منشور
عمر شعبان إسماعيل · يوروميسكو / المعهد الأوروبي للمتوسط · 2012
يرى عمر شعبان أن اتفاق وقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل في نوفمبر 2012 لن يكون مستداماً، لأن جولات التهدئة منذ سيطرة حماس على غزة عام 2007 لم تمنع تجدد العنف ولا تطور القدرات العسكرية لدى الطرفين. ويستند إلى أرقام التصعيد الأخير: 165 قتيلاً وأكثر من ألف جريح فلسطينياً، و18 قتيلاً إسرائيلياً، وأكثر من 1200 غارة إسرائيلية مقابل أكثر من 1500 صاروخ أُطلق على إسرائيل، مع توسع مدى صواريخ حماس من أقل من 8 كلم إلى 30 كلم ثم 80 كلم. ويجادل بأن البديل هو إعادة تفعيل عملية السلام عبر مصالحة فلسطينية، وتشكيل حكومة وحدة لستة أشهر، ثم انتخابات رئاسية وتشريعية جديدة، تليها مفاوضات محددة الإطار الزمني وبرعاية دولية أوسع من الاحتكار الأميركي لتشمل الاتحاد الأوروبي وروسيا ودولاً أخرى.
عمر شعبان، نوفمبر 2012: وقف إطلاق النار لن يصمد، والحل هو تفعيل عملية السلام عبر مصالحة وانتخابات ورعاية دولية أوسع.
## التصعيد الأخير لكنه ليس الأخير
إن اتفاق وقف إطلاق النار الأخير الذي وُقِّع مساء الأربعاء 22 تشرين الثاني/نوفمبر 2012 في القاهرة بين حماس وإسرائيل، والذي أنهى ثمانية أيام من القتال بين الجانبين، لم يكن بالتأكيد أول اتفاق لوقف إطلاق النار منذ سيطرة حماس على قطاع غزة في حزيران/يونيو 2007، وللأسف لن يكون الأخير. وهناك مؤشرات كثيرة تُحذّر من أن دورة العنف قد تبدأ من جديد ليس بعد سنوات بل بعد أشهر. وقد بدأ التصعيد الأخير، الذي أطلقت عليه إسرائيل اسم “عمود الدفاع” وأطلقت عليه حماس اسم “السجيل”، عندما اغتالت الطائرات الإسرائيلية أحمد الجعبري، قائد الجناح العسكري لحماس، يوم الأربعاء 14 تشرين الثاني/نوفمبر. وتبادل الطرفان إطلاق النار والصواريخ على مدى ثمانية أيام، ما أسفر عن مقتل 165 شخصاً وإصابة أكثر من ألف شخص في الجانب الفلسطيني، معظمهم من النساء والأطفال، ومقتل 18 إسرائيلياً، معظمهم من المدنيين، وفقاً لتقارير دولية محايدة. وخلال الأيام الثمانية من التصعيد، شنّ سلاح الجو الإسرائيلي أكثر من 1,200 غارة جوية، وألقى ما يقارب ألف طن من المتفجرات، بينما ردّت حماس ومنظمات عسكرية أخرى بإطلاق أكثر من 1,500 صاروخ على المدن الإسرائيلية. وكان بعض هذه الصواريخ محليّ الصنع، بينما جرى تهريب البعض الآخر من مناطق أخرى، مثل ليبيا، عبر صحراء سيناء. وهكذا أتى التصعيد الأخير بعناصر جديدة إلى التصعيد المستمر بين الجانبين. وقد يشير ذلك إلى أن الجولة المقبلة من التصعيد ستكون قاسية ومدمرة على نحو غير مسبوق. ففي معركة الصواريخ هذه، وصلت حماس إلى مناطق تبعد 80 كيلومتراً داخل إسرائيل، وقصفت مدن تل أبيب والقدس وغيرها من البلدات الإسرائيلية. وعلى الجانب الآخر، نفذت إسرائيل قصفاً كثيفاً غير مسبوق لعشرات المباني المدنية، بما في ذلك ملعب كرة القدم ومقرات السجل السكاني، ما أدى إلى تدمير آلاف الوثائق التاريخية التي يزيد عمرها على مئة عام.
