ععمر شعبان إسماعيلاقتصاد سياسي · فلسطين

تغطية إعلامية

الحرب والسلام في القرن الحادي والعشرين: مستقبل الشرق الأوسط — مؤتمر CIDOB

مركز برشلونة للشؤون الدولية — CIDOB · 2025

يتناول النص مؤتمر «الحرب والسلام في القرن الحادي والعشرين» الذي نظمه CIDOB في برشلونة في 5 أبريل/نيسان 2025 لمناقشة جذور الصراع في الشرق الأوسط، وأبعادِه الدولية، وإمكانات الحوار والتسويات بعد الحرب. واستعرض المتحدثون الحرب على غزة، ولبنان، وسوريا، ومصر، ودور الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، مع تأكيد خاص على ضرورة وقف الحرب، إيصال المساعدات الإنسانية، واحترام القانون الدولي، وبحث أطر تمثيل سياسي فلسطيني ومستقبل السلام المستدام في المنطقة.

يتناول النص مؤتمر «الحرب والسلام في القرن الحادي والعشرين» الذي نظمه CIDOB في برشلونة في 5 أبريل/نيسان 2025 لمناقشة جذور الصراع في الشرق الأوسط، وأبعادِه الدولية، وإمكانات الحوار والتسويات بعد الحرب. واستعرض المتحدثون الحرب على غزة، ولبنان، وسوريا، ومصر، ودور الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، مع…

كان موضوع النسخة الثالثة والعشرين من مؤتمر «الحرب والسلام في القرن الحادي والعشرين»، الذي عُقد في برشلونة في 5 أبريل/نيسان 2025، هو «مستقبل الشرق الأوسط: فهم الصراع وبناء السلام». وقد نُظِّم المؤتمر من قبل CIDOB وبدعم من مؤسسة «لا كايشا» ومجلس مدينة برشلونة وسائر أعضاء مجلس إدارة CIDOB، ووفّر رؤى خبرائية لمعالجة جذور الصراع في الشرق الأوسط وبُعده الدولي. كما بحث كيف يمكن للمجتمع الدولي أن يعزّز الحوار والحلول من أجل سلام دائم، وما السيناريوهات المستقبلية التي يمكن تصوّرها للمنطقة بعد الأزمة الحالية.

وبوصفه بالفعل إحدى أكثر مناطق العالم تعقيداً، دخل الشرق الأوسط مؤخراً مرحلة جديدة من الصراع، تتّسم بمستوى غير مسبوق من العنف، وعدم الاستقرار الاجتماعي-السياسي، وتحولات موازين القوى الإقليمية. وبعد عام ونصف من هجمات حماس الإرهابية التي فجّرت الرد الإسرائيلي غير المتناسب، تواجه المنطقة كلاً من أزمة إنسانية حادة في غزة وآثار امتداد الصراع إلى لبنان. وعلاوة على ذلك، فإن عدم قابلية سياسات الولايات المتحدة للتنبؤ عقب إعادة انتخاب دونالد ترامب، والتحديات التي يطرحها المسار الاجتماعي-السياسي الجديد لسوريا ما بعد الأسد، تضيف مزيداً من التعقيد إلى هذه المعادلة. وفي هذا السياق، لم يهدف المؤتمر السنوي لـCIDOB إلى تحديد جذور الصراع في الشرق الأوسط فحسب، بل أيضاً إلى تصوّر الأطر الممكنة للحوار وحلول ما بعد الصراع. وكان مؤتمر الحرب والسلام الأكثر نجاحاً حتى الآن من حيث عدد المشاركين، وللمرة الأولى منذ أكثر من 20 دورة، حضر الفعالية أكثر من 200 شخص.

وفي كلمته الافتتاحية، شدد جاومي كولبوني (عمدة برشلونة) على أنه، رغم أن عالم اليوم دخل في دوامة من عدم اليقين والصراع، فإن منتديات الحوار تظل أدوات حاسمة لخلق أشكال مختلفة من التعاون الدولي. وإذ استحضر روح مسار برشلونة للشراكة الأورو-متوسطية والمبادرة الدبلوماسية لبرشلونة بوصفها مدينة تعزز السلام، أبرز العمدة أيضاً دور الدبلوماسية بين المدن في استكمال جهود الدول وتجاوز الانقسامات التاريخية من أجل الانتقال نحو حلول ملموسة.

