منشور
عمر شعبان إسماعيل · مبادرة الإصلاح العربي · 2024
تحليل لمبادرة الإصلاح العربي (2024) يستعرض السيناريوهات المحتملة لغزة في مرحلة ما بعد الحرب، يُدرس ثلاثة مسارات: انسحاب إسرائيلي مع إدارة فلسطينية، ترتيب انتقالي برعاية دولية، أو استمرار احتلال مطوّل. يُقيّم الافتراضات السياسية والأمنية لكل سيناريو ويُحدد الشروط الضرورية لتحقيق الاستقرار.
تحليل لمبادرة الإصلاح العربي (2024) يستعرض السيناريوهات المحتملة لغزة في مرحلة ما بعد الحرب، يُدرس ثلاثة مسارات: انسحاب إسرائيلي مع إدارة فلسطينية، ترتيب…
كان هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 حدثًا مفصليًا على المستويين المحلي والدولي، إيذانًا ببدء حقبة جديدة في حياة الشعب الفلسطيني وفي العلاقات مع الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي. ولأول مرة في تاريخ الصراع العربي-الإسرائيلي، تعرضت إسرائيل لهجوم مباغت من قبل مقاتلين ينتمون إلى تنظيمات مسلحة، وليس جيشًا منظمًا، اخترقوا الحدود ووصلوا إلى نحو 14 بلدة صغيرة في جنوب إسرائيل، موقعين عددًا من الضحايا الإسرائيليين والأجانب من المدنيين والعسكريين، واختطفوا واحتجزوا رهائن من عشرات المدنيين والعسكريين والأجانب غير الإسرائيليين.
جاء هجوم حماس-الجهادي كمفاجأة صادمة للجميع: إسرائيل، والعالم، والشعب الفلسطيني، وجزء كبير من قيادة وأعضاء حركة حماس نفسها، والمجتمع الفلسطيني عمومًا، لأنه لم تكن هناك مؤشرات على إمكانية وقوع مثل هذا الحدث. وبعد ساعات قليلة من الهجوم، شنت إسرائيل حربها على قطاع غزة عمومًا وعلى حماس والجهاد الإسلامي خصوصًا. وهذه الحرب، التي ما تزال مستمرة حتى يومها الـ205 وقت كتابة هذا النص، استخدمت فيها إسرائيل جميع وسائل القتل والدمار والموت والتجويع، بما يرقى إلى الإبادة الجماعية، مع رفع دعوى أمام المحكمة الجنائية الدولية من قبل دولة جنوب أفريقيا.
حددت الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو ومجلس الحرب أهدافًا للحرب: 1) تحرير الرهائن المحتجزين في قطاع غزة، و2) القضاء على القدرات العسكرية لحماس، وتقويض النظام الذي تديره في قطاع غزة، و3) ضمان ألّا يشكل قطاع غزة تهديدًا مستقبليًا لأمن إسرائيل. وهذه الأهداف، إذا تحققت، ستؤدي بالضرورة إلى إحداث تغييرات جذرية في نظام الحكم في غزة، وستكون آثارها طويلة الأمد. وقد دأبت مراكز البحوث وتحليل السياسات على دراسة مفاهيم وسيناريوهات نتائج هذه الحرب وما ستترتب عليه على المدى القصير والمتوسط والطويل. وقد أشار رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو إلى المعركة في غزة بوصفها حرب الاستقلال الثانية لدولة إسرائيل، تمامًا كما كانت النكبة الفلسطينية حرب الاستقلال الأولى، ويُستخدم مصطلح "اليوم التالي للحرب على قطاع غزة" على نحو شائع من قبل الساسة الإسرائيليين بوصفه مصطلحًا يشير إلى تجاوز وجود حماس في مستقبل قطاع غزة.
