ععمر شعبان إسماعيلاقتصاد سياسي · فلسطين

منشور

تفكك المشروع الوطني الفلسطيني مع فصل غزة وتهويد القدس و«أردنة» الضفة الغربية

عمر شعبان إسماعيل · الكتاب السنوي للمتوسط (المعهد الأوروبي للمتوسط) · 2013

يحذّر عمر شعبان من أن المشروع الوطني الفلسطيني يواجه خطراً يتجاوز جمود عملية السلام والاحتلال، ويتمثل في ثلاثة مسارات متزامنة: فصل غزة، وإحياء «الخيار الأردني» في الضفة الغربية، وتهويد القدس. ويرى أن السياسات الإسرائيلية منذ الانسحاب الأحادي من غزة عام 2005 والحصار بعد سيطرة حماس في يونيو 2007، إلى جانب الانقسام الداخلي وتحوّلات الإقليم بعد الربيع العربي، خلقت واقعاً قانونياً واقتصادياً وسياسياً يدفع غزة نحو كيان منفصل أو ارتباط بمصر، مع بروز مقترحات مثل دعم قطري بقيمة 400 مليون دولار وأفكار إسرائيلية لضم أراضٍ من سيناء. ويجادل بأن مواجهة هذا المسار تتطلب إجراءات عملية لا بيانات فقط، أبرزها إحياء حوارات المصالحة، وتفعيل حضور السلطة الفلسطينية في غزة، وإنشاء منطقة عبور في رفح المصرية تحت إشراف السلطة والرباعية، ورفض الخيار الأردني بوضوح، وتكثيف العمل العربي والدولي لدعم القدس ومواجهة التهويد.

عمر شعبان، 2013: تفكك المشروع الوطني الفلسطيني يتسارع مع فصل غزة وتهويد القدس وإحياء الخيار الأردني.

هذه ليست المرة الأولى التي يواجه فيها المشروع الوطني الفلسطيني تحديات هائلة إلى حد قد يهدد إمكان تحقيق هدف إقامة دولة فلسطينية مستقلة على الأراضي المحتلة عام 1967، بما فيها القدس الشرقية. ومع ذلك، يبدو أن الخطر هذه المرة يفوق خطر تجميد عملية السلام، واستمرار الاحتلال الإسرائيلي، وبناء جدار الفصل العنصري، وأنه يتفاقم بوتيرة غير مسبوقة. فالخطر الآن يهدد وحدة الأراضي الفلسطينية والمشروع السياسي نفسه. وعلى وجه التحديد، يتمحور هذا الخطر حول ما يلي:

أولاً، ظهرت مؤشرات وحقائق على الأرض تشير إلى فصل غزة عن بقية الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتدفع بها نحو أن تصبح إما كياناً مستقلاً بحد ذاته أو كياناً مرتبطاً بمصر بطريقة ما.

ثانياً، يجري الحديث مرة أخرى عن الخيار الأردني، بمعنى أن تعود الضفة الغربية إلى السيادة الأردنية. ففي الوقت الذي نشهد فيه مؤشرات على انجراف غزة بعيداً عن الساحة الفلسطينية باتجاه مصر/سيناء، صدرت تصريحات عن بعض القادة الفلسطينيين والأردنيين تؤكد أن الضفة الغربية ستعود بالضرورة إلى حضن المملكة الأردنية الهاشمية. وتتمثل حجتهم في أن الضفة الغربية كانت تحت السيطرة الأردنية حين احتُلت عام 1967، لكن هذا النوع من التبرير ينطوي ضمناً على خطر تطبيقه على قطاع غزة، إذ إنه بدوره كان تحت الإدارة المصرية وقت احتلاله عام 1967.

ثالثاً، تخضع مدينة القدس منذ سنوات طويلة لعملية منهجية من التهويد.

وستنتج عن هذه التهديدات للمشروع الوطني الفلسطيني حالة كارثية يصبح فيها الفلسطينيون مجرد جماعات تعيش في مناطق حكم ذاتي لا يربط بينها سوى تاريخ مشترك، ولكن من دون حاضر أو مستقبل.