وفي أول فعالية عامة له بصفته الرئيس المنتخب حديثاً لمجلس إدارة CIDOB، أبرز جوزيب بوريل، الممثل الأعلى السابق للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية ونائب رئيس المفوضية الأوروبية، أهمية المؤسسة بوصفها منتجاً لأبحاث عالية الجودة ومزوّداً للأفكار المبتكرة لصنّاع السياسات. وأشار إلى أن «الحرب والسلام يبدوان السمتين المميزتين لعصرنا»، إذ إن الصراعات وعدم الاستقرار يحيطان بحدود أوروبا الشرقية والجنوبية. كما اقترح بوريل أنه، بدلاً من أن يُساق الاتحاد الأوروبي بفعل الاضطراب في إدارة ترامب، ينبغي له أن ينخرط بصورة أكثر مباشرة في الشرق الأوسط من أجل تطوير تسويات سلام مستدامة، والتصدي لصورته كفاعل يتبنى معايير مزدوجة في سياساته الخارجية.

مفترق طرق الشرق الأوسط: فهم جذور الصراع

هدفت الجلسة الأولى، التي أدارتها أنخيليس إسبينوسا (المراسلة السابقة لشؤون الشرق الأوسط في El PAÍS)، إلى الربط بين الأصول التاريخية للصراعات (الجيو)سياسية والقضايا والتطورات الراهنة اليوم. وسلطت إسبينوسا الضوء على الأزمة الإنسانية الحادة في غزة وخطر انتشار الصراع إلى لبنان وسوريا، متسائلة لماذا يصعب تحقيق السلام في المنطقة إلى هذا الحد، وما إذا كان حل الدولتين لا يزال ممكناً.

وافتتحت الجلسة آفي غيل (المدير العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية في 2001-2002)، الذي شدد على أن أحداث 7 أكتوبر/تشرين الأول تمثل «صدمة وطنية» لإسرائيل، على نحو جعل حتى الفصائل الأكثر ميلاً تقليدياً إلى دعم عمليات السلام تفقد نفوذها وثقتها. ورغم إقراره بالاختلافات مع الأجواء الأكثر تعاوناً في زمن اتفاقات أوسلو، حين كان لدى الجانبين قيادات مستعدة للمخاطرة من أجل تحقيق السلام وكان التغيير يأتي «من الداخل»، فقد عدّد عدة عوامل تجعل من الصعب إقامة إطار للتفاوض في الوقت الحاضر، مثل الانقسامات الداخلية على الجانبين أو غياب القيادة القوية. كما أكد غيل أنه، من الجانب الإسرائيلي، تحولت ديناميات طبيعة الصراع من تصوّر له بوصفه صراعاً تقليدياً إلى تصوّر وجودي. وخلص إلى التأكيد مرة أخرى على الحاجة إلى التزام من الفاعلين الخارجيين مثل الاتحاد الأوروبي في السعي إلى السلام وخلق أشكال جديدة من التعاون في عموم المنطقة.

ومن الجانب الفلسطيني، تناول عمر شعبان (المؤسس والمدير لمركز PalThink للدراسات الاستراتيجية) ما هو أبعد من جذور الصراع، وسلط الضوء على نقطتين رئيسيتين: إنفاذ القانون لإلزام إسرائيل بالامتثال لالتزاماتها الإنسانية تجاه غزة؛ وأهمية معالجة الحاجة إلى تغيير في القيادة لتمثيل حقوق الفلسطينيين وصوتهم. وندد بأن الحرب في غزة ليست ضد حماس بل ضد المشروع الوطني الفلسطيني. وقال شعبان إن وقف الحرب والسماح بوصول المساعدات الإنسانية إلى المنطقة حتى يمكن إعادة إعمار القطاع وإجراء الانتخابات مسألة بالغة الإلحاح؛ وعندها يمكن للشعب الفلسطيني أن يقرر مستقبله بحرية، مذكّراً بأن آخر انتخابات في غزة كانت في عام 2006. وأخيراً، قال إنه، رغم أن الفلسطينيين فقدوا الثقة في المجتمع الدولي، فإنهم ما زالوا يثقون بدور الاتحاد الأوروبي في المساعدة على إنهاء الصراع.

