ععمر شعبان إسماعيلاقتصاد سياسي · فلسطين

منشور

تداعيات الانقسام الفلسطيني والمخطط الأميركي الإسرائيلي لتوظيفه

عمر شعبان إسماعيل · مؤسسة بال ثينك للدراسات الاستراتيجية · 2019

تحليل بالعربية لكيف مكّن الانقسام السياسي الفلسطيني المستمر جهات خارجية — ولا سيما إدارة ترامب — من تسويق مخططات تعمّق الفصل بين غزة والضفة بدلاً من المصالحة الوطنية.

تحليل بالعربية لكيف مكّن الانقسام السياسي الفلسطيني المستمر جهات خارجية — ولا سيما إدارة ترامب — من تسويق مخططات تعمّق الفصل بين غزة والضفة بدلاً من…

تداعيات الانقسام الفلسطيني والمخطط الأميركي الإسرائيلي لتوظيفه

عمر شعبان

لا يوجد تحوّل من سلطة إلى دولة فلسطينية، حقا، قبل إنهاء الانقسام الفلسطيني – الفلسطيني، وقد بات لهذا الانقسام تداعيات وأمر واقع نتج عنه، لم يعد ممكناً معالجته بمجرد التوصل لاتفاقيات، ولعل التطور الذي برز في عهد إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، هو السعّي العلني لتوظيف هذا الانقسام، بما يُبقي عليه، وبما يحول عملياً دون قيام الدولة الفلسطينية، عبر إدامة الانفصالين السياسي والجغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة. وتسعى هذه الإدارة إلى استغلال استغلال الظروف الإنسانية والاقتصادية المتردية، والتي كان للانقسام دوراً في بروزها، لتحقيق غايات سياسية وقانونية. يرصد هذا المقال أولا، تداعيات الانقسام الفلسطيني الداخلي، وثانيا، تحولات الموقف الأميركي منه وصولاً إلى العام 2018، التي اتضح فيه بشكل خاص السعي إلى إعادة الزمن إلى الخلف، لجعل الدولة الفلسطينية المستقلة الموحدة أكثر صعوبةً، عبر الحفاظ على الانقسام.

يربط كثير من المهتمين والكُتاّب وذوي الاختصاص مصطلح الانقسام الفلسطيني، بسيطرة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) على قطاع غزة، في أوساط حزيران (يونيو) 2007، بعد توتر وصدامات داخلية دامت عام تقريبا منذ الانتخابات التشريعية الثانية في كانون ثاني (يناير) 2006، وما ترتب عليه من قطع للتواصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة وتأليف حكومتين منفصلتين. ويعيد كتاب آخرين جذور الانقسام إلى أبعد من هذا التاريخ، باعتباره جاء نتيجةً لسلسلة متراكمة من الخلافات والاختلافات السياسية والايدولوجية بين قوى منظمة التحرير الفلسطينية وحركة "حماس"، منذ نشوء الأخيرة، عام 1987، وتعمَقَت بالتدريج، حتى تمكنت هذه الخلافات والصراعات من خلخلة ركيزتي مشروع التحرر الوطني؛ المقاومة والتسوية، ناهيك عن انعكاسه على كافة اشكال الحياة في فلسطين.

منذ حدوث الانقسام، لم ينقطع الاهتمام به فلسطينياً وبآثاره، فقد قُدِّمت بشأنه مبادرات كثيرة لرأب الصدع، انبثقت من سلسلة اتفاقات توصل لها الجانبان، منها اتفاق القاهرة 2006م، ووثيقة الأسرى الفلسطينيين للوفاق الوطني 2006م، واتفاق مكة 2007، والورقة المصرية 2009، واتفاق القاهرة 2011، واتفاق الدوحة 2012، واتفاق الشاطئ 2014، واتفاق القاهرة 2017. كل ذلك لم يفلح بتحقيق المصالحة لأسباب منها ما هو داخلي، مثل حسابات التنافس الفصائلي، وعدم الجدّية في السعي للمصالحة، ومنها ما هو خارجي يتعلق بتدخلات دول إقليمية وخارجية لعرقلة المصالحة، حيناً، ولفرض شكل معين لها، حيناً آخر، يخدم مصالحها.