## ضم قطاع غزة وإعادة ضم الضفة الغربية

يبدو أن خطط إسرائيل لفصل قطاع غزة عن بقية الأراضي الفلسطينية قد تجاوزت نطاق التمني ــ وهو ما كان يحلم به يتسحاق رابين وغيره من القادة الإسرائيليين ــ إلى مرحلة التنفيذ الفعلي. وقد تسارعت في الآونة الأخيرة الخطوات الإسرائيلية الساعية إلى فصل قطاع غزة عن مجمل القضية الفلسطينية. وقد بدأت هذه التحركات بالانسحاب الإسرائيلي الأحادي الجانب من قطاع غزة عام 2005، الذي شكّل ــ بحسب عدد من الخبراء ــ الخطوات الاستراتيجية العملية اللاحقة في هذا الاتجاه. ثم تابعت إسرائيل ذلك بسلسلة من الإجراءات والممارسات اليومية التي تخدم جميعها الهدف نفسه. وبناءً عليه، فرضت إسرائيل حصاراً شديداً على قطاع غزة عشية سيطرة حماس على القطاع في حزيران/يونيو 2007. ثم أعلنت قطاع غزة «كياناً معادياً». وقد انطوى هذا القرار على تغيير في الوضع القانوني لقطاع غزة مقارنة ببقية الأراضي الفلسطينية. وأدت هذه الخطوات إلى قطيعة شبه كاملة في العلاقات التجارية بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وتراجع في حركة الأشخاص بين المنطقتين، وخلق فجوة واسعة في الواقعين الاجتماعي والاقتصادي والثقافي للمنطقتين.

عملاً بهذه الخطة، تستفيد السياسة الإسرائيلية من حالة الاختلاف والانقسام السياسي بين قطاع غزة، الذي تحكمه حماس، والضفة الغربية، التي تحكمها جزئياً السلطة الفلسطينية. وقد رافقت الإجراءات الإسرائيلية الهادفة إلى الانفصال الكامل عن قطاع غزة وعزله مجموعة من الإجراءات والقرارات التي نفذتها حكومة حماس في غزة – سواء عن قصد أو عن غير قصد. وقد حظيت هذه الإجراءات والقرارات بدعم عدد من المؤسسات الدولية والحكومات العربية، التي دفعت قطاع غزة في الاتجاه ذاته. وقد أتاحت سنوات الانقسام الست تشكيل واقع في قطاع غزة يختلف عن الواقع داخل الضفة الغربية، وكذلك إيجاد بيئة قانونية واقتصادية وثقافية مختلفة. كما أن تجارة الأنفاق بين غزة ومصر وظهور فئة تتعامل في هذه التجارة، إلى جانب تطور العلاقات التجارية تحت الأرض بين المنطقتين وما نجم عن ذلك من ازدياد عدد المستفيدين من هذه العلاقات ونفوذها السياسي، كلها جعلت فكرة الانفصال مقبولة إلى حد ما. ويجري ذلك في ظل التطورات الإقليمية التي جاءت أساساً بفعل الربيع العربي. وهكذا، أصبحت مصر، وهي عملياً الجار الوحيد لغزة، تحت حكم الإسلاميين، مما منح أولئك الذين يحلمون بالانفصال أملاً كبيراً. وقد طلبت حماس – وحكومة حماس – من مصر فتح المعابر وحدودها معها. كما طلبت حماس من مصر إقامة منطقة تجارة حرة على طول الحدود. وقد جاء ذلك في سياق زيارة أمير قطر إلى غزة في أواخر تشرين الأول/أكتوبر 2012 للإعلان عن دعم مالي بمبلغ 400 مليون دولار. وكانت هذه أول زيارة يقوم بها مسؤول عربي إلى غزة منذ عام 2007. وقد كانت الزيارة مهمة وحملت عدداً من الرسائل السياسية المهمة. وفسرها البعض على أنها بداية الاعتراف العربي الرسمي بحكومة حماس في غزة. وبينما كان مبلغ الـ400 مليون دولار الذي أعلنه أمير قطر مبلغاً صغيراً بلا شك بالنسبة للحكومة القطرية، فإنه يظل مهماً بالنسبة لحكومة حماس، التي تعاني من أزمة مالية حادة تؤثر في قدرتها على تنفيذ مشاريع إعادة إعمار غزة على النحو المطلوب. وقد استُقبل أمير قطر استقبالاً احتفالياً. ومن المتوقع أن تزيل الزيارة أي تحفظات قد تكون لدى قادة آخرين، وأن تشجعهم على زيارة غزة أيضاً. ومثل هذه الزيارات ستعزز بالتأكيد الرغبة في الانفصال لدى بعض الأوساط في غزة أو حتى في المحيط العربي، وهذا سيساعد بلا شك في تحقيق الحلم الإسرائيلي بفصل قطاع غزة عن بقية الأراضي الفلسطينية. وتجدر الإشارة إلى أن كثيراً من الخبراء والسياسيين الإسرائيليين لم يحجموا عن التعبير عن رغبتهم وآمالهم في أن ينفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية وأن يُضم إلى مصر. وكان أبرز هذه التصريحات ما أدلى به مستشار الأمن القومي الإسرائيلي السابق غيورا آيلاند، الذي طالب القيادة الإسرائيلية بأن تترك لحماس في غزة أن تفعل ما تشاء وأن تساعدها في تنفيذ مشاريع التنمية الاقتصادية لغزة، من أجل ترسيخ قيام دولة فلسطينية في القطاع. ووفقاً له، سيتم ذلك عبر اقتطاع مساحات شاسعة من شبه جزيرة سيناء ومنحها للفلسطينيين، وتوطين اللاجئين المتوقع قدومهم إلى غزة في تلك الأراضي، بما يتيح للحكومة الإسرائيلية فرصة التركيز على ترسيخ سيطرتها على الضفة الغربية.

