منشور
عمر شعبان إسماعيل · المركز الفلسطيني للبحث السياسي والمسحي · 2021
يتناول عمر شعبان مستقبل قطاع غزة خلال السنوات الخمس التالية في ظل أربعة افتراضات ثابتة: استمرار الانقسام الفلسطيني، وبقاء حماس في الحكم، وغياب مسار سياسي فلسطيني-إسرائيلي، واستمرار الحصار مع بيئة إقليمية شبه مستقرة. ويعرض ثلاثة بدائل ممكنة: عودة السلطة الفلسطينية عبر المصالحة، أو هدنة طويلة الأمد بين حماس وإسرائيل، أو تبلور كيان غزي مستقل بحكم الأمر الواقع. ويرى أن المصالحة تبقى الخيار الأمثل فلسطينياً لكنها متعثرة بفعل الخلافات البنيوية وتراجع شعبية الرئيس عباس، إذ انخفضت في استطلاع 2021 من 47% إلى 27% أمام إسماعيل هنية، بينما اعتبر 53% أن حماس الأجدر بالقيادة مقابل 14% فقط لفتح. ويخلص إلى أن السيناريو الأرجح هو استمرار الوضع القائم مع تفاهمات من نوع "الهدوء مقابل تسهيلات" وربما هدنة تمتد بين 15 و20 عاماً، بما يحفظ الانقسام ويمنع عودة السلطة إلى غزة.
عمر شعبان، سبتمبر 2021: السيناريو الأرجح لغزة هو استمرار الوضع القائم مع تهدئة طويلة وتسهيلات محدودة.
منذ وقوع الانقسام الفلسطيني في حزيران/يونيو 2007، أصبح قطاع غزة منطقة جغرافية ذات سياق سياسي وقانوني مختلف عن الضفة الغربية. وقطاع غزة مساحة صغيرة من حيث الحجم، لكنه كبير من حيث المشكلات. وهو خاضع لحكم حماس، التي لا تحظى باعتراف في العالم العربي، ولا على الصعيد الدولي. وبعد سيطرة حماس على القطاع، فرضت إسرائيل حصارًا شاملًا عليه وعرّضته لأربع حروب طويلة مدمرة وعشرات المواجهات المسلحة الأصغر على مدى 14 عامًا. وقد أدت سياسة الحصار الخانق التي تفرضها إسرائيل، وكذلك الحروب والاعتداءات العسكرية المتكررة، إلى خلق أزمة إنسانية غير مسبوقة وأسفرت عن تدمير واسع للبنية التحتية وجميع القطاعات والأنشطة الاقتصادية.[1] ويُفترض أن قطاع غزة جزء من أراضي السلطة الفلسطينية والدولة المستقبلية، وفقًا للقرارات الدولية واتفاق أوسلو الموقع بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل. غير أنه، نظرًا لعدم اتصاله جغرافيًا ببقية الأراضي الفلسطينية، ومنذ الانقسام الفلسطيني في عام 2007 الذي أخرجه من سيطرة السلطة الفلسطينية، وفشل محاولات المصالحة والوحدة، يُطرح السؤال مرة أخرى: "ما مستقبل قطاع غزة خلال السنوات الخمس المقبلة؟"
أربع فرضيات:
يفترض النقاش التالي استمرار أربعة جوانب من الوضع الراهن الحالي: استمرار الانقسام الفلسطيني، واستمرار سيطرة حماس على قطاع غزة: لقد فشلت محاولات عديدة في تحقيق المصالحة وإعادة السلطة الفلسطينية حاكمًا لقطاع غزة. وكانت المحاولة الأخيرة تشكيل حكومة المصالحة في حزيران/يونيو 2014، نتيجة لاتفاق الشاطئ في نيسان/أبريل 2014. وبعد انقطاع دام عدة سنوات، تجددت جولات الحوار بين ممثلي حماس وفتح، واستضافتها عواصم إسطنبول والقاهرة والدوحة في أيلول/سبتمبر 2020.[2] إلا أنها لم تنجح في تحقيق المصالحة. ويعني فشل جولات المصالحة أن حماس ستبقى في السلطة في قطاع غزة. ولا تخفي إسرائيل جهودها الرامية إلى منع المصالحة الوطنية ووقف عودة حكم السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة.