غير أن الحكومة الإسرائيلية، ممثلة بقادتها أو بمجلس الحرب، لم تتمكن من تقديم رؤية واضحة لهذا المستقبل، رغم أنها عبّرت عن بعض ملامحه في سياق الحملة العسكرية، مثل إعلان الوزراء الإسرائيليين مرارًا أنهم لا يريدون مشاركة الأونروا، أو السلطة الوطنية الفلسطينية، أو حركة فتح، في مستقبل غزة. وقد تقاطعت هذه الأهداف الإسرائيلية جزئيًا مع الرؤية الأميركية للتعامل مع الحرب على غزة، والتي تمثلت في رؤية وزير الخارجية الأميركي بلينكن: أولًا، هزيمة حماس ورفض أي دور لها كجزء من مستقبل غزة؛ ثانيًا، رفض الولايات المتحدة تهجير سكان غزة؛ وثالثًا، رفض إعادة إسرائيل احتلال غزة بشكل دائم. وأصبح الحديث عن اليوم التالي للحرب أحد أهم نتائج تقارب الرغبة في هزيمة حماس. مع الإقرار بأن الإجابة عن سؤال "ماذا يأتي في اليوم التالي للحرب؟" تحمل في طياتها رؤى متباينة: فالولايات المتحدة تريد أن ترى سلطة وطنية فلسطينية بإصلاحات جذرية في قطاع غزة، بينما تعارض إسرائيل وجود السلطة الفلسطينية في قطاع غزة ولا تريد أن ترى وحدة داخل النظام السياسي الفلسطيني.
## اليوم التالي للحرب: سيناريوهات محتملة
تحاول هذه الورقة استشراف المستقبل من خلال فحص السيناريوهات المحتملة لإدارة قطاع غزة بعد نهاية الحرب، وتحليل إمكانيات كل سيناريو وعقباته.
وقبل استعراض هذه السيناريوهات، تجدر الإشارة إلى أن سؤال اليوم التالي للحرب على غزة أصبح سؤالًا مهمًا يتعين على إسرائيل الإجابة عنه بعد فشل خطة ترحيل سكان قطاع غزة إلى مصر. وقد حاولت إسرائيل كسب تعاطف غربي في الأيام الأولى للحرب لتمرير خطة ترحيل سكان غزة، لكن هذه الخطة فشلت بسبب الرفض العربي والدولي، ولا سيما من مصر، التي رفضت بحزم فتح أراضيها، إضافة إلى صمود سكان غزة ورفضهم الترحيل مرة أخرى. وانتقل نتنياهو ومجلس الحرب الإسرائيلي إلى تدمير جميع أشكال الحياة في قطاع غزة من خلال استهداف جميع المقومات الأساسية للحياة، مثل شبكات المياه والطاقة والصرف الصحي، وقصف المستشفيات والمدارس والكنائس والمساجد، إضافة إلى تحويل جميع المكاتب الحكومية والأبراج السكنية ومئات الآلاف من الوحدات السكنية إلى ركام، فضلًا عن رفض إدخال الوقود وتقنين الغذاء والمساعدات الطبية، في محاولة لإخضاع الحياة في غزة لسلطة الموت. ومن اللافت أن الإدارة الأميركية هي التي بادرت إلى تطوير سيناريوهات لإدارة الحكم في قطاع غزة بعد الحرب.
جاءت الزيارات المتعددة لبلينكن إلى المنطقة خلال الأشهر الأولى من الحرب في إطار طرح سيناريوهات لحكم قطاع غزة بعد انتهاء الحرب، إذ تتماهى الإدارة الأمريكية مع هدف إسرائيل وتواصل دعم حربها ضد الشعب الفلسطيني في غزة بكل الوسائل. وفي اجتماعه مع وزراء الخارجية العرب في الأردن، طرح وزير الخارجية الأمريكي فكرة إدارة قطاع غزة عبر قوة عربية مشتركة، وهو مقترح رفضه وزراء الخارجية. ودفعه ذلك إلى زيارة الرئيس محمود عباس وعرض المقترح عليه، فوافق عباس مشروطًا على حكم وإدارة قطاع غزة، ولكن فقط ضمن مسار سياسي يفضي إلى دولة فلسطينية وفق قرارات الشرعية الدولية، وهو ما ترفضه إسرائيل بالتأكيد. وفي ضوء هذه التحولات، فتحت الحرب الإسرائيلية على غزة الباب على مصراعيه أمام جميع السيناريوهات الممكنة لإدارة حكم قطاع غزة، وبعض السيناريوهات المحتملة هي كما يلي:
## 1- سيناريو احتواء حماس
يفترض هذا السيناريو أن الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة لن تنجح، لا عمدًا ولا فعليًا، في القضاء على حماس، لكن الضغط الإسرائيلي المتواصل على حماس باستخدام جميع وسائل الحرب، بما في ذلك القتل والتدمير والتجويع والإذلال، سيدفعها إلى تقديم تنازلات جوهرية تمس أسس الحركة ومبادئها. وتشمل هذه التنازلات الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، ونبذ العنف، وقبول نهج سياسي تفاوضي. وقد تتاح للحركة حينئذ فرصة البقاء، والحفاظ على ما تبقى من قدراتها، والمشاركة في حكم القطاع، والانخراط في إعادة إعماره على أسس سياسية جديدة. وإذا نجحت إسرائيل في تحقيق ذلك، فستكون قد روّضت الحالة الفلسطينية بالكامل.
