ععمر شعبان إسماعيلاقتصاد سياسي · فلسطين

تغطية إعلامية

ثلاثة سيناريوهات قد تُشكّل المستقبل الغامض لقطاع غزة

مؤسسة بال ثينك للدراسات الاستراتيجية · 2018-07

تبحث المقالة في تطورين رئيسيين شكّلا واقع غزة ومستقبلها: الهجوم على موكب رئيس الوزراء الفلسطيني رامي الحمد الله، ومسيرات العودة الكبرى وما تبعها من عنف. وترى أن الانقسام بين فتح وحماس، إلى جانب سياسات السلطة الفلسطينية وإسرائيل والتحركات الإقليمية والدولية، يفاقم الأزمة الإنسانية ويفتح الباب أمام عدة سيناريوهات، من بينها تعايش محدود عبر المصالحة أو استمرار الانقسام مع ما يحمله من مخاطر سياسية وأمنية.

تبحث المقالة في تطورين رئيسيين شكّلا واقع غزة ومستقبلها: الهجوم على موكب رئيس الوزراء الفلسطيني رامي الحمد الله، ومسيرات العودة الكبرى وما تبعها من عنف. وترى أن الانقسام بين فتح وحماس، إلى جانب سياسات السلطة الفلسطينية وإسرائيل والتحركات الإقليمية والدولية، يفاقم الأزمة الإنسانية ويفتح الباب أمام ع…

@بقلم عمر شعبان ومانويل لانغندورف

في الوقت الذي يولي فيه العالم مزيدًا من الاهتمام لغزة، فإن الانقسام الفلسطيني الداخلي يفاقم الأزمة الإنسانية في القطاع.

هناك تطوران رئيسيان حدثا مؤخرًا في قطاع غزة يشكلان الوضع الراهن ومستقبل الجيب الساحلي. تمثل التطور الأول في الهجوم على موكب رئيس الوزراء الفلسطيني رامي الحمد الله في 13 مارس/آذار 2018. أما الثاني فهو مسيرة العودة الكبرى، التي بدأت في 30 مارس/آذار، وأعمال العنف التي أعقبت الاحتجاجات. وقد أدى الأول إلى تعليق المصالحة بين الفصيلين الفلسطينيين الرئيسيين، حماس وفتح، في حين عطل الثاني حالة الهدوء الهشة التي كانت قائمة بين حماس وإسرائيل.

نجحت الاحتجاجات الجماهيرية التي جرت لعدة أسابيع على حدود غزة مع إسرائيل في لفت انتباه وسائل الإعلام الدولية إلى الأزمات الإنسانية في الجيب الساحلي. وقد ذكّرت العالم، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، وإسرائيل، والدول العربية على وجه الخصوص، بأن الوضع في غزة ليس مستقرًا رغم أنه كان يُنظر إليه لفترة طويلة على هذا النحو.

وفي الوقت نفسه، دمر الهجوم على رئيس الوزراء الفلسطيني ما تبقى من ثقة بين حماس وفتح، بل وعمّق الانقسام إلى مستوى يكاد يكون غير قابل للعكس. وبينما يولي العالم مزيدًا من الاهتمام لغزة، فإن الانقسام الفلسطيني الداخلي يفاقم الأزمة الإنسانية لسكان غزة.

تسعى السلطة الفلسطينية إلى بسط سيطرتها على قطاع غزة، بعدما أدركت أن سياستها السابقة المتمثلة في إهمال حماس لم تؤدِّ إلا إلى تمكين خصوم السلطة الفلسطينية. وقد أتاحت قرارات خصم رواتب موظفي السلطة الفلسطينية في غزة وتقليص إمدادات الكهرباء فرصةً لكل من مصر والإمارات العربية المتحدة للمناورة.

