ععمر شعبان إسماعيلاقتصاد سياسي · فلسطين

منشور

الانقسامات التي تهدد مستقبل فلسطين

عمر شعبان إسماعيل · أوريون الحادي والعشرون · 2018

مقال في أوريون XXI حول الانقسامات الفلسطينية الداخلية التي تهدد الاستراتيجية الوطنية والمصالحة ومستقبل القضية.

انهيار غزة سترتدّ أصداؤه على القضية الفلسطينية برمّتها، بل وعلى إسرائيل نفسها. يدقّ عمر شعبان، مدير المنظمة غير الحكومية الفلسطينية بال ثينك للدراسات الاستراتيجية والباحث في العلوم السياسية المقيم في غزة، ناقوس الخطر: فالحصار الإسرائيلي، وتبعات الحروب المتعاقبة، وتقليص موازنة الأونروا تمثّل خطراً داهماً، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الانقسامات داخل الحركة الفلسطينية.

عمر شعبان باحث فلسطيني في العلوم السياسية مقيم في غزة، ومدير بال ثينك للدراسات الاستراتيجية، وهي منظمة فلسطينية مستقلة غير حكومية لا تنتمي إلى أي حزب سياسي ولا تتلقى أي إعانات حكومية. تأسست في آذار/مارس 2007 في غزة على يد مجموعة من الباحثين، وتهدف إلى تعزيز الحوار بين الفاعلين السياسيين، وإلى تشجيع الأبحاث الرصينة والمنهجية، من أجل مواجهة التحديات التي تواجهها فلسطين. وقد أنتجت أول وثيقة حول المصالحة الفلسطينية (بعنوان «خارطة طريق للمصالحة الفلسطينية»)1.

ندى يافي. — كيف تصف الوضع الاقتصادي في غزة اليوم؟

عمر شعبان. — إنه وضع إنهاك عام، تصحبه مؤشرات إنذار بانهيار وشيك. يصعب عليّ توصيف الحالة، فالصعوبات تتراكم منذ الحصار الذي فرضته إسرائيل في حزيران/يونيو 2007 في أعقاب استيلاء حماس على السلطة، وبعد عام من الاقتتال الدامي بين الحركات الفلسطينية. ومهما كرّرنا ذلك فلن يكون كافياً: غزة هي أكبر سجن مفتوح في العالم. شريط ساحلي مساحته 360 كيلومتراً مربعاً يرزح تحت وطأة مليوني نسمة، يعيش 75% منهم في ثمانية مخيمات لجوء ضخمة. ورغم انسحابها من قطاع غزة، لا تزال إسرائيل تتحكّم في كل حركة للبضائع والأشخاص من غزة وإليها، على الحدود البرية كما في المجالين البحري والجوي. أما المعبران الرئيسيان، إيريز (بيت حانون) الذي تسيطر عليه إسرائيل، ورفح الذي تسيطر عليه مصر ويظل مغلقاً في أغلب الأحيان، فلا يتيحان أي تنفيس حقيقي. وقد خلّفت ثلاث حروب إسرائيلية في غضون سنوات قليلة حقلاً من الأنقاض: كانون الأول/ديسمبر 2008، وتموز/يوليو 2012، ثم الأخيرة في آب/أغسطس 2014 التي أحدثت دماراً هائلاً. ما لا يقل عن 40 ألف مسكن ومبنى عام دُمّرت بالكامل، وأكثر من 100 ألف دُمّرت جزئياً. ولم يُعَد تأهيل معظمها، بسبب نقص الموارد، فضلاً عن أن مناخ عدم الاستقرار العام يجعل الدول المانحة مترددة. وكان من المفترض أن تشرع حكومة الوحدة الوطنية التي تشكّلت في حزيران/يونيو 2014 في هذا المسعى. لكن نصف هذه المباني على الأقل بقي على حاله.

