منشور
عمر شعبان إسماعيل · الجامعة الإسلامية بغزة · 2006
يناقش عمر شعبان كيفية توظيف التمويل الدولي لخدمة التنمية الفلسطينية بعد الانسحاب الإسرائيلي الأحادي من غزة عام 2005، مؤكداً أن الانسحاب كان ناقصاً ولم يمنح الفلسطينيين سيادة كاملة على المعابر والمطار والميناء والربط مع الضفة. ويرى أن المساعدات الدولية، رغم أهميتها في تحسين شروط الحياة وبناء مؤسسات السلطة، خضعت لسياقات سياسية وشابها ضعف الكفاءة والرقابة، ما حدّ من أثرها التنموي المستدام، خاصة مع التحول خلال انتفاضة 2000–2004 من الاستثمار التنموي إلى الإغاثة ودعم الموازنة. ويستعرض أرقاماً رئيسية منها أكثر من 7 مليارات دولار خلال عشر سنوات، وقرار مجموعة الثماني تخصيص 2–3 مليارات دولار سنوياً لثلاث سنوات، وخطة السلطة المتوسطة الأجل 2005–2007 التي تركز على مكافحة الفقر، خفض البطالة، وبناء رأس المال الاجتماعي عبر ربط الإغاثة بالتنمية وتعزيز قيادة السلطة لإدارة المساعدات.
عمر شعبان، فبراير 2006: التمويل الدولي يجب أن يُدار بكفاءة لربط الإغاثة بالتنمية الفلسطينية المستدامة بعد الانسحاب من غزة.
## تقديم
شكل الانسحاب الاسرائيلي الجزئي من قطاع غزة ومن أربع مستوطنات معزولة في محافظة جنين في منتصف أغسطس من العام 2005 تحديا من نوع خاص للسلطة الوطنية الفلسطينية والشعب الفلسطيني بشكل عام. تنبع خصوصية هذا التحدي من كونه انسحابا أحادي الجانب ومنقوصا غير مكتمل من حيث إعطاء السلطة الوطنية الفلسطينية حق ممارسة سيادتها الكاملة على الشعب والأرض. فهو انسحاب من طرف واحد يحدث بمعزل عن سياق أي عملية سلمية تفاوضية و دون ضمان لاستمرار التفاوض حول قضايا المرحلة النهائية. ضمن إطار خطة الانسحاب وافقت إسرائيل على التنسيق مع السلطة الوطنية الفلسطينية فيما يتعلق بالقضايا الميدانية خصوصا الامنية منها فقط.
رغم هذا فقد نجحت إسرائيل في تسويق الانسحاب / الإخلاء / إعادة الانتشار، عالميا على أنه استقلال كامل. كذلك لوحظ أن إسرائيل قد عجلت بالانسحاب عن الموعد المقرر حتى لا تضطر للتفاوض مع الفلسطينيون حول قضايا لم تكن مدرجة في الخطة في نسختها الأولى وهي قضايا سيادية وذات بعد إستراتيجي. على سبيل المثال بقيت قضية معبر رفح دون حل، كذلك المعبر التجاري في منطقة شرق غزة " كارني ". كذلك لم يتم البت في قضية ترميم \ تشغيل مطار غزة، وينطبق هذا الوضع على الميناء الذي توقفت موافقة إسرائيل عند السماح للسلطة بالبدء في أعمال الإنشاء والتي تتطلب 3-4 سنوات دون إعطاء أي ضمانات للسماح بالتشغيل. أما الطريق الرابط بين محافظات غزة ومحافظات الضفة الغربية فلم يتجاوز الحديث عنه طروحات علمية هندسية لما يمكن أن يكون عليه شكل هذا الطريق. يذكر أنه قد تم الاتفاق على بعض هذه القضايا لاحقا كاتفاقية معبر رفح التي تم توقيعها بمساعدة جمهورية مصر العربية، الاتحاد الأوروبي وبتواجد مراقبين دوليين لمراقبة أداء السلطة الوطنية الفلسطينية. كذلك تم توقيع إتفاية ثلاثية، فلسطين تركيا وإسرائيل يتم بموجبها تفعيل منطقة بين بيت حانون الصناعية بإدارة تركية.