كما مكّن ذلك الخصم الرئيسي للسلطة الفلسطينية، محمد دحلان (الرئيس السابق لجهاز الأمن التابع للسلطة الفلسطينية في غزة)، من العودة إلى الطاولة والعمل من أجل رفع الحصار عن قطاع غزة، والتحرك نيابة عن القضية الفلسطينية إقليميًا ودوليًا. وتخشى السلطة الفلسطينية من تدخل حماس إلى جانب دحلان لتشكيل بنية قيادية بديلة تحل محل منظمة التحرير الفلسطينية. وهناك أيضًا مخاوف من أن تتحرك حماس بشكل مستقل نحو ترتيب سياسي لقطاع غزة من دون السلطة الفلسطينية، مستخدمةً الأزمة الإنسانية الخانقة في غزة مبررًا لذلك بعد الرفض المرجح من السلطة الفلسطينية لصفقة السلام التي تعمل عليها واشنطن — «صفقة القرن» — والتي تعمل عليها إدارة ترامب منذ أشهر.

لقد أوضحت الإجراءات السابقة أن السلطة الفلسطينية أقامت رابطًا بين آليات التخفيف من الوضعين الاقتصادي والإنساني وتعزيز مكانتها في قطاع غزة — وهو أولويتها الأولى. ويشمل ذلك الحضور الكامل لمؤسساتها وأجهزتها الأمنية في غزة. وفي إطار ذلك، قررت السلطة الفلسطينية فرض إجراءات عقابية تهدف مباشرة إلى دفع الوضع الاقتصادي إلى حافة الانهيار. وتهدف خطوة خفض أجور الموظفين المدنيين في غزة منذ مارس/آذار 2018 إلى إشعال انتفاضة ضد حكومة حماس في غزة، وهو ما قد يؤدي إلى تصعيد عسكري بين إسرائيل وحماس.

تسعى حماس إلى التخلص من مسؤوليتها عن الأزمة الاقتصادية في قطاع غزة، وكذلك من المسؤولية الأخلاقية عن المشكلات التي يواجهها سكان غزة حاليًا. وقد وافقت الحركة على تسليم قطاع غزة إلى حكومة الوحدة الفلسطينية مقابل رفع العقوبات للتخفيف من آثار الحصار الإسرائيلي. وبهذه الطريقة يمكن لحماس أن تزيد من فرصها في الانتخابات المقبلة.

وقد استخدمت حماس احتجاجات مسيرة العودة الكبرى — التي شارك فيها أعضاء من حماس — للضغط أكثر على الجانب الإسرائيلي. وقد نظرت إلى هذه الاحتجاجات بوصفها وسيلة لتعزيز فرص بقائها، وفرصة لجذب مزيد من الاهتمام إلى الوضع في غزة.

لا تزال إسرائيل ترى مستقبل قطاع غزة مرتبطًا بشبه جزيرة سيناء. وقد طُرحت عدة مقترحات من مسؤولين إسرائيليين بضم غزة إلى سيناء. كما تغيّر نهج إسرائيل تجاه حماس من النظر إليها بوصفها منظمة إرهابية يجب تفكيكها بعنف إلى النظر إليها بوصفها كيانًا معاديًا يجب ردعه من أجل الحفاظ على الوضع القائم. كما ترى الحكومة الإسرائيلية في حماس أداة مفيدة لتغذية الانقسام الفلسطيني من دون الوصول إلى حد الانهيار الكامل للنظام في قطاع غزة. وإضافة إلى ذلك، تبدو إسرائيل راضية عن استراتيجية احتواء غزة من الخارج.

ويبقى الحفاظ على الوضع القائم خيارًا قابلًا للاستمرار بالنسبة لإسرائيل، لأن الضغط سيدفع الأطراف إلى البحث عن حلول للوضع الإنساني الكارثي. غير أن ذلك قد ينتهي إلى حلول سياسية ستؤدي إلى عزل قطاع غزة وفصله عن مشروع الدولة الفلسطينية وعن الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، إذا لم تكن هناك معارضة للخطة من جانب الدول العربية والفاعلين الدوليين.

في الوضع الحالي، تتبع إسرائيل استراتيجية تهدف إلى الإضرار بالقدرات العسكرية لحماس في غزة، وتحريض سكان غزة، وتقليص قدرة الحركة على ترسيخ موطئ قدم إقليمي قد يحسن قدرتها العسكرية.

