ععمر شعبان إسماعيلاقتصاد سياسي · فلسطين

منشور

ثلاثة سيناريوهات قد تشكّل مستقبل قطاع غزة المجهول

عمر شعبان إسماعيل · فير أوبزرفر · 2018

ثلاثة سيناريوهات محتملة لمستقبل غزة: التقارب مع السلطة الفلسطينية، تعزيز سيطرة حماس، أو انهيار تدريجي.

قطاع غزة، فلسطين، 2017 © Val_Yankin

بينما يولي العالم مزيدًا من الاهتمام لغزة، فإن الانقسام الفلسطيني الداخلي يزيد من تفاقم الأزمة الإنسانية في القطاع.

هناك تطوران رئيسيان حدثا مؤخرًا في قطاع غزة يشكّلان الوضع الراهن ومستقبل الجيب الساحلي. تمثل التطور الأول في الهجوم على موكب رئيس الوزراء الفلسطيني رامي الحمد الله في 13 مارس/آذار 2018. أما التطور الثاني فهو مسيرة العودة الكبرى، التي بدأت في 30 مارس/آذار، وأعمال العنف التي أعقبت الاحتجاجات. وقد وضع الأول المصالحة بين الفصيلين الفلسطينيين الرئيسيين، حماس وفتح، في حالة جمود، في حين عطّل الثاني الهدوء الهش الذي كان قائمًا بين حماس وإسرائيل.

لقد نجحت الاحتجاجات الجماهيرية التي جرت لعدة أسابيع عند حدود غزة مع إسرائيل في لفت انتباه وسائل الإعلام الدولية إلى الأزمات الإنسانية في الجيب الساحلي. وذكّرت العالم، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، وإسرائيل، والدول العربية على وجه الخصوص، بأن الوضع في غزة ليس مستقرًا رغم أنه كان يُنظر إليه منذ وقت طويل على هذا النحو.

وفي الوقت نفسه، دمّر الهجوم على رئيس الوزراء الفلسطيني ما تبقى من ثقة ضئيلة بين حماس وفتح، بل وعمّق الانقسام إلى مستوى يصعب الرجوع عنه. وبينما يولي العالم مزيدًا من الاهتمام لغزة، فإن الانقسام الفلسطيني الداخلي يزيد من تفاقم الأزمة الإنسانية لسكان غزة.

تسعى السلطة الفلسطينية إلى بسط سيطرتها على قطاع غزة، بعدما أدركت أن سياستها السابقة المتمثلة في إهمال حماس لم تؤد إلا إلى تعزيز خصوم السلطة الفلسطينية. وقد أتاحت قرارات اقتطاع رواتب موظفي السلطة الفلسطينية في غزة وتقليص إمدادات الكهرباء فرصة لمصر والإمارات العربية المتحدة للمناورة.

كما مكّن ذلك الخصم الرئيسي للسلطة الفلسطينية، محمد دحلان (الرئيس السابق لجهاز الأمن في غزة التابع للسلطة الفلسطينية)، من العودة إلى الواجهة والعمل نحو رفع الحصار عن قطاع غزة والتحرك نيابة عن القضية الفلسطينية إقليميًا ودوليًا. وتخشى السلطة الفلسطينية من تدخل حماس إلى جانب دحلان لتشكيل بنية قيادية بديلة تحل محل منظمة التحرير الفلسطينية. وهناك أيضًا مخاوف من أن تتحرك حماس بشكل مستقل نحو ترتيب سياسي لقطاع غزة من دون السلطة الفلسطينية، مستخدمةً كمبرر الأزمة الإنسانية الخانقة في غزة بعد الرفض المرجح من جانب السلطة الفلسطينية لصفقة السلام التي تطرحها واشنطن — «صفقة القرن» — التي تعمل عليها إدارة ترامب منذ أشهر.

