تغطية إعلامية
مؤسسة بال ثينك للدراسات الاستراتيجية · 2024-10
يتناول المقال كيف دفعت تداعيات 7 أكتوبر واغتيال قادة بارزين، وآخرهم يحيى السنوار، حركة حماس إلى إعادة هيكلة قسرية ومراجعة وجودية، في وقت تواصل فيه إسرائيل حربها المعلنة لإنهاء الحركة وتدمير قدراتها العسكرية واستعادة الأسرى. ويجادل بأن حماس، رغم ما لحق بها من إضعاف عسكري وخسائر كبيرة، ما تزال فاعلاً سياسياً وعسكرياً وحكومياً لا يمكن اختزال مستقبله في مسألة من سيحكم غزة بعد الحرب، بل يجب فهمه في ضوء تطورها بين المقاومة والحكم وتشابكها مع قوى إقليمية ودولية.
يتناول المقال كيف دفعت تداعيات 7 أكتوبر واغتيال قادة بارزين، وآخرهم يحيى السنوار، حركة حماس إلى إعادة هيكلة قسرية ومراجعة وجودية، في وقت تواصل فيه إسرائيل حربها المعلنة لإنهاء الحركة وتدمير قدراتها العسكرية واستعادة الأسرى. ويجادل بأن حماس، رغم ما لحق بها من إضعاف عسكري وخسائر كبيرة، ما تزال فاعلاً…
لقد فرضت تداعيات السابع من أكتوبر، واغتيال القادة الكبار، إعادة تفكير وجودية داخل حماس
مع تهديد الاغتيال من قبل إسرائيل الذي يلاحق كل شخصية تتصدر تعاقب القيادة في حماس، فإن مقتل يحيى السنوار في 17 أكتوبر سيؤدي إلى إعادة هيكلة قسرية أخرى للجماعة. وكان السنوار، البالغ من العمر 61 عاماً، قد تولى قيادة التنظيم بعد اغتيال إسماعيل هنية، وبخلاف النهج الأكثر حذراً لسلفه، كان معروفاً بمنهجيته المفرطة الاندفاع. وكان قد توقّع قبل سنوات أن تقتله القوات الإسرائيلية؛ ولم يمكث سوى شهرين ونصف الشهر قائداً لحماس قبل أن يُقتل بالفعل.
وقد فرض هذا الاغتيال الأحدث لزعيم مؤثر آخر تحولاً في عمليات حماس. فالمقاتلون الذين كانوا قد خرجوا سابقاً من الأنفاق لمواجهة القوات الإسرائيلية وجهاً لوجه في المدينة، يعودون إلى العمل تحت الأرض، مترقبين الوقت المناسب. وفي الوقت نفسه، جرى خارج غزة تعيين مجلس من خمسة أشخاص يضم مسؤولين كباراً ومستشارين ليحل محل السنوار. ويُقال إن هذا المجلس أُنشئ بعد اغتيال هنية، وقد يكون ذلك مؤشراً على أن حماس كانت تتوقع نهاية السنوار وتستعد لتغيير تكتيكاتها. وبعد يوم من تأكيد مقتل السنوار، أعلن خليل الحية، نائب رئيس الحركة، أن الجماعة لن تزداد إلا قوة.
في هذه الأثناء، تواصل إسرائيل حملتها العسكرية الثلاثية الأهداف في غزة لإنهاء حماس، وتدمير قدراتها العسكرية، واستعادة الرهائن. ولم تتغير هذه الأهداف منذ أن أعلنها مجلس حرب إسرائيلي عقب هجوم حماس الدموي في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. ومنذ ذلك الحين، بدأ صناع السياسات في المنطقة وخارجها في تطوير سيناريوهات "اليوم التالي" لقطاع غزة على افتراض أن إسرائيل ستبلغ أهدافها المعلنة.
غير أن هذه السيناريوهات أثبتت حتى الآن أنها سابقة لأوانها، إذ ركزت على جانب واحد فقط من الصراع — من المؤهل لتولي الحكم في قطاع غزة بعد تدمير حماس المفترض. وقد أهملت معالجة مصير حماس بالقدر نفسه من الجدية بوصفها حركة مقاومة، ومنظومة خدمات اجتماعية، وحكومة حكمت قطاع غزة منذ يونيو/حزيران 2007. وثمة سؤال موازٍ يتعلق بمصير قدراتها العسكرية التي ستبقى بلا شك بعد نهاية الحرب.
