ععمر شعبان إسماعيلاقتصاد سياسي · فلسطين

منشور

غزة وسكانها قد لا ينجون من هذه المرحلة من وقف إطلاق النار

عمر شعبان إسماعيل · رسبونسيبل ستيتكرافت · 2026

بحشر ملايين الفلسطينيين في 30% من قطاع غزة، يجعل نتنياهو الحياة هناك مستحيلة. وعلى الرغم من وقف إطلاق النار الاسمي، تواصل إسرائيل هجماتها اليومية وتحجب المساعدات بينما تحتل 70% من الأراضي بصورة ممنهجة. يؤكد هذا التحليل أن غزة لا تواجه كارثة إنسانية وحسب، بل جغرافيا حياة موجَّهة سياسياً نحو الانعدام — سياسة اختناق ديموغرافي متعمدة تجعل العودة مستحيلة والنزوح الجماعي حتمياً.

بحشر ملايين الفلسطينيين في 30% من قطاع غزة، يجعل نتنياهو الحياة هناك مستحيلة. وعلى الرغم من وقف إطلاق النار الاسمي، تواصل إسرائيل هجماتها اليومية وتحجب…

أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في وقت متأخر من الشهر الماضي أنه أصدر أوامره للجيش الإسرائيلي بالسيطرة على 70% من قطاع غزة. وبموجب خطة الهدنة ذات النقاط العشرين التي اقترحها الرئيس دونالد ترامب، كان يُفترض بالقوات الإسرائيلية الانسحاب إلى منطقة تشمل نحو 50% من أراضي غزة، يحدّها ما بات يُعرف بـ"الخط الأصفر"، تمهيداً لانسحابات مستقبلية. غير أن الجيش الإسرائيلي، عوضاً عن الانسحاب، واصل توسيع رقعة سيطرته لتبلغ حالياً قرابة 60% من غزة، في حين يُسوّى ما تحتله بالأرض. وعلى الرغم من الهدنة المزعومة، تواصل إسرائيل شنّ هجمات شبه يومية على غزة — راح ضحيتها ما لا يقل عن 932 شخصاً منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار — فيما تفرض قيوداً مشددة على إدخال المساعدات.

فماذا يعني أن يُحشر أكثر من مليوني شخص في 30% فحسب من مساحة قطاع غزة الصغيرة أصلاً؟ إنها سياسة موت بطيء مباشرة ومتعمدة، تُرغم السكان على العيش في سجن مكشوف مكتظ ومتقلص باستمرار، يفتقر إلى أدنى مقومات الحياة. فما تُنفّذه إسرائيل في غزة ليس خطة ترامب، بل خطة لجعل غزة غير صالحة للسكن بصورة دائمة.

قبيل الحرب، كانت مساحة قطاع غزة تبلغ نحو 362 كيلومتراً مربعاً، ويسكنها قرابة 2.2 مليون شخص، مما جعلها من أكثر البقاع اكتظاظاً في العالم. فإذا جرى حشر مليوني شخص في 30% فقط من هذه المساحة، ترتفع الكثافة السكانية إلى أكثر من 46,000 شخص لكل ميل مربع؛ وإذا احتُسب عدد السكان الكامل قبل الحرب، فإن الرقم يقترب من 52,000 شخص. وهذه الأرقام تتوافق مع أحدث تقييم للأضرار والاحتياجات الصادر عن البنك الدولي.

للمقارنة، تبلغ الكثافة السكانية لكل ميل مربع نحو 230 شخصاً في المغرب، و320 في مصر، و100 في الولايات المتحدة، و390 في الصين، و750 في المملكة المتحدة، ونحو 1300 في الهند، و1000 في بلجيكا. وحتى قبل الحرب، كانت كثافة غزة السكانية تفوق هذه الأرقام جميعاً بكثافة بلغت 16,000 شخص لكل ميل مربع. ما يُفرض الآن هو تكثيف مجتمع بأسره داخل مساحة لم تعد قادرة على استيعاب الحياة والخدمات والكرامة والنظام الاجتماعي. إنه اختناق ديموغرافي بكل معنى الكلمة.

ستحوّل الخطة الإسرائيلية للسيطرة على 70% من الأراضي الـ30% المتبقية إلى قدر ضغط على وشك الانفجار. فالمناطق المحتلة تضمّ معظم الأراضي الزراعية في غزة، ولا سيما حول بيت حانون وبيت لاهيا ودير البلح وخان يونس ورفح — سلّة غذاء القطاع — فضلاً عن آبار المياه ومحطات تحلية المياه ومنشآت معالجة مياه الصرف الصحي والطرق والمستودعات والأراضي العامة الضرورية للتوسع المستقبلي. ويُقدّر الأمم المتحدة احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بـ71.4 مليار دولار. لكن من دون أراضٍ، يغدو حتى أفضل مخطط إعمار تمويلاً مجرد جداول بيانات بلا جغرافيا.

الواقع الإنساني كارثي بالفعل. فوفقاً للتقييم، نُزح أكثر من 1.9 مليون فلسطيني داخلياً، وفقد أكثر من 1.2 مليون شخص منازلهم. ولا تعمل سوى أقل من نصف المستشفيات، وأقل من 38% من مراكز الرعاية الصحية الأولية. ويوجد نحو 728,000 طفل وشاب في سن التعليم خارج مقاعد الدراسة منذ أكثر من عامين. ويعيش ما لا يقل عن 41,844 شخصاً مع إصابات غيّرت حياتهم وتستدعي إعادة تأهيل طويلة الأمد.

