منشور
عمر شعبان إسماعيل · المعهد الأوروبي للدراسات الأمنية · 2016
مساهمة عمر شعبان في استشارة معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية حول الاستراتيجية العالمية للاتحاد الأوروبي (شباط/فبراير 2016). يرى أن الشرق الأوسط ما زال المصدر الأخطر على الأمن العالمي، وأن تعثر عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية هو العقبة الكبرى أمام أي شراكة أوروبية شرق أوسطية، ولذلك على الاتحاد أن يبادر بدل أن يكتفي بردود الفعل، وأن يربط تمويله بأجندة سياسية، وأن ينسّق مع الولايات المتحدة بدل الجلوس في المقعد الخلفي، وأن يربط دعمه للسلطة الفلسطينية بالحكم الديمقراطي الرشيد، وأن يدعم الديمقراطية بوصفه شريكاً لا معلّماً.
عمر شعبان لمعهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية، 2016: تعثر السلام هو العقبة الكبرى أمام الشراكة الأوروبية مع المنطقة، وعلى أوروبا أن تبادر.
من الواضح أن عالم اليوم أقل أمناً مما كان عليه قبل 25 عاماً؛ فالتهديدات التقليدية باتت ترافقها تهديدات جديدة، وهي أكثر خطورة نسبياً. وعلى وجه الخصوص، فإن التطرّف والإرهاب، اللذين تغذّيهما الحروب في الشرق الأوسط، تجاوزا الحدود الداخلية وأصبحا ذوي طابع دولي. وقد فرّ ملايين اللاجئين من بلدانهم الأصلية سعياً إلى الأمان، وهم أيضاً يمكن أن يطرحوا تحديات أمام الدول الجديدة التي يستقرون فيها.
وعلى الرغم من كثرة التهديدات التي تتراوح بين روسيا العائدة بقوة إلى الساحة، وكوريا الشمالية المسلحة نووياً، والأوبئة العابرة للحدود مثل إيبولا، فإن منطقة الشرق الأوسط لا تزال تنتج أخطر التهديدات لأمن العالم. ويعود ذلك إلى عدد من الأسباب.
## أولويات الشرق الأوسط
أولاً، لا يزال الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي واحداً من أكثر القضايا إثارة للجدل، وهو لا يعيق التعاون بين الاتحاد الأوروبي ودول الشرق الأوسط فحسب، بل يثير ويغذي أيضاً التوترات داخل أوروبا بين الأقليات المسلمة/العربية وسائر المواطنين.
ثانياً، إن فشل الربيع العربي في تحويل البلدان السلطوية إلى ديمقراطيات قد فاقم أيضاً هشاشة هذه الدول، ودفع ببعضها إلى الحرب الأهلية. ونتيجة لذلك، تقلص الحيز المتاح للمجتمع المدني ووسائل الإعلام الحرة للعمل، في حين ازدادت انتهاكات حقوق الإنسان. كذلك، أُعيد تخصيص أجزاء كبيرة من موازنات الدول لمكافحة الإرهاب بدلاً من استثمارها في التنمية البشرية. كما أن فشل عملية انتقالية سلمية من الديكتاتورية إلى الديمقراطية في بعض البلدان قد ثبط بلداناً أخرى عن تبني مسار الدمقرطة.
ثالثاً، إن تنامي تأثير الدين (ولا سيما بين الشباب) في تشكيل السياسة، وتدفق اللاجئين إلى أوروبا ومناطق أخرى، يزيدان من التوترات داخل المجتمعات وفيما بينها.
لقد أدت الصراعات الجارية في المنطقة إلى فظائع غير مسبوقة وتسببت في أضرار جسيمة للنسيج الاجتماعي والبنية التحتية. وإنهاء هذه الصراعات أمر أساسي للأمن العالمي: والأهم من ذلك أن الاتحاد الأوروبي يحتاج إلى العمل عن كثب مع روسيا وتركيا والولايات المتحدة وجامعة الدول العربية لتحقيق هدنة طويلة الأمد بين جماعات المعارضة والنظام في سوريا.