أولا: تداعيات الانقسام

كان النظام السياسي الفلسطيني يعاني مـن أزمـة تشـمل البنية والأداء قبل النتائج التي أفضت اليها الانتخابات التشريعية في 25 كانون ثاني (يناير) 2006، وجاءت سيطرة "حماس" العسكرية على قطـاع غزة لتدشن مرحلة أخرى في سياق تفاقم الأزمة وشمولها، حيث احتــدم الصــراع داخــل النظــام الساسي الفلسطيني ذاتــه علــي مقتضيات الشرعية والهوية وأسســها. وقد أفضت سيطرة "حماس" على غزة الى تكريس حالـة مـن الفصـل السياسي والإداري بين الضـفة الغربية وقطـاع غـزة، ونجـم عنـها وصـاحبها ممارسـات شـكّلت اعتـداءًا صـارخاً علـى الحُريات والحقوق ومكتسبات الشعب الفلسطيني طوال العقود الماضية.

لقد تفسـخ النظـام السياسي الفلسطيني، علـى هشاشـته وضـعفه، ممـا أدى إلـى تعميق ظـاهرة الانقسام السياسي والاجتماعي والإداري والجغرافـي وحتـى الثقـافي والنفسـي بين أبنـاء المجتمــع الواحــد، وعلــى الأرض التــي يناضل مــن أجــل إقامــة دولتــه ذات السيادة عليها. وترَسَّخ الانقسام وامتد أفقياً وعمودياً، فزاد النظام السياسي تَفسُخاً، وتَفسّخَت الجُغرافيا. وشبّ جيل كامل والصورة في عينيه وذهنه أن التناقض تناقض فلسطيني- فلسطيني يسير بخط مواز للتناقض مع المحتل. وشكل الانقسام تهديداً للمصالح العليا للشعب الفلسطيني في عموم أماكن تواجده، ونشأ واقع أصبح فيه لكل تجمع فلسطيني قضاياه الخاصة، وتراجع الاهتمام فيه بالقضية المركزية، قضية التحرر والاستقلال والعودة، واندفع كل تجمع للانشغال بهمومه الخاصة، وبما يواجهه من تحديات على وجوده. ويمكن تقسيم تداعيات الانقسام عبر العناوين التالية:

التداعيات المؤسساتية:

أصبحت السلطة الفلسطينية منقسمة إلى سلطتين إحداهما في الضفة الغربية والأخرى في قطاع غزة، وتسبب الانقسام في تعطيل الحياة الديمقراطية فاستيلاء حركة "حماس" على السلطة بقوة السلاح في غزة، يعتبر نقيضاً للممارسة الديمقراطية، ناهيك عما تسبب به ذلك من تبعات بخلق حالة من الانقسام في النظام السياسي الفلسطيني، وتعطيل آليات عمل الديمقراطية وتطورها. حيث تعطل عمل المجلس التشريعي الفلسطيني مما أثر جوهرياً على عملية فصل السلطات، حيث هيمنت السلطات التنفيذية على العمل السياسي والتشريعي والقضائي الفلسطيني، كما تراجعت حرية العمل الحزبي ومؤسسات المجتمع المدني وحرية التعبير في شقي الوطن الفلسطيني، وبدأت ترتسم على الاراضي الفلسطينية ملامح نظامين سياسيين مختلفين، يجسدها وجود مؤسسات متوازية وكيانين منفصلين، واحد في قطاع غزة وآخر في الضفة الغربية.

وكنتيجة أيضاً برزت إشكاليات متعلقة بالجهاز الإداري في قطاع غزة وصعوبات إدماج الموظفين والعاملين في القطاع، واستيعابهم في الجهاز الإداري للسلطة الفلسطينية، خاصة ما يتعلق بتحمل رواتبهم، وهو أمر ليس يسيرًا على السلطة الفلسطينية، فمن الوارد عجز السلطة الفلسطينية عن الوفاء بالتزاماتها المالية، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية المزمنة التي تُعاني منها السلطة الفلسطينية.