وفي تصريح حديث لقيادة حماس، قال خليل الحية: حماس مستعدة للتخلي عن النهج العسكري والتخلي عن السلاح إذا تمت الموافقة على دولة فلسطينية.
ويمكن القول إن هذا الموقف الأحدث لحماس يمثل تحولًا جذريًا عن مواقفها السابقة.
إن دفع حماس إلى التخلي عن برنامجها العسكري هو الهدف الاستراتيجي الذي تحاول إسرائيل تحقيقه في هذه الحرب، وإذا نجحت في ذلك، فستكون قد انتصرت. وهذا يعني دخول حماس في مسار التسوية والتخلي عن الكفاح المسلح، وهو السيناريو نفسه الذي شهدته منظمة التحرير الفلسطينية عام 1982، بعد أن غزت إسرائيل بيروت وغادرت قوات منظمة التحرير ورئيسها آنذاك، ياسر عرفات، البلاد. وستكون إسرائيل قد نجحت في الإبقاء على فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية والحفاظ على الانقسام السياسي الفلسطيني قائمًا، وبالتالي عدم الاضطرار إلى الاستجابة للدعوات الدولية والإقليمية بضرورة فتح مسار سياسي للصراع ينتهي بحل الدولتين. كما يضمن هذا السيناريو لإسرائيل حرية العمل الأمني والعسكري في قطاع غزة، بما في ذلك المداهمات والاعتقالات وقمع أي مقاومة فلسطينية، من دون وجود عسكري فعلي على الأرض. ويتمتع هذا السيناريو بآفاق قوية لأنه يتسق مع السياسة الإسرائيلية التقليدية تجاه حماس منذ سيطرتها على القطاع عام 2007، وهي سياسة جزّ العشب بدلًا من القضاء عليه. وقد حدث تغير في الهدف المعلن للحرب الإسرائيلية على غزة من القضاء على حماس وإسقاط حكمها إلى تدمير القدرات العسكرية للجماعة ومنعها من تكرار هجوم السابع من أكتوبر. ويورد تقرير نشرته الجزيرة آراء بعض الخبراء الإسرائيليين بأن حماس ستبقى في غزة في اليوم التالي للحرب، وأنه لا توجد أي سلطة يمكنها ملء الفراغ، وأنه لا بد من مشاركتها في الشؤون المدنية لسكان غزة. ويتوقف تحقق هذا السيناريو على نتائج المعركة الجارية على الأرض، وكيف ومتى تنتهي، وما إذا كانت حماس ستكون قادرة على البقاء وتحقيق بعض الإنجازات التي تمكّنها من امتلاك بعض أوراق القوة.
وقد تسهم أطراف مؤثرة، مثل قطر وتركيا على وجه الخصوص، في إقناع قيادة الحركة في الخارج بقبول هذا السيناريو، لكن هذا السيناريو سيفضي إلى فقدان حماس دعم وولاء قوى المقاومة مثل سوريا وإيران وحزب الله. وسيؤثر هذا النهج بشكل كبير في مستقبل حماس، ولا سيما أمام مؤيديها وفي موقفها الأيديولوجي تجاه إسرائيل، وقد يؤدي إلى انهيار جزئي وانقسام داخل الحركة، فضلًا عن الشرخ الكبير الذي قد يقع مع فصائل مقاومة أخرى مثل الجهاد الإسلامي، ومحور المقاومة (حزب الله وإيران). كما سيجد هذا السيناريو معارضة قوية من بعض الأطراف العربية مثل مصر والسعودية والإمارات، التي تفضل اختفاء حماس من المشهد ودمجها في النظام السياسي الفلسطيني، لأنها على خلاف مع حماس وجماعة الإخوان المسلمين.
## 2- إشراف دولي وإقليمي ومحلي مؤقت على قطاع غزة
يفترض هذا السيناريو أنه بعد انتهاء الحرب، ولسد الفراغ الذي قد ينشأ نتيجة انهيار النظام في قطاع غزة، قد تضطر القوى المؤثرة (الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الأوروبي، والدول العربية المؤثرة في القضية الفلسطينية، ولا سيما مصر والأردن) إلى تشكيل قوة عربية ودولية بمشاركة ممثلين محليين من غزة لإدارة القطاع. وسيدير هذا الكيان عملية إعادة الإعمار ويشرف على قطاعات مثل التعليم والصحة، وقد يحظى بدعم قوة عسكرية خارجية للحفاظ على الأمن، مثل قوة حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة.