وقد أوضحت الإجراءات السابقة أن السلطة الفلسطينية أقامت رابطًا بين آليات التخفيف من الوضع الاقتصادي والإنساني وتعزيز مكانتها في قطاع غزة — وهي أولويتها الأولى. ويشمل ذلك الحضور الكامل لمؤسساتها وأجهزتها الأمنية في غزة. وفي إطار ذلك، قررت السلطة الفلسطينية فرض إجراءات عقابية تستهدف مباشرة دفع الوضع الاقتصادي إلى شفا الانهيار. وتهدف خطوة خفض أجور الموظفين المدنيين في غزة منذ مارس/آذار 2018 إلى إشعال انتفاضة ضد حكومة حماس في غزة، ما قد يؤدي إلى تصعيد عسكري بين إسرائيل وحماس.

تسعى حماس إلى التخلص من مسؤوليتها عن الأزمة الاقتصادية في قطاع غزة، وكذلك من المسؤولية الأخلاقية عن المشكلات التي يواجهها سكان غزة حاليًا. وقد وافقت الحركة على تسليم قطاع غزة إلى حكومة الوحدة الفلسطينية مقابل رفع العقوبات للتخفيف من آثار الحصار الإسرائيلي. وبهذه الطريقة يمكن لحماس أن تزيد فرصها في الانتخابات المقبلة.

وقد استخدمت حماس احتجاجات مسيرة العودة الكبرى — التي شارك فيها أعضاء من حماس — لممارسة مزيد من الضغط على الجانب الإسرائيلي. وقد نظرت إلى الاحتجاجات بوصفها وسيلة لتعزيز فرص بقائها وفرصة لجذب مزيد من الاهتمام إلى الوضع في غزة.

لا تزال إسرائيل ترى أن مستقبل قطاع غزة مرتبط بشبه جزيرة سيناء. وقد طُرحت عدة مقترحات من مسؤولين إسرائيليين بوجوب ضم غزة إلى سيناء. كما تغيّر نهج إسرائيل تجاه حماس من النظر إليها باعتبارها منظمة إرهابية يجب تفكيكها بالقوة، إلى رؤيتها ككيان معادٍ يجب ردعه من أجل الحفاظ على الوضع القائم. وترى الحكومة الإسرائيلية أيضًا في حماس أداة مفيدة لتعميق الانقسام الفلسطيني من دون الوصول إلى نقطة الانهيار الكامل للنظام في قطاع غزة. وإضافة إلى ذلك، يبدو أن إسرائيل راضية عن استراتيجية احتواء غزة من الخارج.

ويظل الحفاظ على الوضع القائم خيارًا قابلًا للتطبيق بالنسبة لإسرائيل، لأن الضغط سيدفع الأطراف إلى البحث عن حلول للوضع الإنساني الكارثي. إلا أن ذلك قد ينتهي إلى حلول سياسية ستؤدي إلى عزل قطاع غزة وفصله عن مشروع الدولة الفلسطينية وعن الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي إذا لم تكن هناك معارضة للخطة من الدول العربية والفاعلين الدوليين.

في الوضع الراهن، تنتهج إسرائيل استراتيجية تهدف إلى الإضرار بالقدرات العسكرية لحماس في غزة، وتأليب سكان غزة، وتقليص قدرة الحركة على اكتساب موطئ قدم إقليمي يمكن أن يحسن قدراتها العسكرية.

يحتل قطاع غزة موقعًا مركزيًا في خطة السلام الأميركية، التي لم يعرضها بعد جيسون غرينبلات، مبعوث الرئيس دونالد ترامب للسلام في الشرق الأوسط، وفريقه. وهناك تقارير تفيد بأن غرينبلات سينظر إلى غزة باعتبارها قضية إنسانية ينبغي استبعادها من أي عملية سياسية.

من المتوقع أن تقترح الخطة حلاً انتقالياً، بما يعني إقامة دولة فلسطينية على نصف الضفة الغربية، وقطاع غزة بأكمله، وبعض أحياء وقرى القدس، مع البلدة القديمة والمناطق المحيطة بها ضمن ما يسمى القدس الشرقية. علاوة على ذلك، تتوقع الخطة إنشاء «مدينة جديدة للفلسطينيين»، وممر فلسطيني إلى المسجد الأقصى، وتقديم حل إنساني للاجئين الفلسطينيين، مع حل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا) خلال فترة زمنية محددة. وبناءً عليه، ستبقى الحدود والمستوطنات والأمن تحت السيطرة الإسرائيلية، لكن سيتم التفاوض بشأنها بعد إقامة دولة فلسطينية ستعترف بها الولايات المتحدة وإسرائيل والمجتمع الدولي.