وكما حدث في اوسلو عندما أعطت إسرائيل الانطباع للعالم أن فلسطين أصبحت مستقلة وأن القضية الفلسطينية قد وصلت إلى بر الحل. فقد نجح الإعلام الاسرائيلي الرسمي من إيهام العالم أن الانسحاب الاسرائيلي من محافظات غزة وشمال الضفة الفلسطينية قد نتج عنه استقلال فلسطيني كامل وأن السلطة الوطنية الفلسطينية أصبح لديها سيادة كاملة على الأرض وبالتالي يحق لإسرائيل والمجتمع الدولي، بناء على ذلك أن يتوقع منها القيام بواجبات أي دولة مستقلة في هذا العالم.
## فلسفة الدعم الدولي للسلطة الفلسطينية عشية الانسحاب الاسرائيلي
على ضوء خطة الانسحاب سارع المجتمع الدولي كما جرت العادة إلى إعلان جاهزيته لتقديم الدعم والمساندة. فقررت الدول المصنعة الثمانية في مؤتمرها الذي عقد في اسكتلندا في يوليو 2005 تخصيص مبلغ 2-3 مليار دولار سنويا لدعم السلطة الفلسطينية ولمدة ثلاث سنوات متتالية. لقد اتخذ قرار الدعم هذا من قبل الدول المصنعة الثمانية لتشجيع الفلسطينيين على التعاطي مع خطة الانسحاب وتمكين السلطة من القيام بواجباتها المترتبة عليها. وقد جرت العادة على أن يقوم المجتمع الدولي الثري ممثلا في الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي ومعها اليابان بتقديم مساعدات مالية ضخمة ومساندة سياسية للمناطق التي تشهد تحولات سياسية جذرية كما في فلسطين، السودان، العراق، أفغانستان، صربيا والبوسنة أو للمناطق التي تشهد تحولا إستراتيجيا في النظام السياسي كما حدث عند انهيار الكتلة الاشتراكية وانضمام معظم دولها إلى الغرب الرأسمالي. يهدف المجتمع الدولي الثري من وراء هذا الدعم والمساندة إلى تشجيع الأطراف للدخول في المرحلة الجديدة سواء كانت تتمثل في حل سياسي لنزاع عسكري، أو تحول في طبيعة النظام السياسي، أو بروز نظام سياسي جديد يكون موالي للغرب أو يحمل افكاره ولا يتناقض مع مصالحه. حدث ذلك بعيد الاحتلال الامريكي لأفغانستان والعراق، وحدث ذلك بعيد انتهاء حرب البلقان. كذلك حدث في حالة السودان و تيمور الشرقية. وقد حدث ذلك بالتأكيد مع بدء الحوار الفلسطيني الاسرائيلي الذي انتهى بعقد اتفاق أسلوا في سبتمبر 1993 والذي تم بموجبه تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية. فمنذ ذلك الحين عقد المجتمع الدولي الثري مؤتمرات دولية سنوية بهدف توفير الدعم الفني والمالي لعملية السلام وذلك لتمكين السلطة الفلسطينية من القيام بواجباتها بما يمكنها في النهاية من المحافظة على عملية السلام. كان أولها في أكتوبر 1993 الذي عقد في واشنطن بعيد التوقيع على اتفاق اوسلو والذي شارك فيه 42 دولة ومؤسسة مانحة. خصص المؤتمر ما قيمته 2.5 مليار دولار لدعم السلطة الفلسطينية لمدة خمس سنوات متتالية، أي بمعدل 500 مليون دولار سنويا. ومنذ ذلك الحين وحتى يومنا هذا التزم المجتمع الدولي، وإن كان بدرجات متفاوتة لتمكين السلطة الوطنية الفلسطينية من القيام بدورها تجاه المجتمع الفلسطيني.
