منشور
عمر شعبان إسماعيل · مؤسسة بال ثينك للدراسات الاستراتيجية · 2022
ورقة بحثية تتتبع كيف يشكّل إرث الحرب العالمية الثانية وعقيدة عدم التدخل والدعم غير المشروط لإسرائيل السياسة الألمانية في الشرق الأوسط، وتدعو إلى حوار فلسطيني–ألماني يتجاوز عقدة الذنب نحو دور إيجابي في السلام.
ورقة بحثية تتتبع كيف يشكّل إرث الحرب العالمية الثانية وعقيدة عدم التدخل والدعم غير المشروط لإسرائيل السياسة الألمانية في الشرق الأوسط، وتدعو إلى حوار…
مسودة
في محاولة لفهم السياسة الخارجية الألمانية في الشرق الأوسط
عمر شعبان
حين يقرر الماضي الحاضر والمستقبل:
بعد أكثر من 70 عاماً، ما تزال تداعيات الحرب العالمية الثانية تطبع المجتمع الألماني بوضوح، سياسياً واجتماعياً وثقافياً. فالموقع السياسي والاجتماعي لألمانيا، على المستويين الداخلي والدولي، مثقل بقيود الماضي وإرثه، الأمر الذي جعل ألمانيا شديدة التردد والحذر في طرح أفكار ومبادرات تتعلق بالنزاعات السياسية والأمنية في العالم، وأهمها القضية الفلسطينية-الإسرائيلية. إن ألمانيا النازية، التي خاضت الحرب العالمية الثانية، واحتلت ودمّرت عشرات المدن في أوروبا، وقتلت عشرات الملايين من الناس، وارتكبت جريمة الهولوكوست، هُزمت ودُمّرت وقُسّمت في نهاية الحرب. كما أن ألمانيا، التي مُنعت من بناء جيش قوي، قررت أيضاً عدم التدخل عسكرياً في النزاعات الدولية. وألمانيا التي لم تتدخل عسكرياً في أي نزاع دولي ولم تخصص ميزانيات ضخمة للمجهود العسكري، حققت معدلات تنمية وازدهار لافتة وأصبحت رابع أكبر اقتصاد في العالم رغم هزيمتها وتعرضها للتدمير مرتين؛ في السنوات الأولى من القرن الماضي (الحرب العالمية الأولى 1914-1919) والحرب العالمية الثانية 1939-1945. وقد مكّنها ذلك أيضاً من إعادة بناء ألمانيا بطريقة حضارية ومتقدمة جداً، واستعادة الصناعة وغيرها من القطاعات الاقتصادية، كما مكّن ألمانيا كذلك من تخصيص ميزانيات كبيرة للتنمية الدولية، ومساعدة الدول الفقيرة، واستضافة ملايين اللاجئين من الشرق الأوسط في العقد الماضي، ومن تركيا في العقود الماضية، والآن من أوكرانيا. وهو ما يجعل المثل القائل «رب ضارة نافعة» منطبقاً تماماً.
تميزت ألمانيا عن غيرها من الدول الغربية بأنها اعترفت بالماضي المظلم، إذ تعيش تحت عبء هائل من الذنب. فالمواطن والسياسي الألمانيان لا يغيب عنهما حجم الكارثة التي ارتُكبت في الماضي، مع ضرورة العمل على بذل كل الجهود للتعامل مع تداعياتها المستمرة منذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا. وقد خصصت ألمانيا ميزانيات ضخمة لتطوير منظومة متكاملة من القوانين، والبرامج، والمناهج، والمؤسسات، والمتاحف، والبرامج الثقافية التي تشرح وتوثق ما حدث بعقل منفتح وبقدر كبير من الصراحة. وعلى الرغم من أن «الذنب» لا يُورث، فإن تداعياته تقع على الأجيال التي لم تكن متورطة في ذلك الماضي، وهي مسؤولة عن مواجهة هذه التداعيات والنتائج. إنه إرث ثقيل ليس من السهل التعامل معه وتحمل أعبائه.
وعلى الرغم من الهزيمة التي مُنيت بها ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، والتي انتهت بتقسيمها، فإن القيادة الجديدة في ألمانيا والمجتمع نفسه قررا المصالحة مع تاريخهما المظلم من خلال الاعتراف به وعدم إنكاره، خلافاً لما هو عليه الحال في دول غربية أخرى لها ماضٍ دموي من الاحتلال والاستعمار في الشرق الأوسط وأفريقيا وأميركا اللاتينية.