تعددية السلاح وأجهزة تنفيذ القانون:

إحدى النقاط الشائكة الرئيسية التي نشأن عن الانقسام هي قضية تعدد السلاح والأجنحة العسكرية، ومن يسيطر على الأمن في غزة، حيث بنى الجناح العسكري لحركة "حماس" وحركات المقاومة الاخرى ترسانة هائلة من السلاح بأنواعه، بالإضافة إلى شبكة من الأنفاق المحصنة، ودخلت ثلاثة حروب، رئيسية، بمواجهة إسرائيل. وتقول "حماس" إن استمرار سيطرتها على "أسلحة المقاومة" غير قابلة للتفاوض. لكن الرئيس محمود عباس قال إنه لن يتسامح مع نسخة قد تنشأ في غزة، من "نموذج حزب الله في لبنان"، حيث تمارس هناك منظمة مدججة بالسلاح نفوذاً على حكومة ضعيفة ومؤسسات مفرغة المحتوى.

تعددية وإشكاليات في عمليات التشريع:

نتج عن الانقسام، اختلال وتغيير في آلية التشريع التي لم تعد تستند إلى القانون الأساسي أو النظام الداخلي للمجلس التشريعي، وبالتالي أصبحت قوانين جديدة تقر في قطاع غزة من قبل كتلة "حماس" في المجلس التشريعي وتنشر دون الرجوع الى رئيس السلطة الذي يملك سلطة الإصدار للنشر، وتطبق فيها فقط. وبلغ عدد التشريعات والقوانين من قبل المجلس التشريعي في غزة بعد عام 2008، ما يقارب 47 قانون، في سبع سنوات فقط. بالإضافة إلى 2446 قرارا. وفي الضفة الغربية أقرت قوانين وُفق قرارات بقوانين صادرة عن رئيس السلطة تطبق بالضفة، وهي وإن كانت إحدى طرق التشريع الاستثنائية فهي محددة بشروط تم تجاوزها وعدم التقيد بها، ورتب تطبيق القوانين الجديدة وجود مراكز قانونية لا يجوز المساس بها أو تغاضيها في مرحلة الوحدة وما بعد المصالحة.

وفاقم الانقسام من إشكالية غياب سيادة القانون في مجال إعمال المنظومة التشريعية والقانونية للحقوق والحريات وإنفاذها؛ كـون الانقسام يشكل موضوعيا حالة مناقضة لحكم الـقـانـون، وهـو مـا كشفت عنه الانتهاكات التي طالت مختلف هذه الحقوق والحريات في كل من قطاع غزة والضفة الغربية، وهذه الحريات في تراجع مستمر بحسب تقارير المراكز الحقوقية. كل ذلك يعكس مجموعة دلالات، أبرزها الاتجاه نحو خلق واقع قانوني جديد ذي نزعة أيديولوجية، نتج عنه توتير النظام القانوني القائم وإرباكه، والقطع معه.

تقارب البرامج السياسية وزيادة الفجوة الثقافية والمعنوية والنفسية

إذا كان ما احتوته وثيقة حركة "حماس" الجديدة التي أصدرتها الحركة عام 2017، يجعل برنامجها السياسي أقرب في مضمونه من البرنامج الحالي لحركة فتح، فهو ربما يُشير إلى خطوات في إطار التنافس وليس التقارب، وهو ما يتضح من اتساع الفجوة الثقافية والمعنوية والسياسية المصاحبة للانقسام. لقد فاقم الاستقطاب الحاد بين "فتح" و"حماس"، الذي ظهر في وجود قوتين متوازنتين تستند كل منها إلى مصادر لتعزيز شرعيتها في ظل الانقسام، الخلافات، وتحول ذلك إلى وسيلة لإبقاء الوضع القائم على حاله، وإلى ميدان للتنافس الداخلي على مواقع القوة والنفوذ تحت الاحتلال. وساهمت الخلافات وتباين المصالح المختلفة للحركتين، في إحداث مزيد من التشظي في صفوف الفلسطينيين. وتحركت ديناميات التقويض الــذاتي كالعســكرة، وانعــدمت الرؤية الموحــدة وفشــلت عمليات الانــدماج السياسي والاجتمــاعي وانفلتت مختلف أشكال الولاءات العصبية: فئوية وجهوية وعائلية. وأصبح شائعاً استخدام العنـف والقـوة المفرطـة فـي معالجـة التناقضـات الداخلية فـي صـفوف الشعب، وانتشرت ثقافة وقيم العنف، وانتهاك حقـوق الإنسـان، وتعرضت قـدرة الإنسـان الفلسطيني علـى الصـمود للخطـر، وضـربت التعددية السیاسـیة وآليات الديمقراطية، وتفاقمت ظواهر الإقصاء والتكفير والتخوين وعدم الاعتراف بالآخر وبحق الاختلاف.