هذا السيناريو مطروح بقوة، إذ أعلنت دول عربية استعدادها لإرسال قوات إلى قطاع غزة للمساهمة في أمنه. ويرتبط تحقق هذا السيناريو أساسًا بنجاح إسرائيل في تحقيق جميع أهدافها والقضاء فعليًا على حماس وإضعافها إلى الحد الذي لا تستطيع معه المقاومة. وقد أعلنت فصائل المقاومة رفضها لهذا الطرح. وهذا السيناريو، حتى وإن كان مطروحًا، يحتاج إلى غطاء شرعي من جامعة الدول العربية أو الأمم المتحدة، فضلًا عن قبول السلطة الفلسطينية به، التي قد ترى في هذا السيناريو تعديًا عليها، ولا سيما في ظل شرعية التمثيل الفلسطيني في منظمة التحرير الفلسطينية، والتساؤلات حول الأدوار التي يرغب المشاركون العرب في أدائها في قطاع غزة، خاصة أنهم قد لا يكونون متحمسين للانخراط في مستنقع قطاع غزة في غياب حل سياسي دائم. ووفق هذا السيناريو، لن تتمكن السلطة الفلسطينية من بسط سيطرتها من الضفة الغربية إلى قطاع غزة. ومع مرور الوقت وتطور الوضع، سيجري إنهاء وجودها في الضفة الغربية عبر نقل مركزها إلى قطاع غزة، أو عبر استبدالها بالكامل بسلطة أخرى في قطاع غزة. وقد تكون نتيجة هذا المسار تحقيق حل الدولتين عبر إقامة دولة فلسطينية في قطاع غزة، قد تتمتع ببعض مظاهر السيادة. وسيكون ثمن ذلك إبقاء وضع القدس والضفة الغربية معلّقًا ومنفصلًا عن وضع قطاع غزة، مع إبقاء الأمل متقدًا، انسجامًا مع سياسة الخطوة خطوة، في أن يُتعامل مع مصير تلك المنطقة في المستقبل. وبالطبع، ستتواصل عمليات ضم الأراضي والتهويد والاستيطان إلى أن تنتهي إسرائيل بابتلاع الضفة الغربية بأكملها، بما فيها القدس.
## 3- سيناريو عودة السلطة إلى قطاع غزة
يتطلب هذا السيناريو موافقة إسرائيل على تمكين السلطة الوطنية الفلسطينية من إعادة تنظيم نفسها في قطاع غزة، بما في ذلك السيطرة الأمنية على القطاع، وهو ما قد يتطلب تجنيد عناصر محلية، أو جلب قوات من الضفة الغربية أو من مخيمات اللاجئين في الشتات، أو احتواء الأجهزة الأمنية القائمة في قطاع غزة وفق أسس وعقيدة أمنية جديدتين. وتفضّل السلطة الفلسطينية هذا السيناريو، إذ كانت قد هيأت نفسها له بالفعل بعد استقالة رئيس الوزراء محمد اشتية وتكليف الرئيس عباس محمد مصطفى بتشكيل حكومة جديدة، يغلب عليها الخبراء والتكنوقراط، استجابة للدعوات المتكررة من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لإصلاح السلطة الفلسطينية. ويتطلب هذا السيناريو من الفلسطينيين بناء مصالحة فلسطينية حقيقية، وتشكيل حكومة تكنوقراط وطنية تُكلَّف بإعادة إعمار قطاع غزة تحت إشراف دولي، وكبح السياسات الإسرائيلية العدوانية، وإجراء انتخابات فلسطينية، وإدخال إصلاحات سياسية في بنية النظام السياسي لمنع تصاعد الصراع وتوحيد القرار الفلسطيني في السلم والحرب، تمهيدًا لمسار سياسي في المستقبل.