وهناك أسباب كثيرة تدعو إلى الاعتقاد بأن وقف إطلاق النار المتفق عليه في القاهرة لن يصمد، ومنها: 1) التطوير المستمر لقدرات حماس العسكرية؛ 2) سيطرة حماس على قطاع غزة منذ حزيران/يونيو 2007 بعد هزيمتها للسلطة الفلسطينية، التي يقتصر وجودها على الضفة الغربية؛ 3) تهريب السلاح عبر الأنفاق الأرضية بين قطاع غزة ومصر؛ و4) نمو جماعات سلفية وجهادية أخرى وتعاونها مع نظيراتها في صحراء سيناء بما يقوض الهدنة الأخيرة. وفي الوقت نفسه، فإن استمرار الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة، الذي بدأ عشية سيطرة حماس عليه، وتعليق محادثات السلام، واستمرار الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية، كلها عوامل تزيد من تفاقم هذا الوضع.
منذ سيطرة حماس على قطاع غزة في حزيران/يونيو 2007 وحتى التصعيد الأخير، وُقِّعت عدة هدن واتفاقات لوقف إطلاق النار بين الجانبين. وقد جرى التوصل إلى جميعها بوساطة مصر، لكنها لم تمنع انفجار دورة العنف مرة أخرى.
في عام 2008، توسطت مصر بين حماس وإسرائيل للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، بدأ في حزيران/يونيو وانتهى في تشرين الثاني/نوفمبر 2008. وبعد شهر واحد، نفذت إسرائيل عملية الرصاص المصبوب من أجل تحقيق ثلاثة أهداف، هي: 1) تدمير الأنفاق؛ 2) إنهاء حكم حماس في غزة؛ و3) وقف إطلاق الصواريخ على إسرائيل. وبعد ثلاثة أسابيع من الهجوم الإسرائيلي الجوي والبحري والبري، لم يتحقق أي من تلك الأهداف، رغم أن عملية الرصاص المصبوب تسببت في مقتل 1,300 فلسطيني وتدمير 5,000 منزل وإلحاق أضرار بـ17,000 منزل آخر. ومن الجدير بالذكر أنه خلال الفترة 2002-2008، كان مدى الصواريخ محلية الصنع التابعة لحماس أقل من ثمانية كيلومترات، بينما ارتفع هذا المدى إلى 30 كيلومتراً خلال عملية الرصاص المصبوب في 2008-2009. وخلال تصعيد “عمود الدفاع”، بلغ مدى صواريخ حماس 80 كيلومتراً، ووصلت إلى مدينتي تل أبيب والقدس للمرة الأولى. ويمكننا أن نتوقع بسهولة أن صواريخ حماس في عام 2015، على سبيل المثال، قد تصل إلى أكثر من مئة كيلومتر استناداً إلى مستوى التحسن في القدرات العسكرية لحماس خلال العقد الماضي.
وعليه، فإن التصعيد المقبل سيكون أشد وحشية وتدميراً وإزهاقاً للأرواح مقارنة بالجولات السابقة. فجميع اتفاقات الهدنة أو وقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل التي تم التوصل إليها خلال الأعوام الستة الماضية لم توقف انفجار الوضع ولم تمنع حركة المقاومة الفلسطينية من تطوير قدراتها العسكرية. ومن جهة أخرى، فإن ذلك لم يقنع إسرائيل بأن سياسة التصعيد العسكري وحصار قطاع غزة، الذي تسبب في أزمات إنسانية كارثية للسكان الذين يعيشون هناك، ليست هي الحل. وهنا يجب أن نبحث في حلول أخرى أكثر استدامة وأقل كلفة. ولا شك في أن إعادة تفعيل عملية السلام والمفاوضات بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل هي أفضل حل لمواجهة الأخطار التي تهدد الأمن في المنطقة وتحقيق سلام دائم.