يبقى الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي دون حل: إن التفاؤل الذي ساد الأوساط الفلسطينية والدولية مع وصول الرئيس جو بايدن إلى السلطة في الولايات المتحدة سرعان ما تلاشى، إذ لم تبادر الإدارة الأميركية الجديدة إلى أي تحرك لاستئناف مسار المفاوضات بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل. وقد جاء أول تواصل بين الرئيسين بايدن ومحمود عباس بسبب الحرب بين إسرائيل والفصائل في غزة في أيار/مايو 2012. وكان التدخل الأميركي، الذي جاء متأخرًا إلى حد ما، مدفوعًا بالحرب على غزة، لكنه اقتصر على تدخلات اقتصادية ومساعدات مالية مع ابتعاده عن أي مسار سياسي. وعلاوة على ذلك، فإن أول لقاء بين الرئيس عباس والحكومة الإسرائيلية، أي اللقاء مع وزير الدفاع بيني غانتس في آب/أغسطس 2021، تناول فقط القضايا الأمنية والاقتصادية والإنسانية، واستهدف تعزيز السلطة، وتعزيز التنسيق الأمني، ومنع الانهيار. ونقلت وسائل الإعلام الإسرائيلية تصريحات رئيس الوزراء نفتالي بينيت، التي شدد فيها على أنه "لا توجد عملية سياسية مع الفلسطينيين، ولن تكون هناك مثل هذه العملية".[3] ولا يوجد مسار سياسي في المستقبل المنظور.
استمرار الحصار والإغلاق: مع انتهاء جولة المواجهات في أيار/مايو 2021 بين إسرائيل وقطاع غزة، أعلنت الحكومة الإسرائيلية الجديدة موقفها الواضح المتمثل في مواصلة حصار القطاع، ومنع عملية إعادة الإعمار، وربط أي تخفيف للمعاناة بقضية الأسرى الإسرائيليين الذين يُزعم أنهم محتجزون في غزة.[4] وقد شهد هذا التعنت الإسرائيلي بعض المرونة فيما يتعلق بالحصار، إذ أجبر ضغط الوسطاء الحكومة الإسرائيلية الجديدة على السماح ببعض التخفيف لتجنب حرب جديدة، بما في ذلك تحويل جزء من أموال المنحة القطرية، والسماح بإدخال المواد الخام، بما في ذلك مواد البناء، وتوسيع مساحة الصيد، والسماح لآلاف العمال الغزيين بدخول إسرائيل. غير أن هذه التسهيلات لا ترقى إلى رفع الحصار الكامل المفروض على قطاع غزة.[5]
تبقى البيئة الإقليمية الراهنة دون تغيير: من المتوقع أن تبقى البيئة الإقليمية مستقرة نسبيًا، من دون تغيير ذي معنى أو نوعي. واللاعبون الإقليميون الرئيسيون ذوو الصلة هم مصر وإيران والأردن وتركيا وقطر. وهذه الدول، التي تمثل المصالح المختلفة في المنطقة، ليست موحدة في موقفها من حماس وقطاع غزة. ففي الوقت الذي تنفتح فيه علاقات إيران وتركيا وقطر مع حماس، مع تقديم مساعدات إنسانية وبعض الاعتراف السياسي، تشهد علاقة مصر والأردن مع حماس الكثير من التذبذب، وتحكمها وقائع الأمر الواقع ولا أكثر. وتنعكس الخلافات بين دول المنطقة بوضوح في علاقاتها مع حماس. وهذه الدول منشغلة بقضاياها الداخلية، وليس لديها نية لإحداث تغيير نوعي في علاقاتها ومواقفها من حماس على وجه الخصوص، وقطاع غزة على وجه العموم.