وكانت الحكومة الإسرائيلية قد أعلنت في وقت سابق أنها لن تسمح بقيام دولة فتحاستان في قطاع غزة، لأن هذا السيناريو سيجبر إسرائيل على خوض عملية سياسية شاملة ستؤدي في نهاية المطاف إلى قيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة. غير أن تغيرًا في الموقف الإسرائيلي تجاه السلطة الفلسطينية بات واضحًا من خلال اجتماعات سرية عُقدت بين شخصيات أمنية فلسطينية نافذة وإسرائيل. وفي ظل هذه التغيرات في المواقف الإسرائيلية، يجدر النظر في الثمن الذي ستطلبه إسرائيل من السلطة الفلسطينية مقابل السماح لها بإدارة قطاع غزة بعد الحرب، وذلك في سياق استكمال مهمة إسرائيل في القضاء على جيوب المقاومة ومنع تسليحها.
لكن إذا كان هذا السيناريو هو الأكثر احتمالًا للحدوث، فإن بقاء حماس جزءًا فاعلًا من النظام السياسي الفلسطيني يعتمد على ثلاثة عوامل. العامل الأول هو قبول حماس بالاندماج الكامل في بنية النظام السياسي، والتخلي عن الاعتماد على محور المقاومة، والالتزام باتفاقات منظمة التحرير الفلسطينية، من دون اشتراط أن تعترف صراحة بدولة إسرائيل. أما الثاني فهو مدى حماسة المجتمع الدولي لقبول وجود حماس في النظام السياسي الفلسطيني في اليوم التالي للحرب. والعامل الثالث هو قبول فتح لحماس داخل النظام السياسي بعد هزيمتها وتراجع قوتها، إذ لا شك في أن فتح تنظر إلى حماس بوصفها منافسًا سياسيًا قدّم نفسه مرارًا بوصفه بديلًا.
## 4- سيناريو عودة الإدارة المدنية الإسرائيلية إلى قطاع غزة
يفترض هذا السيناريو أن يبقى الجيش الإسرائيلي موجودًا - بصورة دائمة أو مؤقتة - في قطاع غزة في اليوم التالي للحرب. ويُفرض هذا السيناريو في أجزاء محددة من قطاع غزة، مثل المنطقة الشمالية، ومدينة غزة، وحتى وسط القطاع، من دون تطبيقه في المنطقة الجنوبية من القطاع، التي تشمل محافظات دير البلح وخان يونس ورفح. وإذا كان الأمر كذلك، فسيتطلب ذلك إعادة إنشاء الإدارة المدنية بالصيغة نفسها التي كانت قوات الاحتلال تُدير بها قطاع غزة قبل الانسحاب منه عام 1994 بموجب اتفاق أوسلو. وفي ظل هذا السيناريو، ستوفر قوات الاحتلال الخدمات لسكان قطاع غزة، وسيتولى الجيش والشاباك إدارة الأمن في قطاع غزة. كما سيدفع هذا السيناريو الجيش الإسرائيلي إلى تعزيز الإجراءات التي سبق أن وضعها، مثل ما يُعرف بالطريق اللوجستي الواصل بين إسرائيل ومدينة غزة، والذي أصبح أشبه بحدود المنطقة العازلة بين شمال غزة وجنوبها. وهذا الطريق مجهز بنقطتين عسكريتين على شاطئ غزة وبالقرب من شارع صلاح الدين، وكلتا النقطتين مجهزتان بغرف مكيفة وأماكن مبيت للجنود مماثلة لتلك الموجودة في الضفة الغربية. إضافة إلى ذلك، فإن إنشاء الميناء في منطقة جنوب مدينة غزة يشير إلى أن الإجراءات المتخذة ليست قصيرة الأمد، بل قد تظل سارية على المدى الطويل.
يتطلب هذا السيناريو القضاء الكامل على سلطة حماس في قطاع غزة، ولا سيما في مدينة غزة وشمال غزة. وعلى أي حال، تمتلك إسرائيل خبرة كبيرة في الإدارة المدنية لمناطق السلطة الوطنية الفلسطينية، ولذلك فإنها لن تبدأ من الصفر، ولا سيما مع ميلها في السنوات الأخيرة إلى نشر تطبيقات هاتفية تخاطب المواطنين الفلسطينيين مباشرة وتُيسّر التواصل معهم، مثل "تطبيق المنسق". غير أن كلفة هذا الخيار مرتفعة جدًا على إسرائيل، بشريًا وماليًا، ولا سيما في ظل تدهور الأوضاع المعيشية للمواطنين في قطاع غزة بعد الحرب، وكلفة إعادة الإعمار، وتحمّلها المسؤولية الكاملة عن تقديم الخدمات للمواطنين بوصفها قوة احتلال، وحاجتها إلى إدارة المقاومة الشعبية والرفض الفلسطيني والإقليمي للاحتلال. ومن شأن هذا الخيار أن يجعل إسرائيل قوة احتلال لجميع الأراضي الفلسطينية، بما يعني العودة إلى ما قبل أوسلو، وأنه سيعني نهاية حل الدولتين. وقد رفضت الولايات المتحدة وأوروبا هذا السيناريو، وطالبتا بوضوح بألا تبقى إسرائيل في قطاع غزة وأن تعود إليه السلطة الوطنية الفلسطينية. وفي منتصف فبراير/شباط 2024، أعلن بلينكن رفض الولايات المتحدة لأي "احتلال جديد" لغزة بعد انتهاء الحرب، ردًا على إعلان نتنياهو خطة لمرحلة ما بعد انتهاء الحرب الجارية في القطاع.