استناداً إلى ذلك، هناك عدة سيناريوهات لمستقبل قطاع غزة.

على الرغم من التوترات المستمرة، لا يمكن استبعاد سيناريو تتعايش فيه السلطة الفلسطينية وحماس بشكل كامل. ويمكن تحقيق المصالحة، لأن حماس لا تملك أي خيارات أخرى. ويعود ذلك أساساً إلى أن قطاع غزة يعاني أوضاعاً إنسانية لا تطاق نتيجة العقوبات التي تفرضها السلطة الفلسطينية والحصار الإسرائيلي. وقد تفضل حكومة حماس تنفيذ عملية المصالحة حتى تحظى بدعم السكان وتتجنب أن يُنظر إليها على أنها ترفض المصالحة أو تعرقلها، وهي مصالحة قد تجلب انفراجاً إنسانياً. ولا تبذل حماس سوى جهود محدودة لدفع العملية إلى الأمام، لكنها كافية لإحراز تقدم في بعض المجالات، مثل التعليم والزراعة والصحة.

وفي الوقت نفسه، تشعر السلطة الفلسطينية بالقلق إزاء سيناريو يُفصل فيه قطاع غزة عن القضية الفلسطينية أو يصبح جزءاً من سيناريو تتحالف فيه حماس مع دحلان.

وتشترك كل من السلطة الفلسطينية وحماس في مصلحة حقيقية تتمثل في توجيه الاهتمام العالمي نحو القضية الفلسطينية ودفع الإجراءات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين إلى صدارة الأجندة الإقليمية والدولية. وتهدف القرارات الأمريكية الأخيرة إلى تقويض القضية والضغط على الفلسطينيين للقبول بحلول تصب في مصلحة الرؤية الإسرائيلية. وعلى الرغم من خلافاتهما، تتوحد السلطة الفلسطينية وحماس في رفض تلك القرارات. ويُعدّ توحيد الجانبين على مستوى البرامج والاستراتيجية والمؤسسات شرطاً مسبقاً لتجاوز الأزمة ومواجهة الاحتلال الإسرائيلي بفعالية.

وبالنظر إلى دور حماس، فإن واشنطن لم تعارض في الماضي الدور السياسي لجماعة الإخوان المسلمين في المنطقة، كما ظهر خلال فترة حكم الجماعة في مصر. غير أن الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية قد تكون حالياً أقل انشغالاً بانتماء حماس السياسي، وأكثر انشغالاً بالكارثة البيئية والإنسانية الوشيكة في قطاع غزة وما يترتب عليها من تداعيات أمنية.

وعلى الرغم من وجود مؤشرات إلى أن الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية قد تقبل بالدور السياسي لحركة حماس، فإن ذلك لن يحدث ما لم تقبل حماس «صفقة القرن». وفي هذا الصدد، عبّر رئيس المكتب السياسي لحماس إسماعيل هنية بوضوح عن معارضته، قائلاً: «سنسقط ما يسمى صفقة القرن إلى الأبد».

ومع ذلك، فإن هذا لا يعني أن العناصر المؤدية إلى الصدام قد لا تتغلب في مرحلة ما على دوافع الوحدة والتعايش. وستواصل حماس بناء قوتها العسكرية بطرق مختلفة. أما السلطة الفلسطينية، فبحكم تعريفها ووضعها، فهي ملتزمة ببذل كل جهد ممكن لمنع ذلك، ما يزيد من احتمالات وقوع مزيد من المواجهة بين الجانبين.