وحتى الآن، أضعفت الحملة الإسرائيلية على غزة إلى حد كبير القدرات القتالية لحماس، وذلك بكلفة حصيلة كارثية من القتلى المدنيين وأوسع تدمير شامل للبنية التحتية على نطاق غير مسبوق في التاريخ الحديث. وقد فقدت حماس السيطرة على بعض مناطق قطاع غزة، ولا سيما في مدينة غزة والمناطق الشمالية، واعترف قادتها بأن الحرب دمرت 20 في المئة من قدرات الحركة. غير أنه وفقاً لتقرير صادر في يونيو/حزيران عن مجلس العلاقات الخارجية ومقره الولايات المتحدة، فإن القدرات القتالية البشرية لحماس قد تقلصت إلى النصف.
ومع ذلك، وبعد 13 شهراً من بدء الحرب، تبدو حماس مستمرة في أداء وظائفها، مُوقعةً خسائر في الجيش الإسرائيلي في غزة، ومحافظةً على قدر من الحكم في بعض مناطق القطاع.
وفي أواخر يونيو/حزيران، قال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، الأميرال البحري دانيال هاغاري، لوسائل إعلام محلية إن الهدف المركزي المتمثل في القضاء على حماس قد لا يتحقق بالكامل: "إن فكرة أنه من الممكن تدمير حماس، أو جعل حماس تختفي — هي ذرّ للرمال في عيون الجمهور".
وسياسياً، لا تزال حماس تحتفظ بثقل تفاوضي، سواء بشكل مباشر مع الشركاء العرب والإقليميين — مصر، وقطر، وتركيا، والصين، وغيرها — أو بشكل غير مباشر مع الولايات المتحدة وإسرائيل، من أجل التوصل إلى وقف لإطلاق النار وإطلاق سراح الرهائن. وعلاوة على ذلك، لا تزال القيادة العليا لحماس خارج فلسطين قادرة على التواصل مع كوادرها داخل قطاع غزة.
وعلى الرغم من التحليلات والتكهنات التي ذهبت إلى أن حماس — بكل مكوناتها كحركة وحكومة — ستخضع للقوة العسكرية الإسرائيلية، فإن التنبؤات بزوالها بوصفها كياناً فلسطينياً محورياً لم تتحقق. ومن الضروري إجراء دراسة متأنية لتطور حماس في بنيتها وتوجهها ومساعيها منذ نشأتها، من أجل رسم المسارات المستقبلية الممكنة المتاحة للحركة عندما تصمت البنادق.
## بين المقاومة والحكم
تأسست حماس في أواخر ثمانينيات القرن الماضي بوصفها حركة مقاومة إسلامية تجسد نضال الشعب الفلسطيني لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وتحقيق الحرية والاستقلال. وخلال بضع سنوات من إنشائها، أصبحت منافساً قوياً للعديد من فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، ولا سيما حركة فتح. وكانت فتح تقود منظمة التحرير الفلسطينية منذ عام 1965، وتقود السلطة الفلسطينية منذ عودتها إلى الضفة الغربية في إطار أحكام اتفاقات أوسلو في تسعينيات القرن الماضي. غير أنه بمرور الوقت، اتضح أن اتفاقات أوسلو أخفقت في تحقيق الطموحات الفلسطينية بإقامة الدولة أو كبح التوسع الاستيطاني الإسرائيلي في الأراضي المحتلة. ومع التراجع البطيء في شعبية فتح، نما التأييد لحماس. وعلى النقيض من فتح، رفضت حماس بشدة أي مفاوضات مع إسرائيل، وانتقدت منظمة التحرير الفلسطينية لرضوخها للمطالب الغربية عبر اتفاقات أوسلو، وقدمت خدمات اجتماعية واقتصادية واسعة النطاق.