توثق ألمانيا وتعترف بما حدث من خلال عشرات الأعمال والمعارض الفنية، والنصب التذكارية، والقوانين الألمانية، والمناهج التعليمية، التي تشرح جميع الأحداث الدموية التي ارتكبتها ألمانيا النازية في سنوات الحرب العالمية الثانية. وقد انعكس الإقرار بالماضي أو تحمّل المسؤولية عنه بوضوح في السياسة الخارجية الألمانية من خلال: 1) عدم التدخل عسكرياً في أي نزاع دولي والامتناع الكامل عن إرسال قوات عسكرية ألمانية إلى الخارج، و2) الدعم غير المشروط لإسرائيل، باعتبارها دولة اليهود الذين تعرضوا لجريمة الهولوكوست.
الدعم الألماني غير المشروط لإسرائيل:
من أهم تداعيات الماضي دعم ألمانيا غير المشروط لإسرائيل. وقد جاء هذا الدعم غير المشروط لإسرائيل من الاعتراف بالهولوكوست الذي ارتكبه النظام النازي بصورة منهجية ومنظمة ضد الأقليات في ألمانيا بشكل خاص وأوروبا بشكل عام، إذ أودى بحياة نحو 6 ملايين شخص، كان معظمهم من يهود أوروبا ومواطنين ألمان آخرين، وأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة، وفئات أخرى اعتبرها الرايخ لا تساوي مواصفات الشخصية الألمانية. ويمكن فهم الدعم غير المشروط من ألمانيا لإسرائيل في هذا السياق، لكنه لا يعني غضّ الطرف عن دعم الموقف الفلسطيني الذي يعاني من سياسات الاحتلال الإسرائيلي، ولا يعني إطلاقاً عدم توجيه انتقاد جدي لإسرائيل بسبب سياساتها الاحتلالية في الأراضي الفلسطينية. وعلى العكس، من المفترض أن تساعد العلاقة القوية بين ألمانيا وإسرائيل في مختلف المجالات على إنهاء حالة الصراع من خلال تقديم النصح والإرشاد والنقد عند الضرورة، والقيام بدور وسيط سلام بين إسرائيل والفلسطينيين. ولذلك، فإن طبيعة العلاقات الألمانية-الإسرائيلية من جهة، والعلاقات الألمانية-الفلسطينية من جهة أخرى، تفرض على ألمانيا التدخل لتعزيز تطبيق القانون الدولي والتسوية السياسية. ومن دون تقديم المشورة السياسية والضغط على إسرائيل، كيف يمكن للسياسات الإسرائيلية أن تتغير، وكيف يمكن لنا أن نحقق تسوية سياسية تمتثل لقرارات الشرعية الدولية التي تلتزم بها جمهورية ألمانيا الاتحادية
فهم الموقف الألماني تجاه القضية الفلسطينية:
لقد زرتُ ألمانيا عدة مرات. وقد أتاحت لي هذه الزيارات التعمق أكثر في الثقافة الألمانية، ومخاوفها، وآمالها. وتعرّفتُ والتقيتُ بالعديد من المؤسسات والباحثين الذين يتعاملون مع الماضي من أجل تحقيق المصالحة المجتمعية وشفاء جراح الماضي. وتعمل هذه المؤسسات والبرامج على إطلاع المجتمع الألماني والدولي على ما حدث انطلاقًا من مبدأ راسخ وواضح جدًا: ما حدث لا يمكن أن يتكرر مرة أخرى." وتعلّمتُ أن الوضع في ألمانيا ليس كما كنتُ أنا وكثيرون نظن، فهو ليس أبيض أو أسود. وبينما يؤمن الشعب الألماني ويُقرّ بالكارثة التي ارتكبها نظامه وجيشه، فقد تنامى شعور وتوجّه بين المثقفين والكتّاب الألمان الذين أجريتُ معهم مقابلات في ألمانيا بشأن "عقدة الذنب" وسياسة الصمت أو التردد تجاه القضية الفلسطينية، وإقرارهم بضرورة تغيير ذلك، وكان الجواب المشترك بينهم هو: يجب أن نوقف هذا." ولا سيما أن الفلسطينيين هم ضحايا الضحايا. وتقول بعض مواقف المثقفين الألمان إن "النكبة الفلسطينية ما كانت لتقع لولا الهولوكوست، إذ إن الفلسطينيين هم ضحايا الضحية. وبالتأكيد لم تكن