في توسيع نطاق التركيز على المنطقة، فصّل سلام الكواكبي (مدير المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات) الركائز اللازمة لانتقال اجتماعي-سياسي مستقر في سوريا. واستذكاراً لخمسة وخمسين عاماً من سلالة الأسد، قال إن «السوريين لم يكونوا مواطنين أحراراً بل رعايا لنظام ديكتاتوري». كما شدد الكواكبي على أنه رغم أن سقوط نظام الأسد في سوريا كان مفاجأة للأوروبيين، فإنه لم يكن كذلك بالنسبة للسوريين الذين كانوا قد شهدوا تراجع النظام منذ عام 2018. وفي ما يتعلق بالتطورات الأخيرة، ورغم إقراره بأوجه القصور في الدستور الجديد، شدد على أهمية احترام «إرادة الشعب» ودعم حكومة الشرع لمنع الفصائل المتطرفة من اكتساب مزيد من النفوذ، ودعا الحكومة إلى إقامة حوار وطني حقيقي. كما اقترح الكواكبي أنه لتجنب تعزيز الانقسامات الطائفية ينبغي على الجهات الخارجية دعم ممارسات المواطنة الفاعلة بدلاً من تأطير التطورات بوصفها قضايا مرتبطة بـ«قضايا الأقليات». واستعراضاً لأولويات الاتحاد الأوروبي في البلاد على مرّ السنوات، والتي تمثلت في الاستقرار وسياسات مكافحة الإرهاب وضبط الهجرة، من دون اهتمام بحقوق الإنسان والديمقراطية، قال إن الأمر نفسه حدث في غزة. وأخيراً، سلط الضوء على التهديدين الرئيسيين لمستقبل سوريا القريب: الفصائل المتطرفة داخل حكومة أحمد الشرع والهجمات الإسرائيلية التي دمرت الجيش السوري وجعلت البلاد ضعيفة.

وأشارت ميريت ف. مبروك (زميلة أولى في معهد الشرق الأوسط) إلى غياب الفهم لتعقيدات السياسات الإقليمية المصرية. وبرأيها، فإن تحركاتها الحالية تحددها كل من وقائع السلام ما بعد عام 1979 ومصالحها الأمنية القومية، وهو ما يتجلى في محاولاتها للتطبيع مع إسرائيل وفي كون دعمها وتعاطفها مع الحقوق الفلسطينية لا يترجمان إلى دعم لحماس. وفي ما يتعلق بقضية اللاجئين الفلسطينيين، شددت على أنها ليست قضية سياسية فحسب بل مسألة أمنية أيضاً. وفي شأن خطة إعادة إعمار قطاع غزة التي اقترحتها مصر، انتقدت غياب الخطط المتعلقة بنزع سلاح حماس، ما يعني أنها لن تُقبل أبداً من قبل إسرائيل والولايات المتحدة. وأخيراً، حذرت من مخاطر عدم القيام بأي شيء لإنهاء النزاع، مستذكرة حلقات أخرى من القرن العشرين أدى فيها تقاعس مماثل إلى عواقب كارثية.

وركز النقاش اللاحق بين المتحدثين على مدى ضرورة فصل حقوق الفلسطينيين عن أفعال حماس وأهدافها. ففي حين رأى بعضهم أن على حماس أن تتحول إلى حزب سياسي بدعم من جهات فاعلة مثل تركيا، دعا آخرون إلى قطع أي تمويل عن حماس وتمهيد الطريق لإنشاء «طرف ثالث» يمكنه تمثيل الفلسطينيين على نطاق واسع وبشكل حقيقي. وفي هذا الصدد، جرى أيضاً تسليط الضوء على الحاجة إلى تحديث تنظيم الأحزاب السياسية في فلسطين من أجل إرساء إطار تستطيع فيه الحركات والفصائل المختلفة الدفاع عن مصالحها عبر العمل السياسي. وأخيراً، دعت أصوات أخرى إلى احترام القانون الدولي ودافعت عن حق فلسطين في السيطرة على مواردها.