في عام 2005، انسحبت إسرائيل من جانب واحد من قطاع غزة، فأخلت 21 مستوطنة يهودية غير قانونية وتركت المنطقة تحت سيطرة السلطة الفلسطينية. وكان هذا الانفصال، كما سمّته الحكومة الإسرائيلية آنذاك، مصمماً لتعزيز أمن إسرائيل؛ كما كان سيمهد الطريق للانتخابات التشريعية في يناير/كانون الثاني 2006، وهي أول ممارسة في بناء المؤسسات الديمقراطية الفلسطينية.
وفّرت الانتخابات التشريعية الفلسطينية للمكتب السياسي لحماس فرصة للتخلي عن كثير من عملياته السرّية والانتقال إلى الانخراط العلني بصورة أكبر في مجمل الحياة الفلسطينية، ولا سيما في المجلس التشريعي. وجاء هذا القرار أيضًا جزئيًا نتيجة لشعبية حماس بين الجماهير في الداخل والخارج، المرتكزة إلى مقاومتها الملتزمة للاحتلال الإسرائيلي. كما قدّمت نفسها بوصفها بديلًا للبرنامج الإداري للسلطة الفلسطينية الذي كان يزداد فقدانًا للشعبية، من خلال الدعوة إلى الإصلاح.
وليس من المستغرب أن حماس، وبدرجة كبيرة بسبب خدماتها الاجتماعية ومساعدتها الاقتصادية للسكان المدنيين المنكوبين في غزة، فازت بأغلبية المقاعد خلال انتخابات عام 2006. وبين ليلة وضحاها تقريبًا، باتت حركة المقاومة مطالبة الآن بالانخراط في السياسة وحكم سكان مدنيين.
وقد فاجأ الانتصار السياسي لحماس كلاً من إسرائيل والسلطة الفلسطينية. فأعلنت إسرائيل غزة إقليمًا معاديًا تديره منظمة صنّفتها هي وحلفاؤها الغربيون على أنها إرهابية. وحاصر الجيش الإسرائيلي، الذي كان قد انسحب من غزة من جانب واحد في عام 2005، الإقليم واعتقل مئات الفلسطينيين، بعضهم كانوا مرشحين فازوا عبر صناديق الاقتراع. أما المانحون الأمريكيون والأوروبيون، الذين كانوا يأملون في تمويل عملية سلام وانتقال ديمقراطي بعد الانسحاب الإسرائيلي من غزة، فقد أخفقوا في الضغط على حماس لحملها على التنصل من هدفها المتمثل في تدمير إسرائيل. وبعد بضعة أشهر، اختطف مقاتلو حماس جنودًا إسرائيليين وأطلقوا صواريخ على المستوطنات اليهودية، فيما ردّت إسرائيل بأولى عملياتها القاتلة العديدة في غزة.
وفي غضون ذلك، رفضت السلطة الفلسطينية التخلي عن السلطة، وسرعان ما انخرط الفصيلان الفلسطينيان في اشتباكات دامية. وكتبت صحيفة واشنطن بوست في ذلك الوقت: "إن الانقسام بين عباس وفتح في الضفة الغربية وحماس في غزة انفجر في سلسلة دامية من المعارك التي شهدت انتزاع حماس السيطرة الكاملة على قطاع غزة بالقوة في عام 2007".
وبحلول عام 2007، أُبلغ عن مئات الضحايا على الجانبين في المعارك الفلسطينية الداخلية؛ وفرضت إسرائيل حصارًا كاملًا على قطاع غزة، مقيّدة بشدة السيطرة على الحدود ومانعة دخول السلع الأساسية إلى الإقليم.
ووفقًا للبنك الدولي، فإن أثر الصراع مع السلطة الفلسطينية، والحظر الاقتصادي الذي تلاه، والحملات العسكرية الإسرائيلية المتكررة، ترك غزة باقتصاد هو الأسوأ أداءً في العالم. وكان نحو مليوني مدني يعانون من خنق اقتصادي عقابي ويكافحون للعثور على العمل والغذاء والأدوية والمواد اللازمة لإعادة البناء بعد كل هجوم إسرائيلي.
ومع ذلك، حافظت حماس على قبضتها على غزة وتمتعت بشعبية متزايدة. وازداد انخراطها في الحكم العام عندما شكّلت أول حكومة لها في يونيو/حزيران 2006 بعد أن فشلت محاولات متكررة من الدول العربية المجاورة، ولا سيما مصر والسعودية، لإقناع الفصيلين بتشكيل حكومة مصالحة. واستمرت هذه المبادرات حتى عام 2024، وكانت أحدث الجهود التي اضطلع بها دبلوماسيون صينيون.