في ضوء هذه المؤشرات، التي يتمتع بعضها بدرجة عالية من المصداقية، فإن التطمينات الصادرة عن قادة حماس التي تفيد بأنهم لا يسعون إلى فصل غزة وإقامة إمارة إسلامية ليست كافية. فالقلق الحقيقي يتمثل في أن ما يجري على الأرض يسبق ما يعلنه السياسيون. إن الواقع الذي يجري تشكيله يجب أن يُواجَه بعمل جاد وخطوات عملية. فالمطلوب ليس بيانات تؤكد وحدة الأراضي الفلسطينية، بل إجراءات عملية لمواجهة واقع الانفصال الذي يتشكل بوعي أو من دون وعي. فالبيانات وحدها لا تكفي.

## ما العمل

إن حالة الجمود التي تكتنف ملف المصالحة الفلسطينية وسياسة «عدم الفعل» التي اعتمدتها السلطة الفلسطينية والمجتمع الغربي عموماً تجاه قطاع غزة كانت قصيرة النظر وقائمة على سوء تقدير. فقد كانت سياسة «عدم الفعل» مقامرة على عامل الزمن وعلى عجز حماس عن الصمود، وافترضت ثبات المتغيرات والظروف الإقليمية والدولية. وهذا يتعارض مع طبيعة الأشياء، التي لا تعمل في فراغ وتكون دائماً عرضة للتغير. لقد أوجد صعود جماعة الإخوان المسلمين إلى السلطة في مصر المجاورة وتراكم خبرة الحكم لدى حماس ظروفاً مواتية لفكرة الانفصال، مما قلل من الرغبة لدى بعض الأوساط في حماس في المصالحة وأثار الإحباط لدى بعض الأوساط في السلطة الفلسطينية. وكل ذلك قلّص وتيرة العمل من أجل المصالحة. فضلاً عن ذلك، لا يمكن إنكار أن فكرة المصالحة وعودة غزة لا تحظى بإجماع داخل دوائر صنع القرار في السلطة الوطنية الفلسطينية. فهناك من يعتقد أن المشروع الفلسطيني سيكون أفضل من دون غزة.

في مواجهة جمود ملف المصالحة الفلسطينية، الذي تسبب في حالة واسعة من اليأس وفتح المجال أمام بروز رؤى أخرى، يصبح من الضروري إحياء العقلية الجمعية التي نشأت في أيار/مايو 2011 عند توقيع اتفاق المصالحة بين حماس والسلطة الفلسطينية في القاهرة. في ذلك الوقت، تشكلت عقلية جمعية تمحورت حول استئناف الوحدة واتخاذ خطوات عملية على الأرض. وأصبحت فكرة انفصال غزة بعيدة ليس فقط عن تفكير الناس، بل أيضاً عن الفعل اليومي. فالسياسة لا تعترف بالثبات. وإذا لم تكن تتحرك، فلا ينبغي أن تتوقع سكون الطرف الآخر. لا بد من مواصلة العمل والحركة وتقديم المقترحات، حتى لو كان الأمل في النتائج خافتاً. وتحقيقاً لهذه الغاية، ينبغي اتخاذ الخطوات التالية:

• إحياء حوارات المصالحة، حتى لو كانت تحمل أملاً ضئيلاً وأصبح ينظر إليها بعضهم على أنها مملة وغير قابلة للتحقق كثيراً. إن إحياء هذه الحوارات سيدفع العقلية الجمعية نحو فكرة المصالحة، وسيضع حداً لأحلام الساعين إلى الانفصال. كما أنه سيخلق حالة من الحراك الشعبي والرسمي حول هذا الملف. وهذا بدوره سيحد من رغبة عدد من الحكومات العربية في استغلال جمود ملف المصالحة من أجل تحقيق مكاسب خاصة أو غايات ذاتية.