وذلك خلافا لما كانت عليه الهوية الوطنية عندما كان الشعب الفلسطيني يواجه الاحتلال بالثورة والانتفاضة. ولم يعرف الوطنيون الفلسطينيون حينها هَويّات فِرعية مُتناحرة أو انتماء إلا لفلسطين الأمر الذي جنبهم الوقوع في متاهات الصراعات العرقية والطائفية والجهوية التي تعاني منها اليوم كثير من الدول العربية والإسلامية، إلا أن توقُف المواجهة الساخنة مع العدو وحالة الانقسام أفرزت تداعيات سلبية على وحدة وتماسك المجتمع والهوية.

لقد كانت إسرائيل من أهم من اشتغل على اصطناع هوية الضفة وهوية غزة وتعزيز حالة التباين بين الطرفين لإفشال المشروع الوطني القائل بدولة فلسطينية مستقلة في الضفة وغزة وكان الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة من طرف واحد عام 2005 أهم خطوة في هذا السياق، إلا أن أطرافا عربية وفلسطينية عززت هذا التباين بين الضفة وغزة، وقد سعت جميع الأطراف المتواطئة في خلق تباين بين هوية غزة وهوية الضفة لخلق القطيعة ما بين الضفة وغزة ومحاولة تحويل الانقسام من انقسام جغرافي وسياسي إلى انقسام اجتماعي وثقافي وهو الأكثر خطورة لأنه يؤدي لتفكيك الرابطة الوطنية التي توحد الجميع.

تفاقمت أزمة الهوية عندما ربطت حركة حماس نفسها بمشروع الإسلام السياسي الذي يصطنع تعارضا بين الهوية الوطنية والإسلام، أو بين المشروع الوطني والمشروع الإسلامي، ومع سيطرة حماس على قطاع غزة تم تهميش وتهديد الهوية الوطنية عندما عملت حركة "حماس" على إلحاق القضية الفلسطينية بمشروع الإسلام السياسي للإخوان وتمت إدارة الظهر للمصالحة الوطنية وللعمل الوطني لصالح تثبيت قطاع غزة كقاعدة من قواعد المشروع الإسلامي المتعدي للوطنية.

الأوضاع الاقتصادية

تعرض اقتصاد قطاع غزة بشكل خاص والاقتصاد الفلسطيني بشكل عام، منذ منتصف عام 2007، إلى ضربة قاصمة نتيجة الانقسام الفلسطيني، حيث فرضت إسرائيل حصار شامل على قطاع غزة مبررة أن قطاع غزة أصبح تحت سيطرة حركة "حماس"، وقامت بإغلاق المعابر ومنعت وصول العديد من السلع الأساسية لقطاع غزة، كما منعت خروج السلع الصناعية والزراعية. وحتى عام 2018 ما زال الاقتصاد يعاني من سياسة الحصار التي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة، هذا بالإضافة إلى الحروب والهجمات العسكرية المتكررة التي عمقت الأزمة وأنتجت دمار هائل في البنية التحتية وفي كافة القطاعات والأنشطة الاقتصادية. ويقدر المختصون أن كلفة الانقسام والحصار بلغت في عشر سنوات (2007- 2017)، بشكل مباشر وغير مباشر، نحو 15 مليار دولار.