ومنذ فوزها في انتخابات عام 2006، مزجت حماس بين ما تراه دورين مزدوجين لها: بوصفها حركة سياسية ذات جناح عسكري يقاوم الاحتلال الإسرائيلي، وكذلك دورها في الخدمة العامة بوصفها حكومة ذات مسؤوليات إدارية. وقد أثّرت ازدواجية عملياتها في غزة تأثيرًا كبيرًا في طبيعة المنظمة وأولوياتها ومصالحها والاتجاه الذي اتخذته في السنوات اللاحقة.
وأبرز هذه التحولات هو تحوّل حماس إلى هيئة عامة مسؤولة عن رفاه سكان غزة وأمنهم. ففي أعقاب الفوز الانتخابي، واجهت حماس مجموعة جديدة من الأولويات، مثل إنفاذ القوانين، وتطوير التشريعات، وإدارة السلطة القضائية، ومعالجة حقوق المرأة وحقوق الإنسان، والعمل مع المجتمع الدولي — وهي عناصر من الحكم كانت غريبة تمامًا على الحركة الناشئة السرّية. وهنا بدأت ديناميكية جديدة تتشكل داخل حماس: سلطة توظّف عشرات الآلاف من الموظفين ضمن بيروقراطيات حكومية متعددة، وكلها مكرّسة للتعامل مع الجمهور، وإدارة المالية العامة، وتعزيز الحوكمة الرشيدة، وإتاحة الشفافية.
أما التحول الثاني فهو أنه منذ عام 2006، انخرطت حماس مع الفاعلين السياسيين الإقليميين والدوليين، منتقلة من وضعها السابق كلاعب ثانوي إلى وسيط قوة مؤثر في السياسة الفلسطينية الداخلية. غير أن حماس أصبحت أيضًا عرضة لضغوط من بلدان أخرى بدخولها إلى الساحة العالمية وإقامتها علاقات مع دول ذات سيادة مثل تركيا وقطر ومصر وماليزيا وغيرها.
فعلى سبيل المثال، وافقت إسرائيل على منحة بملايين الدولارات من قطر إلى حماس في عام 2018 لمساعدة المنظمة على دفع الرواتب العامة وتكاليف الخدمات الطبية. ومنذ ذلك الحين، قدّمت قطر لحماس ما مجموعه 1.8 مليار دولار، وكانت ذات تأثير غير مباشر في المفاوضات بين حماس وإسرائيل. ولم تعد حماس تتعامل مع إسرائيل بوصفها وحدة معزولة؛ إذ بات عليها الآن أن توازن بين آراء وأهداف جيرانها الذين يدعمونها.
وقد أعادت هذه التغييرات تموضع حماس بوصفها منظمة ذات أبعاد دولية وليست مجرد حركة مقاومة فلسطينية محلية تُعتبر فرعًا من جماعة الإخوان المسلمين العالمية. وإضافة إلى انتقالها الجزئي إلى حكومة سياسية في غزة، فقد تجلّت حماس أيضًا بوصفها دينامو للاستقرار (وقد يجادل بعضهم: لعدم الاستقرار) في المنطقة، مع أنصار وحلفاء في جميع أنحاء العالم.
ولذلك، فإن القرارات الخاصة بتحديد مستقبل الحركة يجب أن تأخذ في الاعتبار الأبعاد والتحالفات الدولية. وباختصار، لم يعد مستقبل حماس في يد الحركة وحدها — فهي الآن كيان سياسي يؤثر في لاعبين دوليين آخرين ويتأثر بهم.
تُعدّ قطر وتركيا، على سبيل المثال، الأكثر قربًا من أيديولوجية جماعة الإخوان المسلمين، وتحتفظان بعلاقات قوية مع حماس. كما أن إيران وسوريا وحزب الله نسجت خلال السنوات العشر الماضية علاقة أيديولوجية وعسكرية أوثق مع حماس، مشكلةً مجال نفوذ يُعرف باسم «محور المقاومة» لمواجهة المناورات الجيوسياسية الأمريكية في المنطقة.