## 5- استعادة الروابط القروية مع الحكم العسكري الإسرائيلي
يقوم هذا السيناريو على تشكيل مجموعة من الإدارات المحلية الفلسطينية المكوّنة من شخصيات عائلية وعشائرية ومجتمعية لإدارة شؤون حياة المواطنين الفلسطينيين في مناطق نفوذها والتعاون مع المجتمع الدولي في إعادة إعمار قطاع غزة، بينما تبقى مسألة الأمن في يد الجيش الإسرائيلي. وسيكون ذلك مشابهًا للتشكيلات الإدارية التي أنشأتها إسرائيل عام 1978 لإدارة المناطق الفلسطينية في الضفة الغربية وخلق قيادة بديلة لمنظمة التحرير الفلسطينية تحظى بقبول محلي. ويُشار هنا إلى أنه منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2023، بدأت قوات الاحتلال بالتواصل مع شخصيات عشائرية لاستكشاف آفاق إدارة قطاع غزة عبر متعاونين محليين يعملون في هذه المرحلة على إدارة ملف المساعدات الإنسانية. غير أن قوات الاحتلال لم تحقق أي اختراق في هذا الصدد حتى وقت كتابة هذه الورقة، في ظل رفض عام للتعاون مع الاحتلال. وقد أعلنت جمعية مخاتير غزة رفضها التعاون مع حكومة الحرب الإسرائيلية لإدارة شؤون قطاع غزة. كما أعلنت عشائر وعائلات غزة رفضها للمقترح الإسرائيلي عبر بيان رسمي بعنوان: "نرفض أن نكون بديلًا عن أي نظام سياسي". ورفضت حماس أيضًا هذا السيناريو، ووصفت محاولة إسرائيل التواصل مع مخاتير غزة وعشائرها بأنها "خيانة لن نسمح بها". ويصعب تحقق هذا السيناريو لسببين؛ الأول أن إسرائيل لن تجد في قطاع غزة شخصيات عائلية أو محلية مقبولة وذات نفوذ واحترام عشائري تقبل القيام بهذا الدور، لأنه يُعد خيانة وطنية، فضلًا عن رفض السلطة الفلسطينية والدول العربية في المنطقة له، ناهيك عن أنه سيؤجج المقاومة الشعبية ضده في قطاع غزة. وقد ثبت فشل هذا السيناريو في الماضي عندما حاولت إسرائيل تشكيل روابط القرى في الضفة الغربية كبديل عن القيادة الفلسطينية.
## 6- الإدارة المصرية لقطاع غزة
يمثل قطاع غزة عمقًا استراتيجيًا لمصر، التي أدارت قطاع غزة من عام 1948 حتى حزيران/يونيو 1967، حين احتلت إسرائيل قطاع غزة وشبه جزيرة سيناء. وقد تضطر مصر إلى لعب هذا الدور لملء أي فراغ قد ينشأ نتيجة الهزيمة العسكرية لحركة حماس والخشية من أن تملأ هذا الفراغ قوى إرهابية متطرفة، إذ تمتلك مصر خبرة مريرة في الحرب ضد الإرهاب في سيناء، التي ترتبط حدودها بجنوب قطاع غزة. وليس من الضروري أن تدير مصر قطاع غزة مباشرة، بل قد تفعل ذلك من خلال توسيع نفوذ جهاز المخابرات المصري في قطاع غزة، كما تفعل حاليًا في شرق ليبيا الذي يسيطر عليه الجنرال خليفة حفتر من دون إدارة مصرية فعلية. وهذا يعني أن مصر قد تنظر إلى الحدود التي تحاول إسرائيل فرضها في شمال قطاع غزة عبر ما يُعرف بالطريق 749 باعتبارها حدود مجال أمنها القومي، على غرار خط سرت-الجفرة، الذي أقامته مصر عام 2020 وأعلنت أنه منطقة نفوذها وخط أحمر لأمنها القومي.