يحتل قطاع غزة موقعًا محوريًا في خطة السلام الأميركية التي لم يقدمها بعد جيسون غرينبلات، مبعوث الرئيس دونالد ترامب للسلام في الشرق الأوسط، وفريقه. وهناك تقارير تفيد بأن غرينبلات سيعتبر غزة قضية إنسانية ينبغي استبعادها من أي عملية سياسية.

من المقرر أن تقترح الخطة حلاً انتقالياً، بما يعني إقامة دولة فلسطينية على نصف مساحة الضفة الغربية، وقطاع غزة بأكمله، وبعض أحياء وقرى القدس، مع بقاء البلدة القديمة والمناطق المحيطة بها ضمن ما يسمى بالقدس الشرقية. وعلاوة على ذلك، تتوقع الخطة إنشاء «مدينة جديدة للفلسطينيين»، وممر فلسطيني إلى المسجد الأقصى، وتقديم حل إنساني للاجئين الفلسطينيين، مع حل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا) خلال فترة زمنية محددة. وبناءً عليه، ستبقى الحدود والمستوطنات والأمن تحت السيطرة الإسرائيلية، لكن سيتم التفاوض بشأنها بعد إقامة دولة فلسطينية تعترف بها الولايات المتحدة وإسرائيل والمجتمع الدولي.

واستناداً إلى ذلك، هناك عدة سيناريوهات لمستقبل قطاع غزة.

وعلى الرغم من التوترات المستمرة، لا يمكن استبعاد سيناريو تتعايش فيه السلطة الفلسطينية وحركة حماس بشكل كامل. إذ يمكن تحقيق المصالحة، لأن حماس لا تملك خيارات أخرى. ويعود ذلك أساساً إلى أن قطاع غزة يعاني أوضاعاً إنسانية لا تطاق نتيجة العقوبات التي تفرضها السلطة الفلسطينية والحصار الإسرائيلي. وقد تفضل حكومة حماس المضي في تنفيذ عملية المصالحة حتى تحظى بدعم السكان وتتجنب أن يُنظر إليها على أنها ترفض أو تعرقل المصالحة التي قد تجلب انفراجاً إنسانياً. ولا تبذل حماس سوى جهود محدودة لدفع العملية إلى الأمام، لكنها كافية لتحقيق تقدم في بعض المجالات، مثل التعليم والزراعة والصحة.

أما السلطة الفلسطينية، فهي قلقة من سيناريو يتم فيه فصل قطاع غزة عن القضية الفلسطينية أو يصبح فيه جزءاً من سيناريو تتحالف فيه حماس مع دحلان.

وتشترك كل من السلطة الفلسطينية وحماس في مصلحة حقيقية تتمثل في توجيه الاهتمام العالمي نحو القضية الفلسطينية، ودفع الإجراءات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين إلى صدارة الأجندة الإقليمية والدولية. وتهدف القرارات الأميركية الأخيرة إلى تقويض القضية والضغط على الفلسطينيين لقبول حلول تصب في مصلحة الرؤية الإسرائيلية. وعلى الرغم من خلافاتهما، تتوحد السلطة الفلسطينية وحماس في رفض هذه القرارات. ويُعدّ توحيد الجانبين على مستوى البرامج والاستراتيجية والمؤسسات شرطاً مسبقاً لتجاوز الأزمة والتصدي بفاعلية للاحتلال الإسرائيلي.

وبالنظر إلى دور حماس، فإن واشنطن لم تعارض في السابق الدور السياسي لجماعة الإخوان المسلمين في المنطقة، كما بدا خلال فترة حكم الجماعة في مصر. غير أن الأطراف الإقليمية والدولية قد تكون اليوم أقل انشغالاً بالانتماء السياسي لحماس، وأكثر اهتماماً بالكارثة البيئية والإنسانية الوشيكة في قطاع غزة وتداعياتها الأمنية.

وعلى الرغم من وجود مؤشرات إلى أن أطرافاً إقليمية ودولية قد تقبل بالدور السياسي لحركة حماس، فإن ذلك لن يحدث ما لم تقبل حماس «صفقة القرن». وفي هذا الصدد، عبّر رئيس المكتب السياسي لحماس إسماعيل هنية بوضوح عن معارضته، قائلاً: «سنسقط ما يسمى بصفقة القرن إلى الأبد».