ويرتبط مستقبل حماس أيضًا بإسرائيل، التي تسيطر—بوصفها قوة احتلال—على معابر قطاع غزة، وقد خاضت، بدعم أمريكي، عدة توغلات عسكرية دامية ضد الشعب الفلسطيني.
ومن شأن مواقف هذه الأطراف الرئيسية، بما في ذلك مصالحها، والتحولات التي طرأت على سياساتها بسبب الحرب الإسرائيلية على غزة، وتفاعلاتها مع بعضها بعضًا، أن تساعد في تقديم رؤية استشرافية لمستقبل حماس.
وقد كلّف الأداء الضعيف للحركة في الحكم وعجزها عن توفير الخدمات الأساسية، ولا سيما في ظل الحصار الخانق الذي يفرضه الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة منذ يونيو/حزيران 2007، والحملات العسكرية الإسرائيلية المتواصلة، ومنافستها السياسية (والدامية في كثير من الأحيان) مع السلطة الفلسطينية (ومع قوى عربية إقليمية)، حماسَ جزءًا من الشعبية التي كانت قد رسختها في أواخر تسعينيات القرن الماضي.
وفي أعقاب العملية العسكرية المباغتة التي نفذتها حماس في 7 أكتوبر/تشرين الأول (المعروفة باسم طوفان الأقصى)، والحرب الإسرائيلية الانتقامية والعقابية على غزة التي استمرت 13 شهرًا، ينظر معظم السكان المدنيين إلى الحركة من خلال منظورين.
الأول هو منظور مقاومة الاحتلال الإسرائيلي والسعي إلى الاستقلال الوطني وتحرير الأراضي الفلسطينية. وفي هذا الإطار، تُنظر إلى حماس بإيجابية سواء داخل فلسطين أو خارجها.
أما المنظور الثاني فهو أكثر نقدًا، ويتعلق بالمعارضة المحلية للحركة. ومع اندلاع الحرب، وتصاعد وتيرة القتل والتهجير (إذ قُتل ما لا يقل عن 42,000 شخص، وأصيب أكثر من 100,000، ودُمّر 80% من المباني السكنية والبنية التحتية في قطاع غزة)، وعجز حكومة حماس عن توفير الحد الأدنى من الخدمات للسكان في ظل الحرب (في وقت نزح فيه أكثر من مليون ونصف المليون من سكان قطاع غزة ويعيشون في الخيام)، باتت انتقادات سياسات حماس تُسمع على نحو متزايد في شوارع غزة.
وخلال الأشهر الثلاثة عشر منذ اندلاع الحرب، بدأ السكان المنهكون في قطاع غزة يتساءلون عن قرار حماس إطلاق عملية طوفان الأقصى. وقد اشتد تأثر الشارع الفلسطيني في غزة بتفكير براغماتي فرضه حجم الكارثة الإنسانية في القطاع والصراع اليومي من أجل البقاء. ومن الجدير بالملاحظة أن تزايد التذمر والغضب في غزة يتناقض بشكل صارخ مع تصورات الفلسطينيين لحماس خارج القطاع، حيث لا تزال الحركة الداعية إلى المقاومة المسلحة تحظى بشعبية لافتة.
ومع ذلك، فإن القضية الأولى والأهم بالنسبة للسكان المدنيين في غزة هي الوقف الفوري لحرب الإبادة الجماعية التي يشنها الجيش الإسرائيلي ضدهم. وعندما يتعلق الأمر بالحكم والإدارة في القطاع بعد الحرب، فإن الفلسطينيين في غزة سيدعمون أي جهة تسهم فعليًا في وقف الحرب والعمل على إعادة الإعمار والتأهيل على جميع المستويات—المجتمعية والاقتصادية والنفسية والسياسية. وفي ضوء ما سبق، فإن قدرة حماس على تلبية احتياجات الفلسطينيين موضع تساؤل.
لكن هل يعني هذا إزالة حماس بالكامل من الخريطة السياسية في فلسطين والمنطقة؟ الجواب الأكثر براغماتية هو: لا. فحماس حركة مقاومة ذات أيديولوجية إسلامية منسوجة بعمق في النسيج الشعبي الفلسطيني، وقد أصبحت مرتكزًا أيديولوجيًا ثابتًا في المعجم الفلسطيني.