استشراف مستقبل قطاع غزة في السنوات الخمس المقبلة
في ضوء هذه الفرضيات، تبحث هذه الورقة في الخيارات المتاحة والممكنة لقطاع غزة في السنوات الخمس المقبلة. وهي تستند إلى قراءة لمواقف الأطراف المعنية ودرجة تفاعلها مع البيئة الداخلية، وكذلك إلى النقاش الدائر داخل حماس بشأن المسارات البديلة التي ينبغي سلوكها للخروج من الأزمة المستمرة منذ 14 عامًا. وفي محاولة لاستشراف مستقبل قطاع غزة في السنوات الخمس المقبلة، يمكن تحديد ثلاثة بدائل للوضع الراهن: عودة قطاع غزة إلى سيطرة السلطة الفلسطينية، وهدنة طويلة الأمد بين حماس وإسرائيل، وكيان غزة مستقل.
الخيار الأول: تحقيق المصالحة، وعودة السلطة الفلسطينية إلى الحكم، بمشاركة حماس
يفترض هذا السيناريو تحقق مصالحة وطنية كاملة. فمنذ الانقسام، لم تتوقف المحاولات من أجل تحقيق ذلك. ومع ذلك، وعلى الرغم من اتفاقات المصالحة العديدة (عدن 2008، القاهرة 2011، الدوحة 2012، الشاطئ 2014، والقاهرة 2017)، كانت النتيجة الفشل. وقد أعاد المرسوم الرئاسي الذي صدر في كانون الثاني/يناير 2021[6] لإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية في أيار/مايو وتموز/يوليو 2021 الأمل في المصالحة الوطنية. لكن هذا الأمل تبدد سريعًا بقرار الرئيس تأجيل الانتخابات، بذريعة رفض إسرائيل إجرائها في القدس. وقد سبق ذلك سلسلة من المحاولات نحو المصالحة الوطنية بين حماس وفتح، كان أحدثها في 24 أيلول/سبتمبر 2020 في إسطنبول، وأسفرت عن رؤية مشتركة نحو حل القضايا العالقة بين الطرفين، مثل إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية، والوسيلة المناسبة لمقاومة الاحتلال، واستخدام المقاومة الشعبية.[7] ومع تأجيل الانتخابات والحرب على غزة في أيار/مايو 2021 (التي أسهمت في زيادة كبيرة في شعبية حماس وترافقت مع تدهور شديد في مكانة السلطة الفلسطينية)، وفي ظل اغتيال الناشط نزار بنات، وصفقة اللقاحات مع إسرائيل، التي اعتبرها الجمهور نتيجة للفساد داخل السلطة الفلسطينية، وقضايا أخرى، اتسعت الفجوة بين الحركتين، مما جعل المصالحة أكثر استعصاءً من قبل. ويُظهر استطلاع للرأي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية أن شعبية الرئيس الفلسطيني انخفضت بشكل حاد بعد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في أيار/مايو 2021، حيث تراجعت، في منافسة بين عباس وإسماعيل هنية من حماس، من 47% في آذار/مارس 2021 إلى 27% في حزيران/يونيو 2021. ويشير الاستطلاع كذلك إلى أن 53% يرون أن حماس الأجدر بتمثيل وقيادة الشعب الفلسطيني، مقارنة بـ14% فقط لصالح حركة فتح بقيادة الرئيس عباس.[8] وبعد الاجتماع الثلاثي في القاهرة بين الرئيسين الفلسطيني والمصري وملك الأردن، في أيلول/سبتمبر 2021، شدد الرئيس محمود عباس على "ضرورة" اعتراف حماس بالشرعية الدولية، وأضاف أنه "إذا اعترفت بتلك الشرعية، يمكننا فورًا تشكيل حكومة وحدة وطنية".[9] وهذا موقف سبق أن رفضته حماس وبعض الفصائل الفلسطينية.
داخل حماس، لا يوجد إجماع بين قادتها بشأن شروط المصالحة مع السلطة الفلسطينية وحركة فتح. وقد صدرت تصريحات غير متسقة من قادة حماس بشأن مدى التنازلات التي يجب تقديمها. وهذا هو الحال أيضًا داخل حركة فتح وبعض الفصائل المتحالفة معها. وتعكس مواقف الجانبين قناعات مختلفة بشأن من ينبغي أن يخرج بوصفه اللاعب الفلسطيني المهيمن. وإضافة إلى ذلك، تحول عدة قضايا شائكة دون المصالحة، بما في ذلك إصرار حماس على الاحتفاظ بسلاحها وأجهزتها العسكرية والأمنية، خلافًا لرغبة الرئيس محمود عباس، الذي يطالب بسلاح واحد وقانون واحد ويرفض نموذج حزب الله اللبناني في غزة. وهناك صعوبة أخرى تتمثل في الدمج الإداري والأمني للموظفين العاملين مع حكومة حماس، والجباية المالية، والقضاء، والأراضي، ورفع العقوبات.