## البعد الدولي وإسهامه في سلام دائم

وسعت الحلقة النقاشية الثانية، التي أدارتها ناتاليا سانشا (صحافية ومحللة سياسية)، النقاش ليشمل أدوار الجهات الفاعلة الدولية وأهدافها، وكذلك إسهامها المحتمل في تحقيق سلام مستدام في المنطقة. وفي هذا الصدد، نددت سانشا بانعدام المصداقية الذي يعانيه الاتحاد الأوروبي اليوم في نظر الجنوب العالمي بسبب ازدواجية المعايير التي أظهرها في نزاعي أوكرانيا وغزة. كما شددت سانشا على ضرورة ألا يتركز التحليل حصراً على دور النخب الحاكمة، بل أن يشمل أيضاً المواطنين، الأبطال الحقيقيين للمظاهرات الحاشدة السابقة مثل الربيع العربي. بالإضافة إلى ذلك، سلطت سانشا الضوء على ضرورة إدراج جهات فاعلة أخرى في المنطقة، مثل إيران، في التحليل.

وفي المداخلة الأولى في الحلقة النقاشية، أشارت ميريسا خورما (زميلة غير مقيمة في معهد بيكر، جامعة رايس) إلى أنه رغم أن أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول دفعت الولايات المتحدة إلى إعادة الانخراط جزئياً وبشكل أكثر مباشرة مع الشرق الأوسط بعد سنوات من الانكفاء الدبلوماسي، فإن سياساتها لا تزال مدفوعة في المقام الأول بـ«مزاج الأزمة»، حيث ينصب التركيز على الأمن بدلاً من «غياب العنف». وبالفعل، فمن بين سياسة الولايات المتحدة المتمحورة حول الدالات الثلاث — الدفاع والدبلوماسية والتنمية — لم يعد اليوم بارزاً سوى الدفاع، الذي يتجلى أساساً في إسقاط القوة الأميركية عبر جهازها العسكري. وعلاوة على ذلك، لا توجد لدى الولايات المتحدة خطة سلام استراتيجية محددة بوضوح، ولا أي ذكر لحل الدولتين. كما سلطت الضوء على أن إيران لا تزال تحتفظ بنفوذ كبير على التحركات الاستراتيجية لواشنطن، وكذلك على أن إدارة ترامب الجديدة تعمل من خلال مقاربة محفوفة بالمخاطر وتبادلية قائمة على مبدأ «السلام من خلال القوة». وأخيراً، ذكرت خورما أن أوروبا وغيرها من الجهات الفاعلة يمكنها الاستفادة من غياب الدعم الأميركي للمجتمع المدني في المنطقة.

تعمّق مهند حاج علي (نائب مدير البحوث في مركز مالكوم هـ. كير-كارنيغي للشرق الأوسط) في الوضع شديد الهشاشة في لبنان. وشدّد على أن قرار إسرائيل توسيع نطاق الصراع يرتبط بأهدافها الرئيسية المتمثلة في كبح حزب الله وتوسيع نفوذها في جنوب البلاد. وعلاوة على ذلك، إذ وصف الحكومة اللبنانية الحالية بأنها «مثالية ضمن وضع غير مثالي»، صوّر وضعاً قد تفكر فيه الولايات المتحدة في تحويل الأموال اللازمة لتحقيق الاستقرار في البلاد من الجهات الفاعلة الداخلية مثل الجيش الوطني اللبناني إلى جهات خارجية مثل السعودية. وركّز حاج علي أيضاً على الوضع الاقتصادي الدقيق في لبنان وعلى إعادة إعمار البلاد على وجه السرعة، الأمر الذي تتطلب له مساعدات اقتصادية خارجية. وفي هذا الصدد، أشار إلى أن الجهات المانحة الخارجية تطالب بإصلاحات مالية وإصلاحات في القطاع المصرفي، فضلاً عن نزع سلاح حزب الله.