## مفترق طرق فكري داخل حماس
تسببت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في إثارة نقاش فكري—إن لم يكن وجوديًا—داخل حماس، يتمحور أساسًا حول ما إذا كان ينبغي التخلي عن الحكم لصالح العمل الدعوي والاجتماعي الذي مكّن الحركة ورسّخ شعبيتها في تسعينيات القرن الماضي.
والتيار الأيديولوجي داخل حماس الذي يدعو إلى هذه العودة إلى الجذور ضعيف ويفتقر إلى النفوذ. ومع ذلك، فهو الأكثر واقعية في قراءته للموقفين الإسرائيلي والأمريكي من مستقبل حماس. فإسرائيل والولايات المتحدة تتفقان على هدف مشترك يتمثل في تدمير حماس سياسيًا وعسكريًا، بما يجعل تجليها الأيديولوجي الشكلَ الأرجح للبقاء.
ومن ناحية أخرى، تدرك جماعة أخرى مدى جسامة التحديات المتعاكسة التي تواجهها الحركة بوصفها حركة مقاومة وسلطة حاكمة. وهي تحاول التفاوض مع المجتمع الدولي والأمريكيين من خلال تقديم تنازلات كبيرة على مستوى المقاومة مقابل السماح لها بممارسة السلطة ضمن ائتلاف سياسي فلسطيني.
وقد شدد خليل الحية، نائب رئيس المكتب السياسي لحماس في غزة الذي عُيّن مؤخرًا، على هذه النقطة حين قال إن الحركة مستعدة للموافقة على هدنة مع إسرائيل لمدة خمس سنوات (أو أكثر)، وستلقي سلاحها لتتحول إلى حزب سياسي إذا أُقيمت دولة فلسطينية.
غير أن عوامل أخرى، مثل المصالح الإقليمية لوسطاء القوى العرب الرئيسيين، سيكون لها أيضًا تأثير كبير على نوع الكيان الذي ستصبح عليه حماس.
فحليف الجماعة الرئيسي، قطر، لا مصلحة له في استبعادها بوصفها قوة مركزية في المشهد السياسي الفلسطيني، لأن ذلك يعني خسارة نفوذها الإقليمي والدولي—إذ لطالما كانت حماس ورقتها الرابحة في المنطقة. وقد زعم البعض، مثل صحيفة وول ستريت جورنال، في أبريل/نيسان أن القيادة العليا لحماس تدرس نقل مقرها من قطر إلى بلد آخر لم يُكشف عنه. وهذا لم يحدث.
في ضوء الفشل في التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، زعمت بعض التقارير الإعلامية أن الولايات المتحدة كانت تضغط على قطر لطرد حماس. وفي يونيو/حزيران، نفت حماس أنها كانت تخطط للانتقال إلى العراق. ومع ذلك، ثمة شائعات تفيد بأنه قبل اغتيال هنية في طهران، كان ممثلو حماس يدرسون الانتقال إلى تركيا.
كان الدبلوماسيون الأتراك يروّجون لحماس لدى المجتمع الدولي والأمريكيين بوصفها جماعة مستعدة لتقديم تنازلات جوهرية فيما يتعلق بأيديولوجيتها وسياساتها وأهدافها، والابتعاد عن المقاومة المسلحة نحو المشاركة السياسية. ولذلك، ليس مستغربًا أن يكون وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أول من صرّح بأن قادة حماس أعربوا عن استعدادهم لحل الجناح العسكري للحركة إذا أُقيمت دولة فلسطينية على حدود عام 1967، بما يشير إلى أن قيادة الحركة كانت قد وافقت على تحويل الحركة إلى حزب سياسي.
تريد تركيا من المجتمع الدولي أن يتصور حماس يمكن إعادة تدويرها إلى كيان يمكن الوثوق به لحكم غزة. ومع ذلك، فعلى الرغم من أن كلاً من تركيا وقطر تمارسان نفوذًا كبيرًا على حماس، فإن هناك حدودًا لما يمكنهما القيام به.
