منشور
عمر شعبان إسماعيل · المونيتور · 2013
يدعو عمر شعبان إلى إعادة النظر في منهجية عملية السلام بعدما احتكرتها الولايات المتحدة وفشلت حتى الآن، ويطالب الفلسطينيين بالضغط لإعادة إدخال الاتحاد الأوروبي وقوى دولية أخرى مثل روسيا والصين والهند إلى المسار السياسي. ويؤكد أن الاتحاد الأوروبي يمتلك تاريخًا سياسيًا داعمًا للقضية الفلسطينية منذ 1971 و1980، وأنه لم يقتصر على التمويل، بل دعم بناء المؤسسات واللاجئين والموازنة العامة للسلطة الفلسطينية. كما يبرز قرار الاتحاد الأوروبي عام 2013 بمقاطعة منتجات ومؤسسات المستوطنات بوصفه موقفًا سياسيًا مهمًا ضد تقويض حل الدولتين، وينتقد ضعف التقدير الفلسطيني للدور الأوروبي وسوء التعامل مع مساعداته.
عمر شعبان، نوفمبر 2013: الفلسطينيون مطالبون بإعادة الاتحاد الأوروبي إلى عملية السلام وتقدير دوره السياسي والمالي.
في ظلّ احتكار الولايات المتحدة الأميركيّة لعمليّة السلام بين السلطة الفلسطينيّة وإسرائيل واستبعاد القوى الدوليّة الأخرى وأبرزها الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والصين، وبعد فشل جولات المفاوضات غير النهائيّة، حان وقت إعادة النظر في منهجيّة عمليّة السلام والقائمين عليها. ربما يتوجّب على الولايات المتحدة أن تدرك أنه ليس في صالحها الاستحواذ على المسار السياسي حتى لا تتحمّل إثم الفشل وحدها، وعليها أن تسعى جاهدة كي يتمّ توزيع الفشل على المجتمع الدولي. كذلك يتوجّب على الطرف الفلسطيني الضغط بقوّة لإعادة الاتحاد الأوروبي والقوى الأخرى إلى الساحة.
وكان الفلسطينيّون قد اعتادوا توجيه انتقادات حادة إلى الإتحاد الأوروبي بسبب ضعف تأثيره في المسار السياسي، مقارنة مع الدور الأميركي المهيمن على العمليّة السلميّة. يقرّ الفلسطينيّون بأن الاتحاد الأوروبي هو الأكثر كرماً في ما خصّ حجم الدعم المالي للسلطة الفلسطينيّة، لكنهم يعيبون عليه أنه يتبوأ المقعد الخلفي في ما يتعلّق بالتأثير السياسي. ومن الطبيعي أن لا يكون الاتحاد الأوروبي سعيداً بمعادلة: يدفع كثيراً.. يؤثّر قليلاً.
لقد أسرّت شخصيّة أوروبيّة محوريّة لـ"المونيتور" أن تضاؤل دورهم (الأوروبيّون) في العمليّة السلميّة يعود في أحد أسبابه إلى تراخي الموقف الفلسطيني الذي لا يصرّ كفاية على وجودهم بشكل فاعل. إن الفلسطينيّين بصفتهم طرفاً أساسياً في معادلة الصراع، يملكون الكثير من أوراق الضغط الكفيلة بتفعيل دور الاتحاد الأوروبي والقوى الدوليّة الأخرى في عمليّة السلام، وأبرزها روسيا والصين والهند وغيرها. وبالعودة إلى علاقة الاتحاد الأوروبي بالصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، نكتشف حقائق وأبعاد أخرى تستحقّ نفض الغبار عنها.
تاريخ علاقة الاتحاد الأوروبي بالقضيّة الفلسطينيّة
يظنّ البعض أن دور الاتحاد الأوروبي في الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي بدأ فقط مع عمليّة السلام التي انطلقت مع اتفاق أوسلو في العام 1994. في الحقيقة تعود علاقة الاتحاد الأوروبي بالقضيّة الفلسطينيّة إلى العام 1971 عندما اقترح المجلس الوزاري للاتحاد الأوروبي ترسيماً للحدود بين الفلسطينيّين والإسرائيليّين، تبع ذلك إعلان فيينا في العام 1980 والذي أقرّ فيه الاتحاد الأوروبي بحقّ الفلسطينيّين في تقرير مصيرهم. مع مرور الوقت شهد الاتحاد الأوروبي تطوّراً ملحوظاً في مواقفه، إذ أعلن بشكل واضح مع نهاية المرحلة المؤقّتة لاتفاق أوسلو في أيار/مايو 1999 عن استعداده للاعتراف بدولة فلسطينيّة تماشياً مع أتفاق أوسلو الذي حدّد خمس سنوات للمرحلة الانتقاليّة (1994-1999) على أن يعلن الفلسطينيّون دولتهم في أيار/مايو 1999، لتبدأ مرحلة الحلّ النهائي والتي كانت تضمن التفاوض حول قضايا الحلّ النهائي وهي: المياه والحدود واللاجئون والقدس. لكن الفلسطينيّين لم يعلنوا دولتهم في أيار/مايو 1999.