دعت صنم وكيل (مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاتام هاوس) إلى النظر إلى المنطقة من خلال عدسة «التحديات والفرص» بدلاً من النظر إليها بوصفها ساحة «رابحين وخاسرين». وشدّدت على أن النظام الإقليمي الحالي يتشكل بفعل التنافس الإقليمي واستراتيجية تعدد الاصطفافات، بما يزيد من مستوى عدم اليقين. وإن النزعة إلى عزل الصراعات في الشرق الأوسط تمنع فهماً حقيقياً للنزاعات الإقليمية، ما يجعل من الضروري تطوير نقاش واسع متعدد الأطراف. كما سلّطت وكيل الضوء على أن المقاربة الأمنية في المنطقة ينبغي أن تستند إلى نظام إقليمي شامل لا إقصائي، إذ إن هذا الأخير أثبت عدم فعاليته في الماضي. وأخيراً، وفي ما يتعلق بإيران، أشارت إلى المفاوضات النووية الوشيكة بوصفها تحدياً رئيسياً، يمكن أن يكون لنجاحه أو فشله تأثير كبير على أمن المنطقة. غير أنها، مقارنة بالفترات المفصلية السابقة، ترى فرصة أمام القوى الإقليمية لقيادة إرساء نظام جديد، وهو ما لا يمكن أن ينجح إلا إذا كانت الضرورات الأمنية ونماذج الحوكمة لا تستبعد أي طرف سلفاً بسبب التباينات الأيديولوجية أو التاريخية.

أبرز جيرار آرو (زميل متميز في مركز أوروبا، المجلس الأطلسي) أن أي خطة للسلام والاستقرار ينبغي أن تأخذ في الاعتبار حقائق «الحرب على الأرض». فمن جهة، أشار إلى أن الأهداف النهائية لإسرائيل في المنطقة لا تزال غير واضحة، وأن ذلك يزيد من احتمال حدوث تصعيدات خطيرة، كما في حالة تنافسها المتزايد مع تركيا في سوريا. وفي ما يتعلق بالنفوذ الخارجي في المنطقة، أعرب عن أسفه لغياب موقف موحّد للاتحاد الأوروبي بشأن الشرق الأوسط، وهو ما يضعفه ويجعله عديم التأثير. أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فيبدو أن مصلحتها قصيرة الأجل تتمثل في توسيع اتفاقات أبراهام لتشمل السعودية. وإزاء السلوك الأميركي المحموم، شدّد على أهمية انخراط أوروبا في شؤون الشرق الأوسط على نحو أكثر حسماً، من خلال دعمها الدبلوماسي والسياسي الخاص بها، ومن خلال التعاون المحتمل مع الجهات الفاعلة الإقليمية. غير أن الواقع اليوم، كما قال، هو أنه لا توجد قوى خارجية قادرة على فرض تفاوض في المدى القصير. وخلص إلى القول إن الصراع متجذّر لأن فلسطين منقسمة، ولأن إسرائيل، الغارقة في ما وصفه بأنه «زلزال سياسي»، لا تريد التفاوض، مضيفاً أن التغيير الممكن الوحيد قد يأتي من قدرة الديمقراطية الإسرائيلية على إحداث مشهد سياسي جديد.

غطّت المناقشة الختامية بين المتحدثين خمسة موضوعات رئيسية. أولاً، اتفق المشاركون على ضرورة تجنب الأخطاء السابقة التي ارتُكبت في صفقات مثل اتفاقات أبراهام، التي لم تكن مدفوعة فقط برؤية قصيرة الأجل، بل استبعدت أيضاً القضية الفلسطينية من المفاوضات. ثانياً، عُدّ إدماج الرأي العام بشكل أوضح في عملية صنع القرار أمراً بالغ الأهمية في منع وتقليص مشكلات الانقسامات الأيديولوجية، والتحزّب الطائفي، والتطرف. ثالثاً، وإلى جانب السياسات رفيعة المستوى فحسب، ذكّر كثير من المتحدثين بأهمية الاعتماد على الروابط بين الناس وتعزيزها لبناء سلام مستدام ودائم. رابعاً، جرى التعبير عن القلق إزاء التطرف في المنطقة، الذي تؤججه وحشية الصراع. وأخيراً، جرى التشديد على إمكان انخراط الاتحاد الأوروبي بدرجة أكبر في المنطقة، مستفيداً من الفراغ الذي تركته الولايات المتحدة، وكذلك على أهمية تطوير مبادرات من كل من الفاعلين السياسيين والمجتمع المدني لدفع الحوار والتفاوض إلى الأمام.