ومع ذلك، فإن هذا لا يعني أن العوامل المؤدية إلى الصدام قد لا تتغلب في مرحلة ما على دوافع الوحدة والتعايش. فحماس ستواصل بناء قوتها العسكرية بوسائل مختلفة. والسلطة الفلسطينية، بحكم تعريفها ووضعها، ملتزمة ببذل كل جهد لمنع ذلك، ما يزيد من احتمالات المزيد من المواجهة بين الجانبين.

وهذا يعني أن الاتفاقات الأخيرة التي تشكل جزءاً من عملية المصالحة، والتي أُبرمت بعد ضغوط من مصر، قد تُنفذ ببطء. غير أن عدة قضايا خلافية لا تزال دون حل، وفي مقدمتها الجناح المسلح لحماس. وسيؤدي ذلك إلى أن تعمل السلطة الفلسطينية على تحسين الأوضاع في غزة، وتأجيل عملية إجراء الانتخابات العامة، وإدماج حماس في مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية. وبهذه الطريقة، سيتشكل توازن جديد في قطاع غزة، يكون فيه للطرفين حضور عسكري، على غرار التوازن الذي نشأ في لبنان بعد الحرب الأهلية.

وعلى الرغم من أن الحكومة الفلسطينية ستواصل رفض الجناح العسكري لحماس ومحاولة تقييد أنشطته، فإنها ستكون حرة في إجراء المفاوضات مع إسرائيل. ووفقاً لاتفاق المصالحة، ينبغي أيضاً أن تتحمل حكومة الوحدة المسؤولية الكاملة عن جباية الضرائب، وكذلك إدارة المعابر الحدودية والأراضي.

ويمكن لعدة عوامل أن تسهم في تجاوز الانقسام الوطني بين حماس وفتح، لكن الخلافات بين الطرفين عميقة، وانعدام الثقة المستمر بينهما أسقط اتفاقات مصالحة مماثلة سابقة. وتواصل إسرائيل محاولة التأثير في النتيجة، فيما تظل القضية الفلسطينية مرتبطة بالصراعات الإقليمية. ولذلك، يبقى فشل اتفاق المصالحة أمراً مرجحاً بسبب عقبات داخلية، مثل إصرار قيادة السلطة الفلسطينية على تنفيذ مقاربة «سلطة واحدة، سلاح واحد»، في حين تصر حماس على الاحتفاظ بسلاحها وجناحها العسكري. وقد انسحبت حماس من اتفاقات مماثلة في السابق، وما زالت تسيطر على قطاع غزة. وهذا يعزز مخاوف فتح من أن تواصل حماس ممارسة سلطة غير رسمية وإدارة العلاقات الخارجية بمعزل عن السلطة الفلسطينية.

وثمة قضية رئيسية أخرى تتمثل في وضع أفراد الخدمة الإدارية المدنية والعسكرية في قطاع غزة، وتعقيد دمجهم في القطاع العام. وقد ثبت أن قضية رواتبهم صعبة بشكل خاص بسبب الأزمة الاقتصادية الراهنة للسلطة الفلسطينية. وعلاوة على ذلك، اعترض بعض قادة حماس على استمرار عملية المصالحة مع فتح من دون رؤية شاملة، ولا سيما فيما يتعلق بمنظمة التحرير الفلسطينية والقضايا المرتبطة بالاحتلال.

هناك أيضًا عقبات خارجية مثل العلاقات الوثيقة بين إيران وحماس، وتصريحات طهران بأنها ستستأنف تقديم المساعدات للحركة. وهذا يفتح الباب أمام إيران لتعزيز نفوذها ومنحها القدرة على عرقلة مسار المصالحة. وتسعى إيران إلى استعادة نفوذها على القوى الفلسطينية، ولا سيما في ضوء الجهود الإسرائيلية الأخيرة للترويج لمفهوم التطبيع العربي، خصوصًا مع السعودية. كما أن إعلان إدارة ترامب انسحابها من الاتفاق النووي الإيراني وتعهدها باتخاذ موقف أكثر تشددًا تجاه طهران قد زاد من التوترات في الشرق الأوسط ككل.