قد يكون هناك إدراك في واشنطن بأن الاحتواء الأمريكي لحماس، الذي لعبت فيه قطر دورًا محوريًا، لم يعد مجديًا. فالدوحة، على الرغم من كونها وسيطًا رئيسيًا في جميع المحادثات الخاصة بصفقات الرهائن ووقف إطلاق النار، أثارت سخط الحكومة الإسرائيلية والمواطنين الإسرائيليين لكونها موّلت حماس في المقام الأول. وقد حظيت هذه الخطوة بمباركة أمريكية وإسرائيلية على السواء في إطار نموذج الاحتواء، بما مكّن حماس من التركيز أكثر على الحوكمة بدلًا من المقاومة، مع تولّي الأموال القطرية دفع الرواتب العامة.
وقد يكون الأمريكيون قد اقتنعوا أيضًا بأن قطر تستضيف مجموعة من قيادات حماس ليست ذات تأثير داخل غزة بالقدر الذي كان يُفترض سابقًا. فالكلمة الفصل في أي اتفاق هدنة وتبادل أسرى تصدر عن القيادة العسكرية لحماس داخل قطاع غزة، وكان أهم هؤلاء السنوار، تليه قيادة كتائب عز الدين القسام. وإن خروجه الآن من المعادلة السياسية يطرح حالة من عدم اليقين بشأن مستقبل حماس والقطاع.
ومع ذلك، ينبغي عدم إغفال أن قرار تنفيذ عملية طوفان الأقصى جاء على الأرجح من داخل غزة وحدها؛ وعلى الأرجح لم يكن بمقدور قطر منعه أو تقديم تحذيرات أولية بشأنه، لسبب بسيط هو أن قيادة حماس في الخارج لم تكن على علم به. وعلى الأرجح أيضًا، كان قرارًا اتخذه السنوار والكتائب من جانب واحد. كما يُرجّح أن السنوار همّش قادة حماس خارج قطاع غزة ممن لم يكونوا منسجمين مع رؤيته، بعد فوزه في انتخابات الحركة عام 2020.
أصبح الجناح العسكري، الذي كان السنوار يتصدره سابقًا، عنصرًا محوريًا في «محور المقاومة» الذي تقوده إيران. ومن ثم، لا يمكن تجاهل تأثير إيران على السنوار والكتائب، وعلى ما يجري في غزة، وعلى مصير الرهائن. ولا تزال الكتائب تقاتل القوات الإسرائيلية في غزة وتتحكم عمليًا في مصير الرهائن الإسرائيليين المتبقين. وفي هذه الأثناء، لم تكن قيادة حماس في الخارج قادرة على التوصل إلى أي اتفاق سياسي في المحادثات مع الولايات المتحدة وإسرائيل من دون موافقة السنوار. وحتى وقت قريب، ظل السنوار والكتائب متمسكين بتحدٍّ بقناعتهم بأن قوتهم العسكرية والأيديولوجية قادرة على هزيمة إسرائيل. وما يزال يتعين الانتظار لمعرفة كيف سيؤثر مقتل السنوار في الكتائب على المدى المتوسط إلى الطويل.
## الرؤية والحماسة: مستقبل حماس
اعتمدت القيادة المتمركزة في غزة على نقاط أساسية لاستمرار قوتها، وفي مقدمتها شرعيتها المتصوَّرة بوصفها حركة مقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، وصمودها داخل غزة.
ثانيًا، اعتمدت حماس بقيادة السنوار على عجز إسرائيل عن تحرير الرهائن المتبقين عبر العمليات العسكرية. وتستفيد حماس من رغبة إسرائيل في إطالة أمد الحرب؛ فبالنسبة إلى إسرائيل، ما دامت الحرب مستمرة، سيكون من المستحيل على حماس أن تعيد تقديم نفسها بصيغة أكثر قبولًا لدى المجتمع الدولي.
وتأمل قيادة حماس خارج غزة أن تؤدي الانتخابات المقبلة للمكتب السياسي لحماس (التي كان من المقرر أصلًا إجراؤها في عام 2024، ولكن سيُعلن عنها الآن لاحقًا) إلى تحولات جوهرية في حوكمة الجماعة. ومن أبرز هذه التحولات المنشودة عودة خالد مشعل، الذي كان سابقًا صانع نفوذ رئيسيًا في حماس، إلى قيادة المكتب السياسي. أما السنوار، الذي شغل هذا المنصب منذ عام 2016 (ولايتين متتاليتين)، فقد أصبح الآن ميتًا ولم يعد عقبة أمام عودة مشعل.