وعلاوة على ذلك، يوجد اعتقاد داخل حركة حماس بأن الوقت يعمل لصالحها، إذ تراكم مزيدًا من الخبرة والدعم في المنطقة، كما حدث مع حرب أيار/مايو 2021. وتعتقد حماس أن آفاق المصالحة ستكون أفضل في غياب الرئيس الفلسطيني. وفي الوقت نفسه، يعزز هذا التصور التدهور المستمر في شعبية منافسها، عباس وفتح، واحتمال اندلاع صراع داخلي على الخلافة، سواء داخل فتح أو السلطة الفلسطينية. وبعبارة أخرى، فإن حماس ليست في عجلة من أمرها للمصالحة.
الخيار الثاني: التوصل إلى هدنة طويلة الأمد مع إسرائيل
منذ سيطرت حماس على قطاع غزة في عام 2007، اتسمت علاقاتها مع إسرائيل بالتوتر، وكانت تتأرجح أحيانًا بين أولويات مختلفة. وقد تعارضت الحاجة إلى تلبية احتياجات السكان الواقعين تحت سيطرتها، وإثبات سيطرتها، في بعض الأحيان، مع رغبتها في الحفاظ على موقعها كقائد للنضال المسلح ضد إسرائيل. وبعد المواجهات المسلحة، شكّلت المخاوف بشأن إعادة بناء البنية التحتية المدمرة في القطاع أولوية أخرى. وقد وقعت حماس عدة اتفاقات هدنة مع إسرائيل بعد هذه الحروب (2009 و2012 و2014)، لكنها كانت قصيرة الأمد. وتجري حماس حوارًا شبه متواصل مع إسرائيل، بوساطة مصرية وقطرية وأممية، للحصول على عدد من التحسينات الاقتصادية والمادية، وكذلك فتح المعابر، وإصدار تصاريح للعمال، وغير ذلك. ومع بداية كل صراع، تسحب إسرائيل هذه التسهيلات ثم تعيد التفاوض بشأنها.
وفي الوقت نفسه، تؤكد حماس، بين حين وآخر، أنها لا تريد مواجهات عسكرية أوسع مع إسرائيل، لكنها تسعى إلى وقف التصعيد، شريطة تخفيف الحصار، ولكن من دون التخلي عن مبدأ النضال المسلح ضد إسرائيل. وترى حماس أن حكمها لقطاع غزة واستمرار خطاب المقاومة والنضال ضد الاحتلال عنصران ضروريان في صياغة هويتها التي تضمن استمرار الدعم لها، وكذلك كسب انتباه الأطراف الثالثة، سواء الحلفاء (قطر وتركيا وإيران) أو الخصوم (إسرائيل ومصر والسلطة الفلسطينية). وتتحمل حماس عبء الحكم وتدرك أنها تحتاج إلى نوع من العلاقة مع الاحتلال، الذي يُعد المنظم الرئيسي لقطاع غزة.