ن. ي. — ألا تتدخل المنظمات الدولية؟

ع. ش. — لا بد من التمييز بين المنظمات. فتلك القادمة من الولايات المتحدة مثلاً تقاطع أي هيئة محلية ذات طابع سياسي ترتبط بقوى سياسية أو عسكرية مثل حماس أو الجهاد الإسلامي. وهذه المقاطعة تُعقّد إلى حد بعيد وصول المستفيدين إلى المساعدات. ووحدها منظمات الإغاثة الممولة من أموال عربية أو إسلامية (قطر، السعودية، تركيا) قادرة على مساعدتهم من دون تمييز.

ن. ي. — وماذا عن وكالات الأمم المتحدة؟ كيف انعكس على أرض الواقع التقليصُ الحادّ للمساهمة الأمريكية في الأونروا؟

ع. ش. — إنها كارثة بالنسبة إلى غزة. فقد بلغت نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر 70%، ومعدلات البطالة أكثر من 53%، وفق آخر الأرقام التي قدّمها البنك الدولي (تشرين الأول/أكتوبر 2018). ولم يؤدِّ ذلك إلا إلى تسريع تحوّل المجتمع الفلسطيني، الذي كان منتجاً في ما مضى، إلى مجتمع يعتمد على المساعدات. فوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) كانت لديها مثلاً برامج تعليمية وصحية توفّر للشباب عقوداً محددة المدة لبضعة أشهر، هنا أو هناك. وقد جرى تقليصها أو وقفها بسبب نقص الموازنة. بل إن الوكالة وصلت إلى حد تسريح موظفين دائمين محليين، فلسطينيين تجد عائلاتهم نفسها بلا مورد بين ليلة وضحاها.

ن. ي. — يُقال إن شباناً، ونساءً على وجه الخصوص، يدفعهم اليأس إلى المشاركة في التظاهرات المسماة «مسيرات العودة» عند الحدود، حيث يواجهون الرصاص الحيّ للجنود الإسرائيليين. هل يشبه ذلك انتحاراً؟

ع. ش. — لن أقول ذلك. لكن هناك ما يدعو إلى اليأس. فتدهور الحياة اليومية يؤدي دوراً أساسياً في هذه التظاهرات. غزة تريد أن تُسمع صوتها للعالم أجمع. وقد حققت «مسيرات العودة» هذه عدداً من أهدافها وأخفقت في جوانب أخرى. وهذا ليس مستغرباً في الظروف المعروفة. بالنسبة إليّ، كان أحد الأهداف الاستراتيجية التي تحققت هو إثبات أن النضال الفلسطيني ما زال حاضراً، حياً، عصياً على الانهزامية وعلى التخاذل المهين للدول العربية عموماً. وفي الوقت نفسه أثارت هذه المسيرات تساؤلات حول طابعها السلمي فعلاً، وحول أصالتها. وقد تسببت في سقوط 217 شهيداً، وإصابة 22897 جريحاً سيبقى بعضهم مقعداً مدى الحياة.

ن. ي. — ما مصير محاولات المصالحة بين السلطة الفلسطينية وحماس؟

ع. ش. — هذه المحاولات لم تتوقف في الواقع قط، وإن لم تثمر حتى اليوم إلا قليلاً. كانت هناك ثمانية اتفاقات في الماضي، في ختام اجتماعات رعتها دول عربية، لكن من دون أثر على أرض الواقع. وفي 23 نيسان/أبريل 2014، أفضى اتفاق في مخيم الشاطئ بغزة إلى ولادة حكومة وحدة وطنية في حزيران/يونيو من العام نفسه، غير أن هذه الحكومة لم تمارس السلطة في غزة، وتبادل الطرفان مسؤولية الفشل. وقد تواصلت الجهود — المصرية منها بصفة خاصة — بفكرة وضع حد لهذا الانقسام. ومنذ أواخر تشرين الأول/أكتوبر، يتنقل وفد أمني مصري بين غزة والضفة الغربية لإحياء اتفاق القاهرة المبرم في 4 أيار/مايو 2011 والمعدَّل في 12 تشرين الأول/أكتوبر 2017.