وفي الأثناء، ومع استمرار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، تمتلك حماس حاليًا ثلاثة خيارات. الأول هو إلقاء السلاح والتخلي كليًا عن خيار المقاومة المسلحة مقابل الاستمرار في حكم قطاع غزة بضمانات دولية—وتستعين حماس بحليفيها تركيا وقطر لتسويق هذا الخيار. ويتناقض هذا الموقف مع رغبات إيران وسوريا وحزب الله، الذين يريدون من حماس أن تظل حركة مقاومة.
أما الخيار الثاني أمام حماس فهو المصالحة مع السلطة الفلسطينية وفتح، وتشكيل حكومة توافق وطني، بحيث تؤدي فيها دورًا مخففًا في حكم غزة. ويُعد هذا المسار نتيجة لإدراك حماس أنها غير قادرة وغير راغبة في العودة إلى السلطة في ظل معارضة المجتمع الدولي—بما في ذلك إسرائيل—للوضع القائم.
تدرك حماس أيضًا أن الحرب الإسرائيلية قد أضعفت قدراتها بشكل كبير، وأن تأييدها الشعبي في قطاع غزة قد تراجع بما يكفي بحيث لم يعد يتيح لها الحكم بفعالية. ومع ذلك، لا تزال حماس تؤكد أنها تحتفظ بقدر من القوة يمنع أي قوة أو حكومة من العمل في قطاع غزة من دون موافقتها وتنسيقها. إن حكم غزة يتطلب موارد هائلة وقبولًا دوليًا، وهو ما لا تملكه حماس حاليًا، لكنها تملك القدرة على تقويض من قد يحل محلها. وفي هذا السيناريو، إذا وافقت حماس على سلطة الحكم الجديدة، فإنها ستتراجع عن حكم غزة وتقدم دعمها للهيئة الجديدة.
يتمثل الخيار الثالث أمام حماس في ترك غزة من دون طابع سياسي: إذ ستُنشأ هيئة تكنوقراطية لإدارة القطاع، تتألف من رجال دولة وخبراء في الإغاثة والتنمية وإعادة التأهيل بعد الحرب، والمساعدات الإنسانية. ولن تضم هذه الهيئة حماس أو مؤيديها؛ غير أن حماس ستدعمها من الهامش، وسيُسمح لها بالتواصل مع الإسرائيليين والمجتمع الدولي من أجل إعادة الإعمار. وفي الوقت نفسه، ستعمل حماس على إعادة تأهيل بنيتها المتضررة. ويتسق هذا المقترح مع مقترح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يرفض عودة السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة وفكرة المصالحة الفلسطينية، وتعهد بمنع إقامة دولة فلسطينية. غير أن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس رفض هذا المقترح بحجة أنه يعزل قطاع غزة عن سيطرته ويمنع السلطة الفلسطينية من تسهيل عملية إعادة الإعمار.
ولا يزال من غير المؤكد كيف ستنتهي الحرب وما الذي سيبدو عليه اليوم التالي في قطاع غزة. وفي الأثناء، تواجه حماس أزمة وجودية يعتقد بعضهم أن حلها سيستغرق من ثلاث إلى خمس سنوات. وخلال هذه الفترة، من المرجح ألا تعود حماس إلى الحكم، وأن تقدم بدلًا من ذلك تنازلات كبيرة لأي جهة ترغب في حكم قطاع غزة، شريطة أن يُمنح لها دور استشاري. ومن المرجح أن يصبح الجناح العسكري، الذي كان يتمتع سابقًا بميزانية كبيرة، غير فاعل. وستُعاد تخصيص تلك الأموال لبرامج اجتماعية وصحية وتعليمية، ولجهود إعادة بناء التنظيم. وستقضي حماس هذه الفترة في ترميم نفسها، وإحصاء خسائرها في المعدات والأفراد، وإعادة بناء تأييدها الشعبي محليًا ودوليًا.