وعلى الرغم من أن الاتحاد الأوروبي كان ناشطاً في الشرق الأوسط منذ سبعينيات القرن الماضي، وما زال منخرطاً في الجهود الرامية إلى إيجاد حل عادل ومنصف للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، فإن غياب التقدم في عملية السلام بين العرب والإسرائيليين كان ولا يزال أكبر عقبة أمام أي شراكة بين الاتحاد الأوروبي والشرق الأوسط. وفي حين يتهم بعضهم الاتحاد الأوروبي بالفشل في مواءمة دوره السياسي مع الدعم المالي الذي يقدمه، فإن جزءاً من المسؤولية ينبغي أن يقع أيضاً على عاتق الأطراف الأخرى المعنية، أي العرب والإسرائيليين والولايات المتحدة، لعدم تنسيق جهودهم وتهيئة بيئة مواتية للتوصل إلى سلام دائم.
ولمعالجة ذلك، ينبغي أن يتجنب موقف الاتحاد الأوروبي تجاه الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي أن يكون متردداً أو استجابياً أو متمحوراً حول الحوادث. ويجب أن تسعى سياسة الاتحاد الأوروبي إلى أن تكون استباقية وأن تعزز الاتساق بين الدعم المالي والتقني وبين أجندته السياسية. كما ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يعزز تنسيقه مع الولايات المتحدة، وهي الدولة التي سيطرت على عملية السلام منذ اتفاقات أوسلو عام 1993. ولا ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يكتفي بدور ثانوي فيما تهيمن الولايات المتحدة على العملية. وأخيراً، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يوضح الصلة بين دعمه المالي للسلطة الفلسطينية وبين التقدم المحرز في تعزيز الحكم الرشيد الديمقراطي.
## الديمقراطية والحوارات
من بين التزامات الاتحاد الأوروبي نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان في المناطق التي تفتقر إلى هذه القيم. وهذه ليست مهمة سهلة، إذ ينبغي أن يكون الانتقال الديمقراطي عملية عضوية تبادر إليها المجتمعات المحلية نفسها وتقودها، لا عملية تُصدَّر من الخارج أو تُفرض من قبل أطراف خارجية. ومع ذلك، فإن مجتمعات الشرق الأوسط في حاجة ماسة إلى دعم الآخرين وخبراتهم ومعارفهم - وبخاصة الاتحاد الأوروبي.
ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يتجنب أن يُنظر إليه من قبل العالم العربي بوصفه داعماً للديكتاتوريات (ضمناً أو غير ذلك)، أو بوصفه «معلماً للديمقراطية». ولكي يتحقق ذلك، ينبغي أن تقوم سياساته على مبادئ الشراكة. وعلاوة على ذلك، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يبذل جهداً كبيراً لإيصال رسالة مفادها أنه لا يعمل مع قادة المنطقة فحسب، بل أيضاً مع شعوبها.
إن المشكلات المحلية باتت الآن تتجاوز الحدود الداخلية، ويجب أن تعكس استجابات الاتحاد الأوروبي هذه الحقيقة. وعلى وجه الخصوص، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يسعى إلى الوصول إلى المشكلات وحلها في الخارج من خلال البرامج التعليمية والتمكين الاقتصادي - وهو ما سيضمن الازدهار على المدى الطويل.
أما على الصعيد الداخلي، فإن الاتحاد الأوروبي بحاجة إلى العمل على تنفيذ سياسات إدماج لأولئك الذين أصبحوا أوروبيين حديثاً. لكن هذا يتطلب أيضاً من السكان الأوروبيين الالتزام بمبادئ القبول. وإن إبراز قصص النجاح في التعايش، وتسليط الضوء على الإسهام الإيجابي للمهاجرين في المجتمع الأوروبي في عدد من المجالات (الاقتصاد، والرياضة، والتعليم، والفن، والثقافة، إلخ) من شأنه أن يسرّع هذه العملية ويساعدها.
وأي استراتيجية عالمية فعالة للاتحاد الأوروبي بشأن السياسة الخارجية والأمنية (EUGS) ينبغي أن توضح المسؤوليات المشتركة لجميع الأطراف الفاعلة في خلق عالم آمن. فلأوروبا دورها الذي ينبغي أن تؤديه، لكن يجب أيضاً مطالبة الدول الأخرى بإدراك واجباتها والعمل بموجبها.
فبراير 2016
المجال: Palestinian-European Relations — النص © EU Institute for Security Studies (EUISS) — محفوظ هنا مع الإسناد إلى المصدر. — المصدر الأصلي — PDF