ن. ي. — ماذا حلّ بحكومة الوحدة الوطنية هذه؟ وما حقيقة السلطة على أرض الواقع؟

ع. ش. — السلطة الفعلية في غزة بيد حماس بالكامل. فالجهاز التنفيذي كله، بموظفيه البالغ عددهم 24 ألفاً، تتكفّل به حماس وتموّله منذ حزيران/يونيو 2007، وكذلك أجهزة الأمن والشرطة والقضاء، أي 17 ألف موظف. وحين تشكّلت حكومة الوحدة الوطنية عام 2014، كان أربعة وزراء من حماس ضمنها. وهم ما زالوا شكلياً في مناصبهم، ويتنقلون بين رام الله2 وغزة حيث يقيمون. لكنهم لا يمارسون صلاحياتهم هناك. فلا مكاتب لهم ولا دواوين وزارية.

ن. ي. — وماذا عن تماسك حماس نفسها؟ هل تُلاحَظ صراعات داخلية بين التيارات؟ وهل يمكن أن يشكّل الجهاد الإسلامي منافساً؟

ع. ش. — ثمة بالتأكيد تيارات متنوعة داخل حماس، كما في أي تشكيل سياسي، بل في أي جماعة اجتماعية. فبعضهم يتحدث عن «حماس الداخل» وآخرون عن «حماس السياسية» في مقابل «حماس العسكرية». وفي الحقيقة، لا أحد يعرف كيف تُتخذ القرارات داخل حماس. كل ما نعرفه هو أنها متى اتُّخذت، طبّقها الجميع. أما الجهاد الإسلامي، فلا أظن أنه قادر على أن يكون منافساً؛ فهذه الحركة لا تؤمن بالانتخابات ولا تنازع حماس على السلطة. وثمة فارق آخر: الجهاد أقرب إلى إيران منه إلى الدول العربية، وإن كان أعضاؤه من أهل السنّة. لكنه متفق مع حماس على الخط السياسي القائم على مقاومة إسرائيل.

ن. ي. — هناك اقتراح من حماس بـ«هدنة طويلة الأمد مع إسرائيل»3. لكن في غياب مصالحة مع السلطة الفلسطينية، يرى فيه بعض الفلسطينيين خطر تكريس الانقسام بين الضفة الغربية وغزة. هل يعتقدون أن ذلك سيصبّ في اتجاه الحل الأمريكي الذي يريد فصل غزة عن بقية فلسطين، عبر اقتراح دونالد ترامب الشهير المسمى «صفقة القرن»؟

ع. ش. — بالفعل، ثمة مخاوف لدى كثير من الفلسطينيين من أن تأتي هدنة طويلة بين حماس وإسرائيل، في غياب أي اتفاق مع السلطة في رام الله، لتعزّز الانقسام القائم بين فتح وحماس. لا سيما أنه لا يوجد تواصل جغرافي بين الضفة الغربية وغزة. وأن المسافة باتت حقيقية أيضاً بين المجتمعين، ولكل منهما نسيجه الخاص وخصوصياته ونمط حياته وثقافته، وهي فوارق لم تكن بهذا الوضوح في زمن ياسر عرفات. واليوم يبدو أن لكل إقليم همومه وأولوياته. لكن ليس مقبولاً، بحجة أن المصالحة الوطنية لم تتحقق بعد، أن نترك قطاع غزة يغرق في هذا الجحيم الذي يزداد سوءاً كل يوم. لا يمكن أن تكون غزة رهينة «المصالحة» فيما الحرب على أبوابها. والوفد المصري يعمل على ذلك تحديداً: انتزاع تخفيف الحصار عن غزة، وإرساء هدنة مع إسرائيل، والعمل في الوقت نفسه على المصالحة بين حكومة حماس والسلطة الفلسطينية. وتحقيق الهدفين معاً هو ما سيحفظ انتماء غزة إلى المنظومة الفلسطينية بمجملها.