شهد العام 2018 المزيد من الصعوبات، فالاقتصاد الفلسطيني عانى تقليص المساعدات الأميركية، للسلطة الفلسطينية، لعدم استجابتها للسياسات الأميركية الهادفة إلى تقويض القضية الفلسطينية. أما سكان قطاع غزة وتجارها واقتصادها فشهدت أزمات متتالية، أزمةٌ تلو الأخرى أنهكت الاقتصاد المتعثر، وكبدته خسائر طالت أرزاق مليوني فلسطيني يعيشون في القطاع.

وحذر البنك الدولي من أن تردي الاوضاع الاقتصادية في فلسطين بات مثيرا للقلق، مشيرا إلى أن الاقتصاد في قطاع غزة دخل مرحلة الانهيار. وأن الخدمات الأساسية المقدمة للسكان معرضة للخطر في ظل شح السيولة؛ حيث يعاني شخص من كل اثنين من الفقر، ويصل معدل البطالة بين سكان قطاع غزة، الذين يغلب عليهم الشباب، إلى أكثر من 70%. وبلغ معدل النمو الاقتصادي سالب 6% في الربع الأول لعام 2018، وكانت المؤشرات في الأشهر التالية تشير لمزيد من التدهور.

مما فاقم الوضع في غزة، التقليص التدريجي لبرنامج معونات الحكومة الأمريكية الذي يتراوح بين 50 مليون و60 مليون دولار سنويا، وتخفيضات لبرامج وكالة الأمم المتحدة لغوث تشغيل اللاجئين الفلسطينيين. ثم جاءت الإجراءات الحكومية الفلسطينية الرسمية، مطلع شهر نيسان (إبريل) 2017، تمثلت في خصم 30% من رواتب موظفي السلطة الفلسطينية في القطاع، تزايدت تلك الخصومات فيما بعد حتى وصلت 50%. وخفّضت تلك الإجراءات القدرة الشرائية للمواطنين في القطاع، ومعها تكبد التجار خسائر كبيرة، وصلت إلى إغلاق بعضهم محالهم التجارية. ويقدر المختصين أن الإجراءات التي فرضتها السلطة الفلسطينية على غزة حرمت القطاع من نحو 20 مليون دولار أميركي شهرياً، كانت تمثل سيولةً نقدية للقطاعات التجارية المختلفة داخل القطاع المنهك اقتصاديًا من الأساس.

علقت المديرة والممثلة المقيمة للبنك الدولي في الضفة الغربية وقطاع غزة، مارينا ويس، بقولها "لقد تكالبت عوامل الحرب والعزلة والصراعات الداخلية، تاركةً اقتصاد غزة في حالة من الشلل تفاقمت معها المحن الإنسانية. إنه وضع يعاني فيه الناس الأمرين لتلبية متطلبات الحياة الأساسية، ويكابدون أحوال الفقر المتفاقمة، واشتداد البطالة، وتدهور الخدمات العامة مثل الرعاية الصحية والمياه والصرف الصحي، إنه وضعٌ يتطلب حلولا عاجلة وحقيقية ومستدامة".

ومع أن الوضع في الضفة الغربية ليس بذات القدر من السوء، فإن النمو الذي كان حركه الاستهلاك في الماضي آخذ في التداعي، ومن المتوقع أن يتباطأ النشاط الاقتصادي بشدة في الفترة المقبلة.

ولعل مما فاقم سوء الوضع الاقتصادي الفلسطيني، عموما، تراجع الدعم العربي للقضية الفلسطينية من منطلق أن الدعم لن يكون ناجعا في واقع الانقسام، ولن يكون نافعا إن وجه لتيارات تقدم ولاءها للجماعة على الوطن. يدعم هذا التباينات، كما في الحالات المصرية القطرية التركية، بشأن قطاع غزة، ودعمه، وكان التباين بالمواقف واضحا في حرب عام 2014 على غزة، حيث عمدت قطر الى محاولة تنظيم مؤتمر بعيداً عن الورقة المصرية التي حملت رؤية القاهرة لنزع فتيل الحرب بين "حماس" وإسرائيل، وقد أطالت هذه التباينات العربية الاقليمية أمد الحرب التي استمرت 51 يوما، مما كبد الشعب الفلسطيني خسائر فادحة بالممتلكات بلغت 3.6 مليار دولار، والأرواح تجاوزت ال 2147 شهيد و10870 الف اصابة.