وهذا يعني أن الاتفاقات الأخيرة التي تشكل جزءاً من عملية المصالحة، والتي أُبرمت بعد ضغوط مارستها مصر، قد تُنفذ ببطء. غير أن عدة قضايا خلافية لا تزال دون حل، وفي مقدمتها الجناح المسلح لحماس. وسيقود ذلك السلطة الفلسطينية إلى تحسين أوضاع سكان غزة، وتأجيل عملية إجراء الانتخابات العامة، وإدماج حماس في مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية. وبهذه الطريقة، سيتشكل توازن جديد في قطاع غزة، حيث سيكون للطرفين وجود عسكري، على غرار التوازن الذي نشأ في لبنان بعد الحرب الأهلية.

وعلى الرغم من أن الحكومة الفلسطينية ستواصل رفض الجناح العسكري لحماس ومحاولة تقييد أنشطته، فإنها ستكون حرة في إجراء مفاوضات مع إسرائيل. ووفقاً لاتفاق المصالحة، ينبغي أيضاً أن تتحمل حكومة الوحدة المسؤولية الكاملة عن جباية الضرائب، وكذلك إدارة المعابر والبر.

وقد تسهم عدة عوامل في تجاوز الانقسام الوطني بين حماس وفتح، لكن الخلافات بين الطرفين عميقة، وانعدام الثقة المستمر بينهما أسقط اتفاقات مصالحة مماثلة سابقة. وتواصل إسرائيل محاولة التأثير في النتيجة، فيما تظل القضية الفلسطينية مرتبطة بالنزاعات الإقليمية. ولذلك، يبقى فشل اتفاق المصالحة أمراً مرجحاً بسبب العقبات الداخلية، مثل إصرار قيادة السلطة الفلسطينية على تطبيق نهج «سلطة واحدة، سلاح واحد»، في حين تصر حماس على الاحتفاظ بسلاحها وذراعها العسكرية. وقد انسحبت حماس من اتفاقات مماثلة في الماضي، ولا تزال تسيطر على قطاع غزة. وهذا يعزز مخاوف فتح من أن حماس ستواصل ممارسة سلطة غير رسمية وإدارة العلاقات الخارجية بمعزل عن السلطة الفلسطينية.

وثمة مسألة رئيسية أخرى تتمثل في وضع أفراد الخدمة الإدارية المدنية والعسكرية في قطاع غزة وتعقيد دمجهم في القطاع العام. وقد ثبت أن قضية رواتبهم صعبة على نحو خاص بسبب الأزمة الاقتصادية الحالية التي تمر بها السلطة الفلسطينية. وعلاوة على ذلك، اعترض بعض قادة حماس على استمرار عملية المصالحة مع فتح من دون رؤية شاملة، ولا سيما في ما يتعلق بمنظمة التحرير الفلسطينية والقضايا المرتبطة بالاحتلال.

هناك أيضًا عقبات خارجية مثل علاقات إيران الوثيقة بحماس وتصريحات طهران بأنها ستستأنف تقديم المساعدة للحركة. وهذا يفتح الباب أمام إيران لتعزيز نفوذها ومنحها القدرة على عرقلة عملية المصالحة. وتسعى إيران إلى استعادة نفوذها على القوى الفلسطينية، ولا سيما في ظل الجهود الإسرائيلية الأخيرة للترويج لمفهوم التطبيع العربي، وخصوصًا مع السعودية. كما أن إعلان إدارة ترامب انسحابها من الاتفاق النووي الإيراني وتعهدها باتخاذ موقف أكثر تشددًا تجاه طهران قد زاد من التوترات في الشرق الأوسط ككل.

ولا تنكر حماس رغبتها في السعي إلى إقامة علاقات قوية مع إيران، إذ يسعى كبار قادة حماس، وعلى رأسهم إسماعيل هنية ومحمود الزهار، إلى بناء علاقات أكثر واقعية مع الأطراف الإقليمية، بما في ذلك إيران. وقد أشاد القيادي في حماس يحيى السنوار بقوة علاقة حماس مع إيران وبالدعم الإيراني للجناح العسكري لحماس.