ن. ي. — ماذا تقول لمن يشكّكون في دور مصر، بل يتهمونها بالرغبة في الإفادة من «صفقة القرن» لتنمية سيناء على حساب غزة؟

ع. ش. — بوسعي أن أنفي هذه النظرية. فأنا أعلم من مصدر موثوق أن الموقف المصري هو رفض تام للانقسام الفلسطيني. فالوضع الكارثي في غزة له تداعيات سلبية على الأمن في سيناء. ولن تفكّر مصر في حل لغزة عبر امتداد في سيناء. وقد كلّفت جامعة الدول العربية مصر بمهمة مساعٍ حميدة بين الحركات الفلسطينية. وهي تسعى فعلاً إلى تخفيف الوضع الإنساني في قطاع غزة.

ن. ي. — وهل ترفض مصر أيضاً «صفقة القرن» الأمريكية؟

ع. ش. — سمعنا كثيراً عن هذا الاقتراح الأمريكي، من دون أن نعرف ما يتضمنه حقاً. فالمضمون لم يُعلَن. وكل ما نعرفه أنه اشتمل منذ البداية على إعلان القدس عاصمة موحّدة لإسرائيل. وكذلك على تجفيف موارد الأونروا وتفكيكها. وهو ما رفضته الدول العربية. لكن هل يغيّر ذلك شيئاً على أرض الواقع؟ الموقف العربي أضعف من ذلك بكثير. والضغط واقع على الفلسطينيين كي يقبلوا الرؤية الأمريكية. ولن يصمد الموقف العربي في وجه سياسات ترامب في الشرق الأوسط.

ن. ي. — ما الآفاق المتاحة لغزة اليوم، وللحركة الفلسطينية بمجملها؟

ع. ش. — إن استمرار الانقسام داخل الحركة الفلسطينية يمثّل خطراً بالغ الجسامة. فقد حدثت تحولات اجتماعية واقتصادية وسياسية. وسواء أكانت متعمّدة أم لا، فإنها بدورها عمّقت الانقسام بين غزة والضفة الغربية والقدس. كما أنشأت أطرافاً باتت لها مصلحة في استمرار هذا الانفصال. واستعادة الوحدة تغدو أصعب. وهذا خطر على القضية الفلسطينية برمّتها. فالخلافات صارت تطال ما كان يُعدّ في ما مضى من الثوابت والمقدسات. لكن ما العمل إذن؟ تجاوز الانقسام مهما كلّف الأمر، وتغليب المصلحة الوطنية الشاملة، وعدم المراهنة على الظرف الإقليمي والعربي والدولي.

يعلّق الغزيّون كل آمالهم على مسار المصالحة للخروج من هذه الأزمة المتقلّبة. فالأمر يتعلق ببقائهم، وببقاء المنظومة الاجتماعية والثقافية والسياسية بمجملها. أما الخيار الآخر فهو خيار الاقتتال الأخوي والتصعيد العسكري مع إسرائيل. ولم يعد جائزاً للمسؤولين الفلسطينيين، رسميين كانوا أم من المجتمع المدني، ولا للفاعلين في المجتمع الدولي، أن يكتفوا بالترقيع. فالمطلوب من الآن فصاعداً تدخّل قوي وفوري وشامل. وينبغي أن يستهدف في آن واحد المصالحة ورفع الحصار عن غزة. وينبغي إعلان غزة منطقة منكوبة، وإغاثتها بصفتها هذه.

1 وضعت بال ثينك أيضاً خطة لحل أزمة الجهاز الحكومي بين حماس والسلطة الفلسطينية، وقدّمت مقترحات عديدة بشأن أزمة الكهرباء وإعادة الإعمار والانتخابات البلدية. وهي تعمل بصفة خاصة في الميدان مع الشباب والنساء، وتنشط في شراكات أورومتوسطية عديدة.

2 مقر الحكومة، حيث يُعقد اجتماع أسبوعي. ويشارك وزراء غزة أحياناً في الاجتماعات عن بُعد، عبر سكايب.

3 قُدّم في 4 تشرين الأول/أكتوبر من يحيى السنوار، قائد حماس في غزة.

المجال: National Reconciliation — النص © Orient XXI — محفوظ هنا مع الإسناد إلى المصدر. — المصدر الأصلي

تغطية إعلامية ذات صلة

كل المنشورات