هذا بالإضافة الى انشغال الدول العربية والإقليمية بمواجهة مجموعة من التحديات كاستمرار ما يسمى بالحرب على الإرهاب واستنزاف معظم طاقات الأمة العسكرية والأمنية والإعلامية والسياسية والمالية في مواجهة التهديدات الداخلية والتحديات السياسية والاقتصادية، وكذلك مواجهة تمدد النفوذ الإيراني في اليمن والعراق، ما يعني ضعف عامل الإسناد العربي والإسلامي على حدٍ سواء للطرفين. وصاحب ذلك تراجع كبير في حجم المنح المقدمة للسلطة الفلسطينية حيث تراجعت العديد من الدول العربية من عن تقديم الدعم للسلطة الفلسطينية.

ثانيا: التوظيف الإسرائيلي الأميركي للانقسام

الانقسام مريح لإسرائيل، فدائما تسعى نحو إرباك المشهد، وتكريس شق الصف الفلسطيني.

في البداية، تعاملت الولايات المتحدة مع السلطة الفلسطينية على أنها المسئولة فقط داخل الأراضي الفلسطينية؛ لكن دون أن تُقدم على خطوات فعلية داعمة، فهي تربط تقديم المساعدات للسلطة بإجراءات التعاون الأمني بين السلطة واسرائيل من ناحية. وبينما تتلخص رؤية واشنطن لحركة" حماس" بأنّها حركة إرهابية، وأنها لا تستوفي شروط الرباعية، وما تزال تسعى لتدمير إسرائيل، ما يجعل تصدر حركة "حماس" للحكم صعب، فإنّ الموقف الأميركي الإسرائيلي بات مستعداً للتهدئة المنفصلة، مع "حماس" لمنع المصالحة. على سبيل المثال عندما سَعَت مِصر لرأب الصَّدع، بشكل مكثف، في العام 2018، سَعَت إسرائيل لتوقيع تهدئة منفصلة مع "حماس" تُكرّس فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، ويعكس هذا نوعين أو مرحلتين من التوظيف للانقسام.

من جهة استغلت إسرائيل الانقسام بما يخدم مصالحها، حيث تفرغت للاستيطان في الضفة وتهويد القدس، واتخذت قرارات عنصرية كـقانون القومية دون وجود ردود فعل إزاء سلوكها خاصة من المجتمع الدولي. ولكن من جهة ثانية، يتأكد الآن استراتيجية المشروع الاسرائيلي القائمة على تجزئة الشعب الفلسطيني، وتبديد هويته الوطنية، وتفتيت كيانه التمثيلي الموحد تسجل نجاحاً، حتى إن تكلّف هذا مد طوق النجاة لحركة "حماس". حيث عملت إسرائيل على استكمال سياسة فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية التي شرعت بها قبل توقيع اتفاق "أوسلو"، واستمرت في تنفيذها بشكل مضطرد، وصولا إلى تنفيذ عملية إعادة الانتشار في محيط القطاع تحت عنوان خطة فك الارتباط الأحادي (عام 2005)، التي لعبت المقاومة الفلسطينية دورا مهما في حدوثها، ولكنها استهدفت تعميق الفصل، وقطع الطريق على إقامة دولة فلسطينية، وبث الفتنة والانقسام والاقتتال في الصفوف الفلسطينية.

شكلت هذه الاستراتيجية الأساس المادي لعملية فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، في محاولة لتكريس مشروع دولة غزة، وتحويل الضفة الغربية إلى كنتونات مقسمة ومستباحة، مكدسة بالمستوطنين الذين تضاعف عددهم في ظل تعثر المشروع الوطني، وضعف الحالة الفلسطينية نتيجة الانقسام، وبعد 25 عاما من توقيع اتفاق أوسلو.

لقد ساعد الانقسام، على تراجع الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية بوصفها قضية مركزية ومحورية في الشرق الأوسط إلى، مجرد اهتمامات إنسانية إغاثية ومساعدات غذائية ودعوات لرفع للحصار، وهو التعريف الذي تريد إسرائيل والإدارة الأميركية الراهنة ترويجه.