وعلى الرغم من أن هذا الخيار غير جذاب من وجهة النظر المصرية في الوقت الراهن، فإن عوامل مهمة قد تدفعها إلى النظر في هذا السيناريو بشكل أو بآخر. وهذه العوامل هي: (1) الأمن القومي المصري، (2) الرغبة في الاستفادة من حقول الغاز في قطاع غزة، حيث وقّعت مصر، ممثلة بالشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية (إيغاس)، اتفاقًا سابقًا مع السلطة الوطنية الفلسطينية لتطوير حقل غزة مارين للغاز، و(3) رغبة مصر في إدارة عملية إعادة الإعمار والاستفادة من عقود عمليات إعادة تأهيل البنية التحتية واسعة النطاق المتوقع إطلاقها بعد الحرب على غزة. وعلى الجانب الفلسطيني تحديدًا، قد تنظر حركة حماس إلى إدارة مصر لقطاع غزة بوصفها وسيلة للحفاظ على نفسها من الاختفاء الكامل نتيجة احتلال قطاع غزة. غير أن هذا السيناريو لن يلقى ترحيبًا من السلطة الفلسطينية، التي تعتبر قطاع غزة جزءًا أساسيًا من أراضي الدولة الفلسطينية، بما يمنحها الحق الحصري في حكم القطاع.
## منظور بشأن ما يتطلع إليه الغزيون في اليوم التالي للحرب
عند استعراض السيناريوهات المختلفة لوضع قطاع غزة في اليوم التالي لانتهاء الحرب، من المهم أخذ ما يتطلع إليه الغزيون أنفسهم ويتوقعونه بعين الاعتبار، باعتبارهم أصحاب المصلحة الأوائل والأهم في هذا السياق. فبعد انتهاء الحرب، يتطلع المدنيون في قطاع غزة إلى مستقبل من السلام والازدهار. لقد ألقت الحروب والتصعيدات خلال السنوات السبع عشرة الماضية بظلال دموية على الحياة اليومية للسكان، ويتمسك أهل غزة برغبتهم في إنهاء دوامة العنف وبناء مستقبل مشرق للأجيال القادمة. ويطالب السكان الفلسطينيون في قطاع غزة بإنهاء الحرب وبقيادة فلسطينية قادرة على جلب السلام والاستقرار للمدنيين، وتعزيز إعادة الإعمار، وتنفيذ مشاريع تنموية تعيد تأهيل النظام الصحي، والأمن الغذائي، وفرص العمل، وحرية السفر، وهي مطالب يرفعونها منذ فرض الحصار على قطاع غزة في حزيران/يونيو 2007.
إن الأزمات الإنسانية في قطاع غزة تهدد حياة مئات المدنيين، إضافة إلى ويلات الحرب التي دمرت الحياة الاقتصادية ومستقبل آلاف الشباب. ويتطلع سكان قطاع غزة إلى استعادة الديمقراطية التي حُرموا منها منذ عام 2007 من خلال إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية وانتخابات مجالس الجامعات. وفي الذكرى العاشرة للانقسام عام 2017، نشر مركز بال ثينك رسالة مفتوحة وقّعتها 52 منظمة غير حكومية تدعو الحكومة الفلسطينية إلى إجراء انتخابات الهيئات المحلية في قطاع غزة.
ومن شأن ذلك أن يقود إلى مرحلة من الاستقرار والتنمية في ظل نظام سياسي فلسطيني موحد وشاب، يعمل بكل الوسائل المتاحة لتحقيق الأهداف السياسية والتنموية وبناء مستقبل أفضل للجميع. وقد أكدت ذلك الورقة البحثية التي نشرتها مفتاح عام 2021، والتي تضمنت ما يلي: تؤكد مؤسسات المجتمع المدني موقفها بضرورة إجراء الانتخابات المحلية وفقًا لمتطلبات القانون، وترى أنه لا يزال هناك وقت أمام الحكومة والقوى والفصائل السياسية لوقف المرحلة الأولى وعدم تجزئة الانتخابات وإجرائها في يوم واحد وفي جميع المحافظات.