## …من المرجح أن يؤدي استمرار الحصار من دون أي اختراق إلى إثارة غضب شعبي واسع النطاق ضد حماس بوصفها الحاكم الفعلي لغزة. وستحوّل حماس مثل هذا الانفجار في الغضب الشعبي إما باتجاه مواجهة مفروضة مع إسرائيل أو نحو إقامة كيان جديد يتجاوز السلطة الفلسطينية لتخفيف الضغط الشعبي.

في ضوء ذلك، من المتوقع أن تسعى إسرائيل إلى إرباك الوضع القائم. وقد يتجلى ذلك في مزيد من الضربات على غزة، أو استئناف سياسة الاغتيالات والاعتقالات، أو حتى الدفع نحو حرب دموية أخرى، ما سيخلق حزمة جديدة من الأزمات لحماس والسلطة الفلسطينية في قطاع غزة.

وثمة خيار آخر يتمثل في أن إسرائيل ستهدف إلى تهيئة الظروف لظهور قيادة بديلة أو العمل على تثبيت الوضع القائم في غياب تسوية جديدة، إذ إن استمرار الوضع الراهن، من المنظور الإسرائيلي، يمثل سيناريو مواتيًا. ونتيجة لاستمرار الانقسام، سيشعر قطاع غزة بأنه مستبعد من التأثير في القرارات الأساسية، في وقت تشهد فيه السلطة الفلسطينية سياسة إسرائيلية قائمة على الاستيطان والتهويد.

وقد تستفيد إسرائيل من بطء وتيرة عملية المصالحة وتفاقم الأوضاع المعيشية في غزة، لتمهيد الطريق أمام واقع جديد ستُجبر حماس على قبوله، بما يؤدي إلى شكل جديد من اللجنة الإدارية يحل محل منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها السياسية. ويأتي ذلك على خلفية تعنت السلطة الفلسطينية، ورفض الرئيس عباس «صفقة القرن»، والنية السائدة في بعض الأوساط في إسرائيل لضم الضفة الغربية.

وتسعى إسرائيل إلى إيجاد حل مُرضٍ لقطاع غزة، على الأقل من الناحية الإنسانية، والعمل على إعادة إعمار قطاع غزة، حتى من دون تخلّص حماس من أسلحتها. وتُعد إعادة إعمار قطاع غزة مثالًا جيدًا على تلاقي مصالح إسرائيل مع مصالح نظام حماس.

### المخاطر بالنسبة لإسرائيل

يرجع جزء من السبب في ذلك إلى وجود كثير من المخاطر الاستراتيجية بالنسبة إلى إسرائيل التي قد تنجم عن تدهور الوضع الاقتصادي في قطاع غزة، وهو ما يُتوقع أن يبلغ ذروته في عام 2020. وقد يؤدي مثل هذا السيناريو إلى مواجهة عسكرية أخرى مع حماس، يرجح أن يُقتل فيها كثير من المدنيين وأن يلحق مزيد من الضرر بالبنية التحتية في غزة. وكما كان الحال في الماضي، فمن المرجح أن يدفع ذلك أجزاء واسعة من المجتمع الدولي والعديد من المنظمات الدولية إلى توجيه انتقادات حادة لإسرائيل، وهو ما قد يقوض في نهاية المطاف مكانتها الدولية والإقليمية.

ويشكل نزاع مسلح جديد في قطاع غزة خطرًا آخر على إسرائيل. إذ يمكن أن تؤثر الاشتباكات العنيفة في مسار العلاقات بين إسرائيل والدول العربية، وهو مجال شهد تقدمًا في الآونة الأخيرة. غير أنه إذا تعرض المدنيون للأذى في قطاع غزة، فسيؤدي ذلك إلى غضب واسع في أنحاء العالم العربي، بما يقلل من فرص التعاون بين إسرائيل والحكومات العربية.