مجالات الدعم الأوروبي
مع بدء عمليّة السلام في العام 1994 أكّد الاتحاد الأوروبي دعمه للعمليّة السلميّة لتمكين الفلسطينيّين من إقامة دولة فلسطينيّة مستقلة مع مؤسّسات قويّة قادرة على القيام بواجباتها تجاه الشعب الفلسطيني. وتتلخّص أوجه الدعم المالي الأوروبي للسلطة الفلسطينيّة في ثلاثة مجالات:
الدعم المباشر للموازنة والذي يهدف إلى تمكين السلطة الفلسطينيّة من مواصلة تقديم الخدمات الأساسيّة من خلال: دعم الخدمات الأساسيّة ودعم الفئات المهمّشة ودفع مرتّبات موظفي السلطة الفلسطينيّة ومعاشات المتقاعدين وتحسين أداء الأجهزة الأمنيّة، كذلك المساهمة في دفع ديون السلطة للقطاع الخاص ولاحقاً المساهمة في إعادة إعمار قطاع غزّة.
التنمية البشريّة والمؤسّساتيّة: ركّز الدعم الأوروبي على بناء المؤسّسات العامة وقطاع المجتمع المدني وتعزيز قيم الديمقراطيّة والشفافيّة والمساءلة وتعزيز حقوق الإنسان وسيادة القانون، كذلك استهداف منطقة القدس التي تتعرّض لعمليات تهويد متواصلة.
اللاجئون: يقدّم الاتحاد الأوروبي دعماً متواصلاً ومنتظماً لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيّين (الأونروا) لتمكينها من تقديم خدماتها للاجئين الفلسطينيّين في أماكن تواجدهم الخمس.
يساهم الاتحاد الأوروبي في التنمية والإغاثة على المستوى الدولي بحوالى 14 مليار دولار أميركي سنوياً، وقد بلغت هذه المساهمة حوالى 66 مليار دولار في السنوات الخمس الماضية تمّ ضخّها في مئة دولة من العالم الثالث. ويخصّص ما نسبته 4 في المئة من إجمالي الدعم الدولي للشعب الفلسطيني في الداخل واللاجئين الفلسطينيّين في مناطق عمل الأونروا الخمس. وقد تراوح حجم الدعم الأوروبي للشعب الفلسطيني ما بين 800 مليون دولار في العام 2008 وحوالى 500 مليون في العام 2011. ويتّصف الدعم الأوروبي بأنه الأكثر انتظاماً والأقلّ تسييساً، فهو غير مرتبط بمواقف سياسيّة معيّنة تتّخذها السلطة الفلسطينيّة. على سبيل المثال، لم يتوقّف الدعم الأوروبي للسلطة الفلسطينيّة عندما قرّر الرئيس محمود عباس الذهاب إلى الأمم المتحدة للحصول على مقعد دولة مراقبة في أيلول/سبتمبر 2011 وتشرين الثاني/نوفمبر 2012. كذلك لم يتوقّف الدعم الأوروبي لقطاع غزّة على أثر سيطرة حركة "حماس" عليه في حزيران/يونيو 2007.
قرار الاتحاد الأوروبي بمقاطعة المستوطنات الإسرائيليّة في الأراضي الفلسطينيّة
في تطوّر ملحوظ واستراتيجي وفي خطوة بدت للكثيرين أنها مفاجئة وغير متوقّعة، اتخذ الاتحاد الأوروبي في تموز/يوليو الماضي قراراً بمقاطعة السلع والخدمات المنتَجة في المستوطنات الإسرائيليّة في الأراضي المحتلة. فقد قرّر في بيانه الصادر في 19 تموز/يوليو 2013 وقف التعاون والمساعدات الماليّة والتقنيّة والبحثيّة مع الهيئات والمؤسّسات الإسرائيليّة المتواجدة في المناطق التي تحتلها إسرائيل، الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة في العام 1967. لم يقتصر قرار الاتحاد الأوروبي على مقاطعة البضائع المنتَجة في المستوطنات على الرغم من أهميّته إذ تبلغ قيمة صادرات المستوطنات الإسرائيليّة حوالى 300 مليون دولار من إجمالي الصادرات الإسرائيليّة لدول أوروبا والتي تبلغ 13 مليار دولار سنوياً، بل شمل مقاطعة المؤسّسات والجامعات الإسرائيليّة المتواجدة في المستوطنات وحرمانها من الاستفادة أو المشاركة في أي مشاريع أو منح أو جوائز أو مناقصات أو أبحاث يطرحها الاتحاد الأوروبي. وتؤكّد المعلومات المتوفّرة أن مسوّدة القرار الأوروبي خضعت لنقاش مستفيض في الدوائر العليا للاتـحاد الأوروبي وقد تمّ إرسال نسخة منه مسبقاً إلى الحكومة الإسرائيليّة التي يبدو أنها لم تقرأه جيداً. على الرغم من ذلك، أثار الموقف الأوروبي غضب الحكومة الإسرائيليّة، وقد أدان رئيس الحكومة الإسرائيليّة بنيامين نتانياهو هذا القرار وردّت حكومته بخطوات عمليّة منها التهديد بعدم التوقيع على معاهدة التعاون العلمي بينها وبين الاتحاد الأوروبي المسمّاة "هورايزن 2020". كذلك أعلن وزير الأمن موشيه يعالون وقف التعاون مع مؤسّسات الاتحاد الأوروبي في الأراضي الفلسطينيّة ووقف منحها تصاريح إلى قطاع غزّة والمناطق المسماة "ج" في الضفّة الغربيّة.