كما يتطلع الغزيون إلى بدء عملية إعادة بناء ما دمرته الحروب المتعددة، التي تسببت في تدهور كبير في جميع المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية. ويدرك مواطنو قطاع غزة أن سنوات الحصار والحروب المتعددة لم تحقق أي هدف سياسي للشعب الفلسطيني، بل كانت عبئًا هائلًا عليه وعائقًا أمام تجسيد المشروع الوطني الفلسطيني. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الاستعدادات للانتخابات التشريعية التي كان من المقرر إجراؤها في أيار/مايو 2021 شهدت تقديم 36 قائمة انتخابية للمشاركة في الانتخابات، شُكّل 26 منها من شباب غير معروفين وليسوا من المنظومة السياسية الفلسطينية التقليدية. ويشكّل سكان قطاع غزة جزءًا من الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية والقدس، ومنذ الانقسام وتعليق المسار الديمقراطي الناشئ، لم يتوقفوا عن المطالبة بإنهاء هذا الانقسام وإجراء الانتخابات.
ويعتقد مواطنو قطاع غزة أن أفضل سيناريو لهم، بل السيناريو الوحيد، هو أن يكونوا تحت قيادة وطنية فلسطينية منتخبة تمثلهم وتعمل على تحقيق أهدافهم وتطلعاتهم.
قد يكون من السهل بدء الحرب، لكن ليس من السهل إنهاؤها، والأكثر صعوبة هو تقرير ما بعد الحرب. وينطبق ذلك على حرب إسرائيل المستمرة منذ سبعة أشهر على قطاع غزة. في بداية الحرب، كانت الأهداف واضحة كما أعلنها مجلس الحرب الإسرائيلي، لكن مع مرور الوقت تبدو هذه الأهداف أقل وضوحًا وغير متحققة. لم تُهزم حماس بالكامل، ولم يُفرج عن الرهائن، ولم يُهجَر سكان غزة. إن الغموض الذي يكتنف كيفية إنهاء الحرب وتقرير اليوم التالي ينبع من حقيقة أن معظم المقترحات ليست سوى «تفكير بالتمني» ومنفصلة عن الواقع. لقد كان هجوم السابع من أكتوبر بالفعل حدثًا مفصليًا يمكن القول إنه يؤشر إلى حقبة تاريخية جديدة في حياة الشعب الفلسطيني، وهي حقبة يُشار إليها حاليًا بـ«اليوم التالي للحرب على غزة». وقد أصبح هذا المصطلح مرادفًا لمستقبل غزة المجهول، ليس فقط من المنظور الفلسطيني، بل أيضًا من المنظورين الإسرائيلي والإقليمي، إذ تباينت المواقف داخل الحكومة الإسرائيلية، وكذلك داخل مجلس الحرب، بشأن مستقبل غزة. وهذا يعني أن مناقشة قضية اليوم التالي للحرب على غزة قد تقودنا إلى التفكير في مستقبل الحكومة الإسرائيلية الحالية، التي قد يمثّل سقوطها المحتمل سقوط قوى اليمين الإسرائيلي المتطرف وسقوط المقترحات الإسرائيلية الرامية إلى تهجير سكان قطاع غزة. وقد يمثّل أيضًا سقوط مقترحات التطبيع بين بعض الدول العربية وإسرائيل من دون حل القضية الفلسطينية. ويمكن القول بثقة إن الحرب على غزة لم تدمّر قطاع غزة فحسب، بل بدّدت أيضًا أفكارًا سياسية ومقترحات متطرفة كان بعضهم في إسرائيل والمنطقة يظنون أنها قابلة للتحقيق.
لذلك، يجب الذهاب إلى السيناريو الأكثر واقعية، وهو السيناريو الأكثر اتساقًا مع مبادئ القانون الدولي والشرعية الدولية. وهو سيناريو يقوم على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وتمكين الفلسطينيين من استعادة وحدتهم وتقرير شكل النظام السياسي الذي يريدونه والطريقة الكفيلة بتحقيقه بحرية ومن دون تدخل خارجي. ويجب أن تتيح الحرب على قطاع غزة، بما خلّفته من قتل ودمار، فرصة تاريخية لبدء مسار جديد نحو تسوية مفصلية تنهي الصراع الممتد منذ قرن وتحقق الاستقرار والسلام في الشرق الأوسط.
المجال: Gaza Reconstruction — War · Gaza Governance · Palestine — النص © Arab Reform Initiative — محفوظ هنا مع الإسناد إلى المصدر. — المصدر الأصلي