لا يمكن لحماس أن تذهب إلى حد الاعتراف بإسرائيل وتوقيع اتفاق سلام معها. وينبع هذا الموقف من أسباب أيديولوجية ومن إدراكها أن مثل هذا الاعتراف سيحرمها من مكانتها كحركة مقاومة، وقد يؤدي إلى فقدانها للدعم الشعبي. ولذلك، فهي تفضّل الحديث عن هدنة طويلة الأمد. ويتيح هذا الموقف لحماس الاحتفاظ بهويتها كحركة «مقاومة»، وفي الوقت نفسه تحقيق مكاسب اقتصادية مهمة تعزّز قدرتها على حكم قطاع غزة؛ أي الجمع بين المقاومة والحكم. وتقوم معادلة حماس هذه على الحصول على تسهيلات وتحسينات إنسانية، وتجاوز الحصار، وفتح قطاع غزة على العالم الخارجي، مقابل تمتع إسرائيل بالهدوء على الحدود لفترة زمنية طويلة. وفي الأثناء، تتأرجح حركة حماس بين ماضيها كحركة مقاومة، الذي غادرته جزئياً في يونيو/حزيران 2007، وحاضرها كحكومة مكلّفة برعاية مليوني فلسطيني. ووفقاً لما عليه الأمور اليوم، فإن حماس تقف في مرحلة وسطى بين منظمة مسلّحة وحكومة. وفي هذا السياق، تنسجم الهدنة طويلة الأمد مع الأهداف المرحلية لحماس.
## الخيار الثالث: كيان غزة المستقل
في هذا البديل، يصبح قطاع غزة كياناً سياسياً صغيراً قائماً بذاته، يتمتع بالسيادة. وفي سياق أوسع، يُبقي هذا البديل على الانقسام القائم، إذ يظل قطاع غزة والضفة الغربية إقليمين يتمتعان بمستويات مختلفة من السيطرة أو السيادة. وعلى أساس الأمر الواقع، تبقى الضفة الغربية منطقة من الكانتونات، التي تصغر مع مرور الوقت، مع تمتعها بحكم ذاتي إداري. وستبقى مرتبطة اسمياً بغزة، حيث يكون الحكم أكثر استقلالاً على نحو أوسع. ويكتسب هذا السيناريو زخماً بفعل الانقسام الفلسطيني الطويل والمستمر، في ظل غياب آفاق المصالحة مع تعمّق الشرخ بين حماس وفتح.
بعد سنوات الانقسام الطويلة، تنامى شعور لدى بعض شرائح المجتمع الفلسطيني بأنه من المستحيل تحقيق المصالحة، وأن على قطاع غزة أن ينظر بجدية في إيجاد مخارج من الأزمة الإنسانية. وقد تسبب الانقسام أيضًا في تحولات مجتمعية وسياسية واقتصادية أخرى، أسهمت بدورها في تعميق الانفصال بين غزة والضفة الغربية. ويحظى هذا البديل بدعم في أوساط الأمن القومي الإسرائيلي التي تنظر بإيجابية إلى الفصل بين الضفة الغربية وغزة. وقد عبّر عن ذلك الجنرال غيورا آيلاند، مهندس فكرة توسيع قطاع غزة. إذ دعا الحكومات الإسرائيلية إلى الخروج من حذرها التقليدي والتوصل إلى صفقة شاملة مع قطاع غزة، تشمل تبادل الأسرى. ومن شأن ذلك أن يؤدي فعليًا إلى إنشاء إمارة أو دويلة في غزة وتحويل غزة إلى مركز دولة فلسطينية، على أن تكون الكانتونات في الضفة الغربية بمثابة توابع لها.[10] وقد اتهمت قيادة السلطة الفلسطينية، وحركة فتح، وكثير من كُتّاب الرأي، حركة حماس بالسعي إلى إقامة كيان مستقل في قطاع غزة.[11] وقد وجد هذا الاتهام ما يسنده في الأرضية الخصبة التي وفرتها الإجراءات المعتمدة والقرارات المتخذة من قبل حماس منذ توليها زمام السلطة في قطاع غزة. وشمل ذلك تشكيل لجنة إدارية للحكم الفعلي لغزة؛ والزيارات المكوكية التي قام بها العديد من قادة حماس إلى بعض الدول بصفتهم ممثلين للشعب الفلسطيني؛ وطرح وثيقتها السياسية في أيار/مايو 2017، أي برنامج حماس المعدل، الذي سعت من خلاله إلى تسويق نفسها بوصفها حركة سياسية أكثر مرونة وقدرة على التكيف مع متطلبات المجتمع الدولي.