تهدف إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الى استغلال الظروف الإنسانية والاقتصادية المتردية لتكرير خطتها تقديم المساعدات الإنسانية مقابل التنازلات السياسية.

باركت إدارة ترامب محادثات القاهرة بين "حماس" والمسؤولين المصريين، بالإضافة إلى الفصائل الفلسطينية الأخرى، للتوصل الى تهدئة ولكن السلطة عارضت الإجراء ومنعت تنفيذه. وترى إدارة ترامب أن اتفاق التهدئة يتوافق مع مخططها للتعامل مع المشكلة الفلسطينية كأجزاء منفصلة. وهو ما عبر عنه جاريد كوشنر، مستشار ترامب للرئيس حول الشرق الأوسط في تصريحات له "أعتقد أن الشعب الفلسطيني أقل اكتراثا في نقاط الحوار بين السياسيين وأكثر اهتماما ليرى كيف ستوفر هذه الصفقة له وللأجيال المستقبلية فرصا جديدة، والمزيد من الوظائف ذات الأجور الأفضل وآفاق الوصول إلى حياة أفضل". وهذا وفقاً للكاتب روبرت فيسك هو المال مقابل السلام بدلا من الأرض مقابل السلام، الدولارات بدلا من العاصمة الفلسطينية في القدس، وانهاء الاستيطان، وتنفيذ حق العودة. وهكذا يتضح أن الإدارة الامريكية تستخدم الغطاء الإنساني لتمرير تسوية، يصطلح إعلامياً عربياً، تسميتها باسم "صفقة القرن" وإنهاء الحديث حول إقامة دولة فلسطينية من خلال إزالة الاساسات اللازمة لإقامة دولة فلسطينية مستقبلية.

يستطيع المراقبون أن يكتشفوا بسهولة المفارقة العميقة في التحركات الأمريكية الأخيرة: فمن جهة قطعت إدارة ترامب المساعدات عن الشعب الفلسطيني وقطعت التمويل عن مستشفيات القدس، وقطعت مساهماتها المالية السنوية لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، وهي منظمة إنسانية، ومن جهة أخرى، أعلنت أنها تدعم الجهود التي يمكن أن تؤدي إلى إعادة إعمار قطاع غزة، وهذا يبين ان الدعم المقدم ليس مجانياً.

لقد كان قطع الدعم عن "الأونروا" الأكثر ضررًا، حيث قاد منظمة الأمم المتحدة هذه لتجميد عدد كبير من مشاريعها، وإنهاء توظيف مئات العمال الفلسطينيين والموظفين الفلسطينيين المحتاجين في قطاع غزة. وهكذا فإن الفصل بين ما افرزه الانقسام من واقع خصب، واتفاق التهدئة، و"صفقة القرن" هو أحلام يقظة. فجميع الجوانب مشبوهة من حيث توقيت الطرح، والمحتوى، والديناميكيات.

الخلاصة

يشكل استمرار الانقسام الداخلي الفلسطيني لفترة طويلة تهديداً آنيا واستراتيجياً بعيد المدى، حيث أحدث تحولات مجتمعية-سياسية واقتصادية أخرى، مقصودة أو غير مقصودة، أسهمت بدورها في تعميق الانفصال بين المنطقتين وخلق فئات وأطراف ذات مصلحة في استمرار الانقسام مما قد يجعل من الصعب استعادة الوحدة، وهو ما يهدد الحالة الفلسطينية برمتها. وهو ما باتت الإدارة الأميركية والحكوم الإسرائيلية لاستغلاله بطرق متعددة، لتثبيت فصل الضفة الغربية عن قطاع غزة، وبالتالي منع قيام الدولة الفلسطينية، خصوصاً عبر استغلال الوضع الإنساني في قطاع غزة، لتحويل القضية الفلسطينية من قضية حقوق وطنية إلى إغاثة ومساعدات.

المجال: National Reconciliation — National Reconciliation · Regional & International Politics · Trump plan · reconciliation · Gaza Politics · West Bank · Deal of the Century — المصدر الأصليPDF

تغطية إعلامية ذات صلة

كل المنشورات