في هذا الواقع، يُمثّل انعدام المقابر أحد أقسى المؤشرات على انهيار النسيج الاجتماعي. فقد اضطرت عائلات في غزة إلى دفن موتاها في مقابر غير رسمية وأراضٍ فضاء ومواقع مؤقتة. ومجتمع لا يجد حتى مكاناً لدفن موتاه لا يُعقل أن يُقيم مدارس وعيادات ومصانع ومنازل. حتى الموت بات في حالة تهجير.

لهذا لا يمكن فصل مسألة الأرض عن الصحة والتعليم والسلوك الاجتماعي. إذ ينمو عدد سكان غزة بمعدل 60,000 شخص سنوياً. وفي ظروف طبيعية، كانت غزة تحتاج إلى عشرات المدارس والمستشفيات والمقابر ومنشآت خدمات جديدة كل عام. واليوم تواجه كل ذلك مع إعادة بناء مئات المدارس والمستشفيات المدمرة وعشرات الآلاف من المنازل والقاعدة الاقتصادية.

إن فقدان المدارس ليس مشكلة تعليمية وحسب. فالمدارس تُنظّم الوقت وتحمي الأطفال وتُرسّخ القيم المدنية وتمنح المراهقين سبباً لتخيّل مستقبل. وحين تختفي المدارس، يحلّ محلها الشارع والمأوى والجماعة المسلحة والسوق السوداء وشاشة الهاتف. هذه البيئة خصبة لاستنبات العنف والكراهية والتطرف — لا لأن أهل غزة عنيفون بطبعهم، بل لأن الحرمان المُهندَس ينتج أمراضاً اجتماعية. وتصف أبحاث بال ثينك حول النزوح والبقاء في غزة كيف مزّق النزوح الجماعي الروابط الأسرية والحيّية.

الخطر الأشد ليس الانهيار الإنساني وحده، بل تشكّل جيل ترعرع بلا مدرسة أو رعاية صحية موثوقة أو عمل أو فضاء عام أو مؤسسات عدالة أو أفق سياسي مصدوق. لن ينتظر هذا الجيل بصبر مؤتمرات إعادة الإعمار. بعضهم سيلجأ إلى اليأس، وبعضهم سيبحث عن الانتقام، وبعضهم سيُجنَّد لدى جهات متطرفة، وبعضهم سيحاول المغادرة. هذه هي النتائج المتوقعة لضغط الحياة حتى تصبح غير محتملة.

في ضوء ذلك، ينبغي قراءة دعوات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس الأخيرة إلى "الهجرة الطوعية" من غزة. وقد أسّست السلطات الإسرائيلية بالفعل وكالة حكومية رسمية لتيسير هذه المغادرات. ويوحي تسلسل الإجراءات الإسرائيلية بنية واضحة: أولاً اجعل العودة مستحيلة، ثم اجعل الحياة لا تُحتمل، ثم قدّم المغادرة على أنها طوعية. فإذا حُرم مليونا شخص من الأرض والماء والمدارس والمستشفيات والوظائف والمنازل الآمنة وحتى المقابر، فإن المحطة الأخيرة ستكون النزوح الجماعي.

الخلاصة السياسية واضحة: يبدأ منع النزوح الجماعي بوضع حدٍّ لسياسة الضغط الإقليمي داخل غزة. لا بد أن يستعيد الفلسطينيون الوصول إلى أراضيهم، بما فيها المناطق الزراعية والأراضي العامة ومواقع البنية التحتية. ويجب أن تُتاح إعادة الإعمار حيث عاش الناس فعلاً، لا في مناطق تجميع مكتظة. وينبغي معاملة المدارس والمستشفيات والمقابر وشبكات المياه والخدمات البلدية باعتبارها بنية تحتية أمنية، لأنه بدونها لا يمكن لأي مجتمع أن يبقى قابلاً للحوكمة.

حذّرت الأمم المتحدة عام 2012 من أن غزة قد تصبح غير صالحة للعيش بحلول عام 2020. وذلك التحذير يبدو اليوم قاصراً عن وصف الواقع. فوسط دمار الحرب وضياع المنازل وانهيار الخدمات وتقلّص الأراضي والموارد، لا تواجه غزة أزمة إنسانية فحسب، بل جغرافيا حياة مفروضة وموجَّهة سياسياً نحو الانعدام. إن احتلال 70% من قطاع غزة الصغير أصلاً ليس مجرد احتلال أرض — إنه سياسة تستهدف تدمير جميع مقوّمات الحياة داخل محيط مسوّر. وإذا استمر هذا المسار، فلن يكون السؤال إن كان الناس سيغادرون، بل كم منهم سيُضطر في نهاية المطاف إلى اختيار البحر.

المجال: Ceasefire & Peace Plans — Occupation · population concentration · ceasefire — النص © Responsible Statecraft — محفوظ هنا مع الإسناد إلى المصدر. — المصدر الأصلي

تغطية إعلامية ذات صلة

كل المنشورات