ولا تنكر حماس رغبتها في السعي إلى إقامة علاقات قوية مع إيران، إذ يسعى كبار قادة حماس، وعلى رأسهم إسماعيل هنية ومحمود الزهار، إلى بناء علاقات أكثر واقعية مع الأطراف الإقليمية، بما في ذلك إيران. وقد أشاد قائد حماس يحيى السنوار بقوة علاقة حماس بإيران وبالدعم الإيراني للجناح العسكري لحماس.

## ...إن استمرار الحصار من دون أي اختراق من المرجح أن يفجر غضبًا شعبيًا واسع النطاق ضد حماس بوصفها الحاكم الفعلي لقطاع غزة. وسوف تصرف حماس مثل هذا الانفجار في الغضب الشعبي إما باتجاه مواجهة مفروضة مع إسرائيل أو نحو إقامة كيان جديد يتجاوز السلطة الفلسطينية لتخفيف الضغط الشعبي.

في ضوء ذلك، من المتوقع أن تسعى إسرائيل إلى تعطيل الوضع الراهن. وقد يتجلى ذلك في المزيد من الضربات على غزة، واستئناف سياسة الاغتيالات والاعتقالات، أو حتى الدفع نحو حرب أخرى دامية، ما سيخلق حزمة جديدة من الأزمات لحماس والسلطة الفلسطينية في قطاع غزة.

وثمة خيار آخر يتمثل في أن إسرائيل ستهدف إلى تهيئة الظروف لظهور قيادة بديلة أو العمل على تثبيت الوضع القائم في غياب تسوية جديدة، إذ إن استمرار الوضع الراهن من منظور إسرائيل يمثل سيناريو مواتيًا. ونتيجة لاستمرار الانقسام، سيشعر قطاع غزة بأنه مُستبعَد من التأثير في القرارات الأساسية، في وقت تشهد فيه السلطة الفلسطينية سياسة إسرائيلية قائمة على الاستيطان والتهويد.

وقد تستفيد إسرائيل من بطء وتيرة مسار المصالحة وتفاقم الأوضاع المعيشية في غزة لتمهيد الطريق أمام واقع جديد ستُجبر حماس على قبوله، بما يؤدي إلى شكل جديد من اللجنة الإدارية يحل محل منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها السياسية. ويأتي ذلك على خلفية تعنت السلطة الفلسطينية، ورفض الرئيس عباس لـ"صفقة القرن"، والتوجه في بعض الأوساط داخل إسرائيل نحو ضم الضفة الغربية.

وتسعى إسرائيل إلى إيجاد حل مُرضٍ لقطاع غزة، على الأقل على الجانب الإنساني، والعمل على إعادة إعمار قطاع غزة، حتى من دون أن تتخلص حماس من أسلحتها. وتشكل إعادة إعمار قطاع غزة مثالًا جيدًا على تلاقي مصالح إسرائيل مع مصالح نظام حماس.

### المخاطر بالنسبة لإسرائيل

ويرجع جزء من ذلك إلى وجود كثير من المخاطر الاستراتيجية بالنسبة لإسرائيل التي قد تنجم عن تدهور الوضع الاقتصادي في قطاع غزة، الذي من المتوقع أن يبلغ ذروته في عام 2020. وقد يؤدي مثل هذا السيناريو إلى مواجهة عسكرية أخرى مع حماس، يُرجح أن يُقتل فيها كثير من المدنيين وأن يُلحق مزيد من الضرر بالبنية التحتية في غزة. وكما كان الحال في الماضي، فمن المرجح أن يدفع ذلك قطاعات واسعة من المجتمع الدولي وكثيرًا من المنظمات الدولية إلى توجيه انتقادات حادة لإسرائيل، وهو ما قد يقوض في نهاية المطاف مكانتها الدولية والإقليمية.