## خارطة طريق معدلة نحو سلام دائم
هناك انقسام فلسطيني بين حماس في غزة والسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية. وقد سيطرت حماس على قطاع غزة منذ حزيران/يونيو 2007 بعد فوزها في الانتخابات التشريعية في كانون الثاني/يناير 2006. وقد قاطعت إسرائيل والولايات المتحدة ومعظم دول الاتحاد الأوروبي حكومة حماس رداً على رفضها الالتزام بالشروط الثلاثة، وهي: 1) الاعتراف بإسرائيل؛ 2) نبذ العنف؛ و3) الاعتراف بالاتفاقات الموقعة سابقاً بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية. كذلك فإن السلطة الفلسطينية، التي انحصر وجودها في الضفة الغربية، لم تعد تمثل جميع الفلسطينيين. وقد منحت هذه العناصر إسرائيل مبرراً كافياً للتراجع عن التزامها بشروط السلام التي تشمل تجميد الاستيطان، ووقف بناء الجدار، والانسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967.
وللخروج من دائرة العنف المستمرة منذ عقود، ينبغي النظر في خارطة طريق معدلة للسلام تقوم على ما يلي:
1. إنهاء الانقسام الفلسطيني الداخلي وتحقيق المصالحة الوطنية بين حماس والسلطة الفلسطينية. وينبغي لإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية دعم عملية المصالحة من أجل تحقيق توحيد التمثيل الفلسطيني.
2. تشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية بصورة مؤقتة لمدة ستة أشهر تعمل على الإعداد للانتخابات الرئاسية والتشريعية. وقد جرت آخر انتخابات في يناير/كانون الثاني 2006، ما يعني أن الهيئتين الرئاسية والتشريعية انتهت ولايتهما في يناير/كانون الثاني 2010.
3. ينبغي إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية جديدة بعد ستة أشهر من تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية. ويجب أن يشارك المجتمع الدولي في هذه العملية وأن يدعمها.
4. يجب على المنظمات والأحزاب والأفراد الذين يرغبون في المشاركة في الانتخابات التشريعية الالتزام بشروط اتفاق السلام وشروط المجتمع الدولي.
5. ينبغي للقيادة الفلسطينية المنتخبة حديثًا، التي اعترفت بالفعل بالاتفاقات السابقة وشروط عملية السلام، أن تدخل في عملية محادثات سلام مع إسرائيل. ويجب أن يكون لمحادثات السلام بين إسرائيل والقيادة الفلسطينية المنتخبة حديثًا إطار زمني محدد، وأن تُجرى تحت رعاية الأطراف الدولية.
## رعاية المجتمع الدولي
احتكرت الولايات المتحدة عملية السلام في الشرق الأوسط خلال السنوات السبع الماضية، مستبعدةً أطرافًا رئيسية أخرى، وهي الاتحاد الأوروبي وروسيا والأمم المتحدة. ولا تستطيع الولايات المتحدة تحقيق أي تقدم في عملية السلام بسبب موقفها المنحاز كليًا إلى إسرائيل، ما أفقدها ثقة الأطراف الأخرى وقلّص قدرتها على ممارسة الضغط على إسرائيل.
لا شك أن عملية السلام في الشرق الأوسط بحاجة ماسة إلى تدخل الولايات المتحدة نظرًا لقوتها ونفوذها. ويمكن للولايات المتحدة استخدام هذا النفوذ لإقناع إسرائيل والضغط عليها إذا لزم الأمر.
وكان احتكار الولايات المتحدة لعملية السلام أحد الأسباب التي أدت إلى الفشل في تحقيق أي تقدم، ولذلك ينبغي تفعيل دور قوى أخرى في العالم، وعلى رأسها دور الاتحاد الأوروبي وروسيا. بل ينبغي حتى تشجيع قوى جديدة على الانضمام إلى عملية السلام، مثل الصين والبرازيل والهند وجنوب أفريقيا وتركيا، والاستفادة بشكل كبير من مصر بصفتها لاعبًا رئيسيًا في الشرق الأوسط وروابطها الخاصة مع حماس.
المجال: Ceasefire & Peace Plans — النص © EuroMeSCo / IEMed — محفوظ هنا مع الإسناد إلى المصدر. — المصدر الأصلي