[12] وفي مناسبات كثيرة، صرّحت حماس، الحركة والحكومة، بأن قطاع غزة يساهم في موازنة السلطة الفلسطينية، وأن قطاع غزة يمكن أن يزدهر إذا حصل على أموال المقاصة الخاصة به. وتدرك حماس أن قطاع غزة يمتلك موارد طبيعية، مثل الغاز، ويطل على البحر المتوسط، ولديه ثروة سمكية معقولة، وهي كلها موارد تشجع على التفكير بأن القطاع يمكن أن يعتمد على نفسه. وقد رفضت حماس في مناسبات كثيرة فكرة كيان غزي مستقل، وكانت تؤكد دائمًا موقفها المعلن بأنه «لا دولة في غزة ولا دولة من دون غزة». لكن الرئيس عباس صرّح لمجلة روز اليوسف المصرية بأن حماس تجري «تنسيقًا أمنيًا مع الاحتلال»، وأنها أجرت مفاوضات مع إسرائيل خلال فترة الرئيس المصري المعزول محمد مرسي من أجل إقامة دولة في غزة. وردّ موسى أبو مرزوق، من حماس، قائلًا: «سيادة الرئيس، إن حماس تريد دولة ليس في غزة فقط، بل في كل فلسطين، ولا يمكنكم التملص من مسؤولياتكم تجاه غزة المحاصرة بهذه الذرائع».[13]
## مواقف الدول المعنية
تختلف المواقف بين الدول والأطراف المعنية ذات التأثير في الوضع في قطاع غزة. ويتمثل الموقف الإسرائيلي المعلن في الإبقاء على الانقسام الفلسطيني، بما يعفي إسرائيل من الشروع في مسار تفاوضي مع الفلسطينيين. وفي المقابل، يتمثل الموقف الثابت للسلطة الفلسطينية في منع فصل قطاع غزة والإبقاء عليه تحت سيطرتها من أجل تعزيز أوراقها التفاوضية مع إسرائيل والولايات المتحدة والإقليم. وتتفق مصر والأردن، اللتان تتبنيان موقفًا أيديولوجيًا معاديًا لحماس، مع هذا الموقف. ويعتمد البلدان سياسة أمر واقع في التعامل مع حركة حماس بوصفها القوة الموجودة على الأرض، ولكن من دون السماح لها بأن تصبح كيانًا معترفًا به دوليًا. وهما لا يريدان إطلاقًا أن يكونا جارين لكيان مستقل تحكمه حركة هي جزء من جماعة الإخوان المسلمين. وعند استعراض السيناريوهات الثلاثة، يتضح التباين الحاد في مواقف هذه الدول تجاه مستقبل قطاع غزة. وتفضّل إسرائيل خيار المماطلة، أو الإبقاء على الوضع القائم، إلى أن تنضج الظروف بما يسمح بخيار الانفصال على أساس هدنة طويلة الأمد. ويمكن إدراج مقترح وزير الخارجية الإسرائيلي يائير لابيد، الذي قدمه في مؤتمر هرتسيليا هذا الأسبوع، ضمن هذا السيناريو، وهو ما ينسجم مع الموقف الاستراتيجي الإسرائيلي القائم على الإبقاء على الانقسام الفلسطيني وتقييد قدرات حماس والفصائل المسلحة الأخرى، مع تقديم تسهيلات جاذبة لحماس.
## الخاتمة
من الواضح، من استعراض البدائل أعلاه، أن مستقبل قطاع غزة يصعب تصوّره من دون أن تكون حماس فاعلًا رئيسيًا. ومن نافلة القول إن إسرائيل، صاحبة القرار الرئيسية بشأن قطاع غزة، ليست معنية بتوقيع اتفاق سلام مع حماس. لكن إسرائيل تميل إلى المضي في خيار هدنة طويلة الأمد، قد تمتد ربما من 15 إلى 20 عامًا. وينسجم هذا الخيار مع مصلحتها الاستراتيجية في الإبقاء على الانقسام الفلسطيني ومنع عودة السلطة الفلسطينية إلى غزة. علاوة على ذلك، فإن الإبقاء على حالة العداء يصب في مصلحة الطرفين، إسرائيل وحماس. إذ يستخدم كل منهما هذا العداء لتبرير سياساته. وهكذا، تهاجم إسرائيل، من جهة، قطاع غزة من وقت إلى آخر، وتنتهج سياسة مستمرة من الاغتيالات والاعتقالات، بينما تجري، من جهة أخرى، مفاوضات غير مباشرة مع حماس من أجل كبح قوتها وحصر ولايتها في «الشرطة الداخلية». وهذه معادلة متوازنة، ذات مخرجات مدروسة بعناية تدعم سيناريو المراوحة. ومباشرة بعد الجولة الأخيرة من الحرب بين إسرائيل وقطاع غزة، التي استمرت 11 يومًا، عاودت الحكومة الائتلافية، بقيادة نفتالي بينيت، التلميح إلى «الأمن مقابل الهدوء» مع تحسينات اقتصادية محدودة، في سياق التشديد على استمرار الانقسام ومنع انهيار حكم حماس. وقد نجحت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة في إقناع الجمهور الإسرائيلي بأن استمرار الفصل بين الضفة الغربية وغزة يصب في مصلحة إسرائيل، وأنه الحل الأنسب لها. كما تدرك إسرائيل أيضًا حاجة حماس ورغبتها في الاستمرار في حكم غزة.