وخلال النقاش مع الجمهور، أثيرت القضايا التالية: أهمية احترام القانون العام الدولي؛ وقدرة مصر على تحمّل الضغط الأميركي في الصراع؛ والدور المهم للمجتمع المدني في عموم المنطقة، مع الإشارة إلى أن الاتحاد الأوروبي يستطيع التأثير فيه والمساعدة في تطويره، ولا سيما في وقت يخسر فيه الغرب معركة الرأي العام، وخصوصاً في الجنوب العالمي؛ وفكرة أن مبادرات المجتمع المدني يجب أن تترجم إلى فعل سياسي حقيقي؛ ونزع سلاح الجماعات العنيفة، مع التشديد على أهمية مرافقة هذه العمليات بانتقالها إلى الساحة السياسية.

في ملاحظاته الختامية، أوضح بول موريّاس (مدير CIDOB) الثنائيات التي تميّز النظام الحالي في الشرق الأوسط ومقاربات عدد من الفاعلين الإقليميين والدوليين. فعلى سبيل المثال، سلّط الضوء على الحاجة إلى التفكير في السياسة بعد النزاع، وإلى النظر إلى القادة السياسيين الأقوياء والمجتمع المدني بوصفهما قوتين متكاملتين. وبالنظر إلى حالة الموقف الأوروبي وسط معضلات الحرب والسلام، ومع الإقرار بأن نفوذ أوروبا قد تراجع في السنوات الأخيرة، شدّد أيضاً على أهمية مساءلة الشرعية الداخلية والخارجية لأولئك الفاعلين المنخرطين في النزاعات، وما إذا كان ينبغي أن تكون تسويتها «جزئية ومحددة» أو قائمة على بناء هندسة إقليمية جديدة. وعلاوة على ذلك، وفي معرض تأمله في الحلول الممكنة، تساءل عمّا إذا كان ينبغي أن تستند إلى انتصارات تكتيكية أم إلى أهداف استراتيجية أطول أمداً. وأخيراً، تناول أيضاً تحدّي كيفية تعايش هذا التفتت الراهن — على المستويين الإقليمي والعالمي — مع الجهد الرامي إلى بناء نظام إقليمي جديد في الشرق الأوسط. ومع طرح كل هذه الأسئلة على الطاولة، خلص موريّاس إلى التحذير من أن «كلما ازداد فهمنا للنزاع، ازدادت صعوبة تصوّر السلام».

واختُتم المؤتمر بكلمة لخاومي دوش (وزير شؤون الاتحاد الأوروبي والعمل الخارجي في حكومة كتالونيا)، قال فيها إن مساحات الحوار أصبحت اليوم أكثر ضرورة من أي وقت مضى في السياق الدولي الراهن، الذي يتّسم بالنزاعات، وعدم الاستقرار، وانعدام الرغبة في إيجاد حلول سلمية. وعلى وجه التحديد، فإن إيجاد سبل للحوار والتفاوض يتطلب فهماً عميقاً للنزاعات من أجل توفير أدوات تساعد الحكومات على اتخاذ قرارات مستنيرة. وقال إن السياسات الخارجية ينبغي أن تستند إلى الأدلة، والمعرفة المتعمقة، والاستعداد للإصغاء إلى جميع الأطراف المعنية. وفي الختام، شدّد على أنه من الضروري، في السياق الدولي الراهن، تعزيز الاتحاد الأوروبي وتطوير سياسات ازدهار قائمة على استراتيجيات شاملة.

تعكس جميع المنشورات آراء مؤلفيها الأفراد، ولا تعكس بالضرورة آراء CIDOB كمؤسسة.

النص © CIDOB — Barcelona Centre for International Affairs — محفوظ هنا مع الإسناد إلى المصدر. — ترجمة آلية لأغراض أرشيفية. — المصدر الأصلي

من كتاباته في الموضوع نفسه

المزيد من التغطية الإعلامية

كل التغطية الإعلامية