ويبقى أمام إسرائيل بديل ثالث، وهو العمل على استراتيجية مختلفة للتأثير على حماس وإضعافها. وتهدف إسرائيل إلى شن عمليات عسكرية لحرمان حماس من «كنزها»، وخصوصًا الأنفاق ومصانع إنتاج الصواريخ، فضلًا عن منشآت عسكرية أخرى. كما تشن الحكومة الإسرائيلية حملة لتحريض سكان غزة على الثورة ضد حماس، من خلال محاولة إقناعهم بأن سعي الحركة إلى تعزيز جناحها العسكري هو السبب الرئيسي في تدهور وضعهم الاقتصادي، وأن تحسين الوضع المعيشي مرتبط بـ«نزع السلاح مقابل إعادة الإعمار».

…معاهدة سلام مع إسرائيل. لقد أخرجنا القدس، وهي أصعب جزء في التفاوض، من على الطاولة، لكن كان يتعين على إسرائيل، مقابل ذلك، أن تدفع أكثر. ولكن ما دام الفلسطينيون لم يعودوا مستعدين للتحدث عن السلام، فلماذا ينبغي لنا أن نقدم لهم أيًا من هذه المدفوعات المستقبلية الضخمة؟

— دونالد ج. ترامب (@realDonaldTrump) 2 يناير/كانون الثاني 2018

ولا يمكن تحليل أي من هذه العناصر — الفشل المحتمل لاتفاق المصالحة بسبب عوامل داخلية وخارجية مختلفة؛ والتغييرات المقترحة على تسوية سياسية إسرائيلية-فلسطينية مستقبلية في ضوء الرفض الفلسطيني لصفقة واشنطن؛ والديناميات المتغيرة للحرب والسلام مع إسرائيل؛ واستمرار سوء الأوضاع المعيشية في قطاع غزة — بصورة منفصلة.

وبالنظر إلى المستقبل، إذا لم تمضِ عملية المصالحة كما هو متوقع، فإن ذلك سيؤدي إلى تفاقم الوضع الإنساني في غزة. ولم تتخلَّ لا إسرائيل ولا الولايات المتحدة عن «صفقة القرن» (التي لم تُعلن تفاصيلها حتى الآن)، كما أنهما لا تُدخلان أي تغييرات باتجاه تنفيذ حل الدولتين.

يبدو أن غياب الوضوح واستمرار الفجوة بين القول والفعل هو الخيار المفضل لدى فتح وحماس في الوضع الراهن. ولا توجد خطط مصاغة للتعامل مع الحصار والوضع المتدهور، كما لا رغبة لدى حماس في الشروع في جولة جديدة من المواجهة العسكرية بسبب الأوضاع المعيشية الصعبة أصلًا في قطاع غزة.

ومع ذلك، فإن استمرار الحصار من دون أي اختراق من المرجح أن يفجر غضبًا شعبيًا واسع النطاق ضد حماس بوصفها الحاكم الفعلي لغزة. وستقوم حماس بتحويل مثل هذا الانفجار في الغضب الشعبي إما باتجاه مواجهة قسرية مع إسرائيل، أو نحو إنشاء كيان جديد يتجاوز السلطة الفلسطينية لتخفيف الضغط الشعبي. ومن الأمثلة على ذلك «مجلس إنقاذ» غزة — وهي مبادرة تقودها حماس في معظمها بهدف التخفيف من أزمات غزة المتعددة.

وثمة خيار آخر يتمثل في أن تلجأ إسرائيل إلى مزيد من الضربات العسكرية ضد حماس لإضعافها. وسيكون لدى حماس حافز لمنع حرب شاملة حتى لا تُضعف خيارها البديل، أي الدفع نحو حل الدولة الواحدة (في حال قررت فتح حلّ السلطة). أما إسرائيل، فمن الممكن أن تُحدث تغييرًا في أوضاع قطاع غزة عبر حرب لتمهيد الطريق أمام تنفيذ الصفقة الأميركية بالقوة، في وقت تتمتع فيه بالدعم الأميركي والقبول العربي.

منذ تولي دونالد ترامب الرئاسة، ظهرت مؤشرات وتصريحات تفيد بأن جزءًا من «صفقة القرن» يتمثل في الإعلان عن دولة فلسطينية مصغرة في غزة.