وفي حين أن الخيار المثالي بالنسبة للفلسطينيين هو تحقيق المصالحة بين رام الله وغزة، بما يحفظ حل الدولتين، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا في السنوات الخمس المقبلة هو استمرار الوضع الراهن، من دون بديل قابل للحياة. وهو السيناريو الذي لا يغضب السلطة الفلسطينية، ولن يلقى اعتراضًا جديًا من مصر والأردن؛ وهو الخيار الذي أصبح مألوفًا في المنطقة.
ملاحظات
[1] أزمة كوفيد-19، https://bit.ly/3lDxior
[2] القدس العربي: جولات واتصالات متوقعة بين فتح وحماس لبحث دخول الانتخابات بقائمة مشتركة https://bit.ly/3CtddrY
[3] الجزيرة نت: بعد لقاء عباس وغانتس، بينيت ينفي وجود مسار سياسي مع الفلسطينيين، وحماس والجهاد الإسلامي يدينان https://bit.ly/3CtAycH
[4] آر تي عربية: خلاف حول الأسرى الإسرائيليين لدى «حماس» يعرقل إعادة إعمار غزة https://bit.ly/2ZfXXjT
[5] مدار: استراتيجية نفتالي بينيت وخياراته إزاء قطاع غزة... هل ثمة تغيير جذري؟ https://bit.ly/3lHvOcX
[6] وفا: الرئيس يصدر مرسومًا رئاسيًا يحدد موعد إجراء الانتخابات العامة على ثلاث مراحل https://bit.ly/3kmd6bd
[7] الأناضول: «فتح» و«حماس» تختتمان محادثات «تركيا» بالاتفاق على «رؤية للحوار» https://bit.ly/2XsOYLh
[8] المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، نتائج استطلاع الرأي العام رقم (80) https://bit.ly/39ky7wQ
[9] مجلة روز اليوسف: الرئيس الفلسطيني محمود عباس في حوار مع «روز اليوسف»: مبادرات السلام «ميتة»، ولا بديل عن إعادة النظر في جميع الاتفاقيات مع إسرائيل https://bit.ly/3zmPvvo
[10] إحاطة صحفية للواء جيورا آيلاند - رئيس شعبة العمليات في جيش الدفاع الإسرائيلي - بشأن اتفاق تينيت لوقف إطلاق النار - 14 يونيو/حزيران 2001، https://bit.ly/3Cn7Fz5
[11] سما الإخبارية: صناعة دولة غزة، د. إبراهيم أبراش، https://bit.ly/2Z5ZxVb
[12] وثيقة المبادئ والسياسات العامة (حركة حماس)، https://bit.ly/3zkHpDl
[13] فلسطين اليوم: أبو مرزوق: حماس تريد دولة في كل فلسطين، وليس في غزة فقط. https://bit.ly/2Xut3TG
المجال: Gaza Reconstruction — scenarios · Gaza Governance · reconstruction · Hamas · Palestinian Politics · five-year outlook — النص © PCPSR — Palestinian Center for Policy and Survey Research — محفوظ هنا مع الإسناد إلى المصدر. — المصدر الأصلي — PDF