ويشكل نزاع مسلح جديد في قطاع غزة خطرًا آخر على إسرائيل. فمن شأن الاشتباكات العنيفة أن تؤثر في مسار العلاقات بين إسرائيل والدول العربية، وهو مجال شهد تقدمًا في الآونة الأخيرة. لكن إذا تضرر المدنيون في قطاع غزة، فسيؤدي ذلك إلى إثارة غضب واسع في أنحاء العالم العربي، وبالتالي تقليص فرص التعاون بين إسرائيل والحكومات العربية.

ويبقى أمام إسرائيل بديل ثالث، وهو العمل على استراتيجية مختلفة للتأثير في حماس وإضعافها. وتهدف إسرائيل إلى شن عمليات عسكرية لحرمان حماس من "كنزها"، ولا سيما الأنفاق ومصانع إنتاج الصواريخ، فضلًا عن المنشآت العسكرية الأخرى. كما تشن الحكومة الإسرائيلية حملة لتحريض سكان غزة على التمرد ضد حماس، من خلال محاولة إقناعهم بأن سعي الحركة إلى تعزيز جناحها العسكري هو السبب الرئيسي لتدهور وضعهم الاقتصادي، وأن تحسين الأوضاع المعيشية مرتبط بـ"نزع السلاح مقابل إعادة الإعمار".

ولا يمكن تحليل أي من هذه العناصر — الفشل المحتمل لاتفاق المصالحة بسبب عوامل داخلية وخارجية مختلفة؛ والتغييرات المقترحة على تسوية سياسية إسرائيلية-فلسطينية مستقبلية في ضوء الرفض الفلسطيني لصفقة واشنطن؛ والديناميات المتغيرة للحرب والسلام مع إسرائيل؛ والأوضاع المعيشية السيئة باستمرار في قطاع غزة — بمعزل عن الآخر.

وبالنظر إلى المستقبل، إذا لم يمضِ مسار المصالحة قدمًا كما هو متوقع، فسوف يؤدي ذلك إلى تفاقم الوضع الإنساني في غزة. ولم تتخلَّ إسرائيل ولا الولايات المتحدة عن "صفقة القرن" (التي لم تُعلن تفاصيلها بعد)، كما أنهما لا تُجريان أي تغييرات باتجاه تنفيذ حل الدولتين.

ويبدو أن غياب الوضوح واستمرار الفجوة بين القول والفعل هو الخيار المفضل لدى فتح وحماس في الوضع الراهن. ولا توجد خطط مصاغة للتعامل مع الحصار والوضع المتدهور، كما أن حماس لا ترغب في الشروع في جولة جديدة من المواجهة العسكرية بسبب الأوضاع المعيشية الصعبة أصلًا في قطاع غزة.

ومع ذلك، فإن استمرار الحصار من دون أي اختراق من المرجح أن يفجّر غضبًا شعبيًا واسع النطاق ضد حماس بوصفها الحاكم الفعلي لقطاع غزة. وستعمل حماس على توجيه مثل هذا الانفجار في الغضب الشعبي إما نحو مواجهة مفروضة مع إسرائيل أو نحو إنشاء كيان جديد يتجاوز السلطة الفلسطينية لتخفيف الضغط الشعبي. ومن الأمثلة المحتملة على ذلك «مجلس إنقاذ» غزة — وهي مبادرة تقودها حماس في معظمها بهدف التخفيف من أزمات غزة المتعددة.

وثمة خيار آخر يتمثل في أن تلجأ إسرائيل إلى مزيد من الضربات العسكرية ضد حماس لإضعافها. وسيكون لدى حماس حافز لمنع اندلاع حرب شاملة حتى لا تُضعف خيارها البديل، أي الدفع باتجاه حل الدولة الواحدة (في حال قررت فتح حلّ السلطة). أما إسرائيل، ففي المقابل، فقد تُحدث تغييرًا في شروط الواقع في قطاع غزة من خلال حرب تمهيدًا لتنفيذ الصفقة الأميركية بالقوة، في وقت تتمتع فيه بالدعم الأميركي والقبول العربي.

ومنذ تولي دونالد ترامب الرئاسة، ظهرت مؤشرات وتصريحات توحي بأن جزءًا من «صفقة القرن» يتمثل في الإعلان عن دولة فلسطينية مصغّرة في غزة.