• تفعيل العلاقة بين السلطة الفلسطينية في رام الله ومنظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص من خلال أنشطة مختلفة تؤكد حضور السلطة الفلسطينية في القطاع. ويجب التشديد بصورة خاصة على البعد الإعلامي لهذه الأنشطة. ففي حين أن السلطة الفلسطينية لم توقف دعمها لغزة، فإن ذلك لم يُعلن، وانصب التركيز الأساسي على قضايا الإغاثة والمسائل الإنسانية. ولم تُطرح نقاشات فكرية واستراتيجية بشأن المسائل الاستراتيجية الرئيسية.

• ينبغي للسلطة الوطنية أن تتخلى عن سلبيتها وأن توجه انتقادها نحو معبر رفح والمطالبات الموجهة إلى مصر بفتح حدودها مع غزة بما يتيح دخول المواد والمعدات اللازمة للمشروع الوطني. ويرتبط ذلك بالطرح المتواصل للمبادرات. وفي ظل تردد إسرائيل في السماح لمصر بإدخال المواد الخام اللازمة لإعادة الإعمار من دون أن تمر عبر معبر كرم أبو سالم؛ وفي ظل عجز مصر عن منع إدخال هذه المواد بحيث لا تكون، من جهة، شريكاً في الحصار، ومن جهة أخرى، تستطيع مع ذلك الالتزام باتفاقية المعابر لعام 2005؛ وعلاوة على ذلك، وفي ظل حرص حماس على تنفيذ المشروع الوطني بسرعة، تبرز الحاجة إلى مبادرة لملء الفراغ ومنع حماس من الاضطرار إلى العودة مجدداً إلى الأنفاق لإدخال المواد الخام والمعدات. ومن بين المقترحات في هذا السياق إنشاء منطقة عبور في رفح المصرية، تُحفظ فيها المواد الخام المخصصة لغزة. وتخضع هذه المنطقة لرقابة وإشراف السلطة الوطنية والمجتمع الدولي ممثلاً باللجنة الرباعية (الولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وروسيا، والأمم المتحدة). ويتم ذلك بطريقة تزيل الذريعة/الذرائع التي يستخدمها تجار الأنفاق، وتخضع عملية إدخال المواد الخام لإشراف فلسطيني/عربي/دولي. كما أن ذلك سيزيل أي حرج محتمل عن مصر وقطر، ويلبي إلى حد كبير اشتراطات اتفاقية المعابر والحركة لعام 2005.

• ومن أجل مواجهة المخاوف من بروز “الخيار الأردني”، الذي طرحته إسرائيل أول مرة قبل بعض الوقت وأعادت إحياءه مؤخراً بعض القيادات الأردنية-الفلسطينية، يجب على السلطة الفلسطينية أن تتخذ موقفاً واضحاً وغير قابل للتراجع برفض هذا الخيار، وأن تعيد التأكيد على أن الضفة الغربية جزء لا يتجزأ من الأراضي الفلسطينية.

• أما بالنسبة إلى القدس: وأخذاً في الاعتبار الوضع السياسي والقانوني الذي أوجدته إسرائيل في القدس، بحيث تُمنع السلطة الفلسطينية من ممارسة سيادتها هناك، يجب أن يتركز العمل على ثلاث نقاط: مواصلة العمل مع الحكومات الغربية والمنظمات الدولية لكشف ممارسات الاحتلال الإسرائيلي في القدس وطلب مساعدة هذه الدول والمؤسسات لتمكين السلطة الفلسطينية من توسيع خدماتها لتشمل القدس.

• تشجيع المنظمات غير الحكومية الدولية والفلسطينية على مواصلة تطوير برامجها في القدس.

• مطالبة الدول العربية والغربية التي تقيم علاقات مع إسرائيل (مثل قطر، ومصر، وغيرها) بتركيز برامجها على القدس.

المجال: Palestinian-Israeli Conflict — Palestinian national project · Gaza separation · Jerusalem · Jordanian option · reconciliation — النص © IEMed Mediterranean Yearbook — محفوظ هنا مع الإسناد إلى المصدر. — المصدر الأصلي

تغطية إعلامية ذات صلة

منشورات ذات صلة

كل المنشورات