وباستخدام لغة شديدة الحدة في عدة خطابات خلال الأسابيع الماضية، رفض الرئيس محمود عباس أي صفقة تنتقص من حقوق الفلسطينيين. وعلى الرغم من الرفض الدولي للسياسة الخارجية الأميركية تجاه الفلسطينيين وتزايد الدعم للعدالة، يبدو الفلسطينيون، على المستوى الاستراتيجي، شبه وحدهم في مواجهتهم مع واشنطن وتل أبيب. فالأطراف غير الإقليمية تدعمهم عن بُعد، متجنبة بذلك الاصطدام المباشر مع إدارة ترامب والحكومة الإسرائيلية، بينما تقف الدول العربية إما في صف السياسة الأميركية أو عاجزة عن التأثير في الوضع.

في هذا السيناريو، ستتمسك الولايات المتحدة بخطتها للسلام وتُهيئ الظروف لتنفيذها رغم المعارضة الفلسطينية. وقد تلجأ واشنطن إلى عرقلة المصالحة الفلسطينية الداخلية ما دامت السلطة الفلسطينية وحماس ترفضان «صفقة القرن». كما قد تلجأ إلى استغلال الحصار وبطء تنفيذ أي اتفاق مصالحة للإبقاء على قطاع غزة منفصلًا عن السلطة الفلسطينية، مع تقديم حل وسط مثل دفع قطر إلى تقديم دعم مالي لحماس بما يتيح إنشاء هيئة مستقلة غير تابعة لحماس. وستُكلَّف هذه الهيئة بعد ذلك بإدارة غزة مقابل تخفيف الأوضاع المعيشية.

غير أن كل هذه ليست سوى حلول مؤقتة، لا بد أن يعقبها تهيئة المسرح لانهيار نظام حماس وقوتها العسكرية من خلال القيود المالية والمزيد من تقليص الدعم الأميركي للأونروا.

ومن المرجح أن تمهد الولايات المتحدة الطريق لتنفيذ خطتها على أساس حل إقليمي، متجاوزة مصالح الفلسطينيين لصالح المصالح العربية والإسرائيلية. وقد يشمل ذلك المزيد من التهجير وضم الضفة الغربية إلى الأردن وغزة إلى مصر. وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد أشار إلى ذلك في خطاب العام الماضي. وسيكون هدف مثل هذه الخطة إقامة سلطة حكم ذاتي يمكن أن تُسمى اسميًا دولة من دون أن تمتلك مقومات الدول العادية وسلطاتها.

وسيكون هذا السيناريو ممكنًا إذا لم يتراجع الرئيس ترامب عن خطته وفرضها من دون موافقة القيادة الفلسطينية. وتعتمد مثل هذه الإجراءات على دعم عدة دول عربية لإضفاء الشرعية على الخطة. وستكون الدول العربية خائفة من أن يقول الفلسطينيون لا للصفقة، لكن الولايات المتحدة ستكون مصممة على تنفيذها.

هذا سيناريو يزعم تسوية القضية الفلسطينية، ولكن من دون تلبية الحقوق الفلسطينية. ولن يؤدي بالضرورة إلى حرب، لأن الحرب لن تقع إلا إذا كانت تخدم المصالح الأميركية والإسرائيلية. وإذا كانت نتيجتها مضمونة أو شبه مضمونة، فإن تمويلها ووقودها سيأتيان من العرب.

وفي سياق هذا السيناريو، قد تتقدم المصالحة لأن الحاجة إلى التوحد في مواجهة هذه المخاطر تصبح أكثر إلحاحًا بالنسبة إلى الفلسطينيين. غير أنه إذا لم تتحقق المصالحة سريعًا، فمن المرجح جدًا أن ينجرف الوضع نحو انهيار السلطة الفلسطينية وانفجار قطاع غزة. وسيكون لكلتا الحالتين عواقب وخيمة.

المجال: Gaza Reconstruction — Gaza scenarios · Hamas · Fatah · Deal of the Century · reconciliation — النص © Fair Observer — محفوظ هنا مع الإسناد إلى المصدر. — المصدر الأصلي

تغطية إعلامية ذات صلة

كل المنشورات