ألمانيا تقصد ذلك، لكن وقوع الأحداث في حقبة الحرب العالمية الثانية، ولا سيما الهولوكوست، كان سببًا مباشرًا للنكبة الفلسطينية. ومع ذلك، لا يوجد منطق في مقارنة "النكبة" الفلسطينية بالهولوكوست، ليس فقط من حيث حجم الكارثة، بل أيضًا من حيث السياق؛ ففي حين وقع الهولوكوست على يد نظام سياسي وعسكري منتخب ضد شريحة من شعبه، وقعت النكبة الفلسطينية على أرض فلسطين على يد اليهود الذين هاجروا من أوروبا والشرق الأوسط إلى الأرض الفلسطينية تحت مبرر أرض الميعاد. علاوة على ذلك، يجب ألا يكون العداء مع إسرائيل بصفتها قوة احتلال سببًا لإنكار الهولوكوست الذي وقع ومثّل جريمة ضد الإنسانية، فالفلسطينيون لا ذنب لهم في تلك الجريمة. ومن الضروري التعرّف بعمق إلى محددات وأسس الثقافة والسياسة لبناء موقف فلسطيني عقلاني تجاه ألمانيا، كما أنه من الضروري تكثيف الحوار بين الجانبين الفلسطيني والألماني للوصول إلى أرضية مشتركة، بحيث يفهم كل طرف مخاوف الطرف الآخر وتوجهاته.
ألمانيا والتطلعات الفلسطينية
إن السياسات والإجراءات التي تعتمدها الحكومة الإسرائيلية على الأرض تُفشل التسوية وتمنع قيام الدولة الفلسطينية، وتتعارض مع المفاهيم التي يعتمدها الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك جمهورية ألمانيا الاتحادية، في العلاقات مع إسرائيل، كما تتعارض مع المفاهيم الألمانية للتسوية السياسية المعتمدة في سياستها الخارجية. ومع ذلك، تبقى السياسة الألمانية حاضرة، وقد تظل في المستقبل أسيرة الماضي، بما يمنعها من تقديم رؤى وأفكار تسهم في معالجة القضية الفلسطينية وآثار الاحتلال الإسرائيلي. وليس ممكنًا أن يُشكّل الماضي حاضر ألمانيا ومستقبلها. فمعرفة الماضي ودراسته أمر ضروري للاستفادة منه واستخلاص الدروس التي تضمن عدم تكراره، ولكن من دون الخضوع له والانكسار أمامه. ومع كل ذلك، نلحظ تطورًا إيجابيًا في الموقف الألماني خلال السنوات القليلة الماضية من حيث تزايد انتقاد إسرائيل وإظهار تفهّم أكبر للمعاناة الفلسطينية، لكن الموقف الألماني السياسي والمجتمعي والإعلامي ما يزال يرفض توجيه انتقاد حاد للسياسة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية.
وقد يتطلب ذلك من ألمانيا أن تتجاوز تدريجيًا إرث الماضي وأن تعمل بنشاط من أجل حاضر ومستقبل أفضل. وهنا يجدر استحضار موقف الزعيم الإفريقي نيلسون مانديلا الذي عانى سنوات الاعتقال على يد نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، فبعد الإفراج عنه أدرك سريعًا أن ذكرياته المؤلمة في السجن ستسيطر عليه وعلى سلوكه، لكنه امتلك القوة ونظر إلى المستقبل، قائلًا: "لن أدع الماضي يقرر مستقبلي."
أخيرًا، لدى ألمانيا الكثير لتقدمه:-
ألمانيا دولة قوية ومحورية، ليس فقط في أوروبا بل أيضًا على الساحة الدولية، وهي تتمتع بسمعة محمودة في العالم العربي عمومًا، ولها إسهامات متميزة في دعم السلطة الفلسطينية ووكالة الأونروا وتطوير التعليم والبنية التحتية في فلسطين، كما أنها تتمتع بعلاقات متميزة مع إسرائيل، وكل ذلك يجعلها مؤهلة للعب دور فاعل في إنهاء الصراع وتحقيق السلام والتنمية.
النهاية
المجال: Palestinian-European Relations — Germany · foreign policy · Holocaust legacy · Israel · Palestine · Nakba · EU — المصدر الأصلي — PDF