وباستخدام لغة شديدة الحدّة في عدة خطابات خلال الأسابيع الماضية، رفض الرئيس محمود عباس أي صفقة تنتقص من حقوق الفلسطينيين. وعلى الرغم من الرفض الدولي للسياسة الخارجية الأميركية تجاه الفلسطينيين وتزايد الدعم للعدالة، فإن الفلسطينيين، على المستوى الاستراتيجي، يبدون شبه وحيدين في مواجهتهم مع واشنطن وتل أبيب. فالأطراف غير الإقليمية تدعمهم عن بُعد، متجنبةً بذلك الصدام المباشر مع إدارة ترامب والحكومة الإسرائيلية، فيما تقف الدول العربية إما منسجمة مع السياسة الأميركية أو عاجزة عن التأثير في الوضع.

وفي هذا السيناريو، ستلتزم الولايات المتحدة بخطتها للسلام وتهيّئ الظروف لتنفيذها رغم المعارضة الفلسطينية. وقد تلجأ واشنطن إلى عرقلة المصالحة الفلسطينية الداخلية ما دامت السلطة الفلسطينية وحماس ترفضان «صفقة القرن». وقد تلجأ أيضًا إلى استغلال الحصار وبطء تنفيذ أي اتفاق مصالحة للإبقاء على انفصال قطاع غزة عن السلطة الفلسطينية، مع تقديم حلٍّ توفيقي مثل دفع قطر إلى تقديم دعم مالي لحماس بما يتيح إنشاء هيئة مستقلة غير تابعة لحماس. ثم تُكلَّف هذه الهيئة بإدارة غزة مقابل تخفيف الأوضاع المعيشية.

غير أن كل هذه ليست سوى حلول مؤقتة لا بد أن يعقبها تهيئة المسرح لانهيار حكم حماس وقوتها العسكرية من خلال القيود المالية ومزيد من تقليص الدعم الأميركي للأونروا.

ومن المرجح أن تمهّد الولايات المتحدة الطريق لتنفيذ خطتها القائمة على حل إقليمي، متجاوزةً مصالح الفلسطينيين لصالح المصالح العربية والإسرائيلية. وقد يشمل ذلك مزيدًا من التهجير وضم الضفة الغربية إلى الأردن وغزة إلى مصر. وقد أشار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى ذلك في خطاب العام الماضي. والهدف من مثل هذه الخطة سيكون إنشاء سلطة حكم ذاتي يمكن أن تُسمّى اسميًا دولة، من دون أن تمتلك مقومات الدول العادية وصلاحياتها.

وسيكون هذا السيناريو ممكنًا إذا لم يتراجع الرئيس ترامب عن خطته وفرضها من دون موافقة القيادة الفلسطينية. وتعتمد مثل هذه الإجراءات على دعم عدد من الدول العربية لإضفاء الشرعية على الخطة. وستكون الدول العربية تخشى أن يقول الفلسطينيون لا للصفقة، لكن الولايات المتحدة ستكون مصممة على تنفيذها.

وهذا سيناريو يزعم تسوية القضية الفلسطينية، ولكن من دون تلبية الحقوق الفلسطينية. ولن يؤدي بالضرورة إلى حرب، لأن الحرب لن تقع إلا إذا كانت تخدم المصالح الأميركية والإسرائيلية. وإذا كانت نتيجتها مضمونة أو شبه مضمونة، فإن تمويلها ووقودها سيأتيان من العرب.

وفي سياق هذا السيناريو، قد تمضي المصالحة قدمًا إذ تصبح الحاجة إلى التوحد في مواجهة هذه المخاطر أكثر إلحاحًا بالنسبة إلى الفلسطينيين. غير أنه إذا لم تتحقق المصالحة بسرعة، فمن المرجح جدًا أن ينجرف الوضع نحو انهيار السلطة الفلسطينية وانفجار قطاع غزة. وسيكون لكلٍّ منهما عواقب وخيمة.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة السياسة التحريرية لـ«فير أوبزرفر».

حقوق الصورة: Val_Yankin/ Shutterstock.com

المصدر الأصلي

من كتاباته في الموضوع نفسه

المزيد من التغطية الإعلامية

كل التغطية الإعلامية