قد يبدو للوهلة الأولى أن قرار الاتحاد الأوروبي ذي طبيعة اقتصاديّة بحتة، في حين أنه قرار سياسي بامتياز إذ يأتي على أرضيّة أن استمرار الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينيّة يبدّد فعلياً حلّ الدولتَين ويجعل من إمكانيّة قيام دولة فلسطينيّة مستقلة ذات سيادة سياسيّة وفاعليّة اقتصاديّة أمراً غير عملي. على الرغم من ذلك، لم يأخذ موقف الاتحاد الأوروبي حقّه من التثمين والتأييد سواء من قبل السلطة الفلسطينيّة أو من قبل منظمات المجتمع المدني الفلسطيني اللتَين لم تتوقّفا عن توجيه النقد للموقف السياسي للاتحاد الأوروبي. وفي الوقت الذي يقاطع فيه الاتحاد الأوروبي بضائع المستوطنات الإسرائيليّة في الأراضي الفلسطينيّة، ثمّة 25 ألف فلسطيني يعملون في شركات إسرائيليّة في مستوطنات الضفّة الغربيّة بحسب ما ذكرت صحيفة "معاريف" الإسرائيليّة في عددها الصادر يوم الأربعاء في 16 تشرين الأول/أكتوبر الماضي. كذلك يلتقي رجال أعمال فلسطينيّون أثرياء مع نظرائهم الإسرائيليّين الذي يديرون مشروعات ضخمة وشبكات تجاريّة في المستوطنات الإسرائيليّة المقامة على أراضي 1967.
سوء توظيف الدعم الأوروبي
في تقرير أثار صدمة كبيرة وما زال، نشرت صحيفة "ذي صاندي تايمز" البريطانيّة في عددها الصادر في 13 تشرين الأول/أكتوبر الماضي أن لجنة تدقيق داخليّة زارت الأراضي الفلسطينيّة وقد كشفت عن ضياع/تضييع حوالى 2.7 مليار دولار من المساعدات الأوروبيّة للفلسطينيّين في خلال السنوات 2008-2012. لم تنشر الصحيفة التقرير كاملاً، إلا أن الاتحاد الأوروبي أعلن رداً على تقرير الصحيفة، أنه سينشر التقرير كاملاً في نهاية هذا العام. في المقابل، لم يصدر عن السلطة الفلسطينيّة أي تعليق على هذا التقرير على الرغم من خطورة محتواه. ويبدو أن الرقم الذي ذكرته الصحيفة مبالغ فيه،إذ إن التمويل الأوروبي في خلال السنوات المذكورة لا يزيد عن ثلاثة مليارات دولار.
يبدو أن بعض الفلسطينيّين لم يقدّر عالياً دور الاتحاد الأوروبي السياسي أو التنموي، بل لم يتمّ التعامل مع أموال الدعم الأوروبي بالحرص الكافي. لا شكّ في أن الاتحاد الأوروبي يتحمّل قدراً كبيراً من المسؤوليّة سواء في تواضع مستوى فعاليته السياسيّة أو في مراقبة أمواله، لكن مسؤوليّة الجانب الفلسطيني تفوق ذلك بكثير. ومن بديهيات المصلحة الفلسطينيّة أن يكون الاتحاد الأوروبي فاعلاً أساسياً في العمليّة السلميّة وأن تبدي كلّ الحرص في توظيف دعمه المالي.
المجال: Palestinian-European Relations — EU · Palestinian-Israeli Conflict · Palestine — النص © Al-Monitor — محفوظ هنا مع الإسناد إلى المصدر. — المصدر الأصلي