقسام.

غياب التنسيق بين مؤسسات المجتمع المدني فيما تطرح من مبادرات تم تقديمها، إضافة لتعدد هذه المبادرات، وعدم تقديم آليات تساهم في مواجهة تحديات التطبيق العملي لهذه المبادرات، مثل مسألة الامن، وكيفية توحيد اجهزته، إضافة الى كيفية تنظيم العلاقة بين السلطة والمنظمة وإعادة تفعيل مؤسساتها.

وجود حالة من التنافس السلبي بين مؤسسات المجتمع المدني في موضوع المصالحة.

توظيف هذه المبادرات لخدمة أغراض بعض المؤسسات وتوجهاتها أحياناً.

ضعف بعض المؤسسات وعدم قدرتها على خلق قاعدة شعبية والتحشيد من أجل كسب التأييد والمناصرة للضغط على أطراف الانقسام لتبني المبادرات وتنفيذها.

انحياز بعض المبادرات لأحد طرفي الانقسام، وتدخل بعض الأطراف الخارجية لتقويض أي مساعي لا تتفق مع مصالحها.

اخفاق المبادرات في عرض آليات لمعاجلة التداعيات الاجتماعية لحالة الانقسام كمتطلب أساسي لتحقيق المصالحة الوطنية في اطارها الشامل، إضافة الى ترحيل بعض القضايا واحالتها الى لجان، دون الخوض في ماهية هذه اللجان وتكوينها واختصاصها ومدى إلزامية القرارات الصادرة عنها.

التوصيات: نحو تفعيل وتعزيز دور المجتمع المدني في انهاء الانقسام

بعد استعراض طبيعة وخصوصية المجتمع المدني الفلسطيني، والتحديات التي يواجهها إضافة الى دوره ومساهمته على مدار سنوات لتجاوز حالة الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية وما قدمه من مبادرات لتحقيق ذلك، لم تكن مؤسسات المجتمع المدني بذاتها مستقلة عن التأثير والتأثر بحالة الانقسام، فما تزال هدفاً واداة وجزءا من حالة التفتت والتشتت الفلسطيني.

وفي خضم ذلك، وللكثير من الدواعي والمبررات فإن المسئولية الملقاة على عاتق المجتمع المدني الفلسطيني جسيمة ومضاعفة، ويتطلب الواقع الحالي منها إعادة ترتيب أولوياتها وتعزيز أسس ومقومات المصالحة والتهيئة لها والعمل على تحقيقها بمختلف الوسائل والأدوات والآليات الفعلية والنظرية التي تمتلكها مؤسسات المجتمع المدني والعوامل المؤثرة على المجتمع المدني الفلسطيني حيث أن التجارب السابقة تدل على الوعي بأهمية الدور الذي يلعبه المجتمع المدني في ملف المصالحة، لكن ما يزال هذا الدور بحاجة الي تطوير ولكي يصبح مؤهلا وقادراً على التأثير من أجل انهاء الانقسام وإنجاح المصالحة، وذلك يتم من خلال:

اولاً: وجود رؤية شاملة وموحدة لمؤسسات المجتمع المدني لتحقيق المصالحة، والتعلم من التجارب والدروس السابقة، هذا بدوره يعمل على توحيد الجهود وتفعيل الضغط المدني ويزيد من قوة ما قد يطرحه المجتمع المدني من مبادرات واليات لإنهاء الانقسام.

ثانيا: ضرورة ان تكون هناك مبادرة واقعية، مفصلة، واضحة، شاملة، تأخذ بعين الاعتبار كافة التحديات وأوجه القصور في المبادرات السابقة، وتقوم بدور تراكمي يبني على إيجابيات المبادرات التي أحدثت تقارب في وجهات النظر وتعزيز حضورها.

ثالثا: يقتضي مساهمة كافة الأطراف الفلسطينية، الى جانب مؤسسات المجتمع المدني لإنجاز المصالحة وتداعيات الانقسام على كافة الأصعدة والعمل على بناء التحالفات والائتلافات والشبكات المحلية والوطنية والإقليمية لمواجهة التحديات التي يتعرض لها المجتمع المدني والعمل على تعزيز دورها ومساعيها في التغيير نحو الأفضل.

رابعا: العمل على دعم سبل وآليات تعزيز السلم المجتمعي، وتعزيز ثقافة الحوار والانفتاح وتقبل الاخر للمساهمة في تعزيز المصالحة الفلسطينية وعلاج كافة تداعيات الانقسام.

خامساً: العمل بشكل مشترك بين كافة المؤسسات والجهات والتخلص من النزعات المؤسساتية المنفردة والعمل بروح الفريق الواحد، وتكثيف التنسيق البيني وتبادل الخبرات والاستشارات، هذا بدوره يدفع الى لعب دور أكثر مرونة وفاعلية.

سادساً: التواصل والتنسيق بين مؤسسات المجتمع المدني والوساطة المصرية من اجل العمل المشترك في عملية انهاء الانقسام وتحقيق المصالحة الوطنية الفلسطينية، وذلك يعود لأهمية الدور المصري في الملف الفلسطيني ولقدرة الطرف المصري على نسج علاقات متوازنة مع كافة الأطراف والقدرة على التدخل السريع لوقف أي انحدار.

المصادر والمراجع

كسبة، قدري فضل، منظمات المجتمع المدني ودورها في تعزيز مفهوم المواطنة في فلسطين، جامعة النجاح الوطنية، نابلس، فلسطين، 2013.

أبو مطر، محمد عبد الله، اسهام مؤسسات المجتمع المدني في انهاء حالة الانقسام وتحقيق المصالحة الوطنية (2007-2010)، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، قطر، 2012.

الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، 2016، http://www.pcbs.gov.ps/Downloads/book2238.pdf

أوراق عمل مؤتمر: تعزيز دور المجتمع المدني في استعادة الوحدة الوطنية، بال ثينك للدراسات الاستراتيجية، غزة، فلسطين، أكتوبر 2009.

موقع مؤسسة بال ثينك للدراسات والتفكير الاستراتيجي، http://palthink.org/

المجال: National Reconciliation — internal division · civil society · NGOs · reconciliation · Gaza Governance · PalThink · Fatah · Hamas — المصدر الأصليPDF

تغطية إعلامية ذات صلة

كل المنشورات