## مراجعة للتمويل الدولي في السنوات العشر الماضية
لقد استلمت السلطة الوطنية الفلسطينية ما يزيد عن سبعة مليارات دولار خلال السنوات العشر الماضية بهدف تمكنيها من القيام بالدور المنوط بها وهو حماية السلام من خلال تحسين مستوى الحياة للفلسطينيين، حجم المساعدات الضخم الذي تلقته السلطة الفلسطينية جعلها تأتي في المكان الثاني بعد إسرائيل منذ الحرب العالمية الثانية من حيث متوسط حصة الفرد من المساعدات الدولية. يمكن القول أن المساعدات الدولية قد حققت وإلى حد كبير الطموحات الفلسطينية وساهمت بشكل لا يمكن إنكاره في تحسين شروط الحياة في المجتمع الفلسطيني وكان لها دور لا يستهان به في مساعدة السلطة الفلسطينية الناشئة على معالجة آثار الاحتلال المديد وعلى تعزيز تأييد الشعب الفلسطيني للسلام. إلا أن التقييم الموضوعي لتأثير هذه المساعدات لا يمكن أن يكتمل إلا بالاطلاع على تفاصيل التمويل الدولي من حيث مصادره، شروطه، مجالات صرفه... إلخ. كذلك لا يمكن اعتبار التمويل الدولي متجانس شكلا وموضوعا. فهناك تمويل تجاري وهناك تمويل يكون للممول اليد الطولى في تحديد مجالات صرفه، كذلك مدى إستدامة أثر هذا التمويل فيما يتعلق بتعزيز القدرات الإدارية والفنية للسلطة الفلسطينية و تمكين المواطن الفلسطيني. نظرا لحالة عدم الاستقرار التي أصبحت سمة من سمات الوضع الفلسطيني و نظرا لعلاقة التأثير المتبادل بين الواقع السياسي والتمويل الدولي الممنوح، فقد تفاوت التمويل الدولي من سنة لأخرى من خلال ثلاث مراحل زمنية مختلفة:
## المرحلة الأولى: 1994-2000
وهي المرحلة التي شهدت تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية وبدابة ممارستها لصلاحياتها و سيادتها بالقدر الذي أتاحته اتفاقيات أسلو. تراوح حجم التمويل الدولي لفلسطين في هذه السنوات حوالي 500 مليون دولار سنويا. تركز التمويل في هذه المرحلة على البناء المؤسساتي للسلطة الفلسطينية، تنفيذ برامج تدريب هائلة، شملت بناء مؤسسات حكومية، تقوية أجهزة الأمن الفلسطينية، كذلك برامج تحسين البنية التحتية و مشروعات تحسين خدمات مياه الشرب، الكهرباء، خدمات الصرف الصحي. شهدت هذه المرحلة صدور عدة تقارير تحدثت عن فساد متفشي في دوائر السلطة ومظاهر بذخ شديد في صرف الاموال، تفشي ظاهرة الاحتكارات الاقتصادية والشركات المملوكة للحكومة. كان احد هذه التقارير تقرير هيئة الرقابة العامة والذي أكد إختفاء أموال ضخمة بلغت حينها ما يقارب 315 مليون دولار. كذلك تقرير لجنة "روكار".
كذلك شهدت هذه المرحلة العديد من المظاهر والانجازات المرموقة كتأهيل مطار غزة وبدء عملية البناء في مشروع الميناء، بناء و تشغيل شركة توليد الكهرباء وتأهيل عشرات الكيلومترات من الطرق، بناء العديد من مشروعات الاسكان التي خففت من حدة أزمة السكن التي كانت تخنق المجتمع الفلسطيني وخاصة بين الشباب. كذلك تميزت هذه المرحلة ببناء عشرات المدارس والمؤسسات التعليمية.. إلخ. كانت أولويات التمويل في هذه المرحلة كما يلي:
• مشروعات البنية التحتية
• مشروعات الخدمة الاجتماعية
• مشروعات بناء المؤسسات
• مشروعات القطاعات الانتاجية
وقد استحوذت الثلاث قطاعات الاولى بحصة الاسد من هذه المساعدات حيث تلقى كل قطاع نسبة تتراوح بين 25-30% من إجمالي المساعدات.
## المرحلة الثانية: 2000-2004
وهي المرحلة التي شهدت اندلاع الانتفاضة الثانية في أواخر سبتمبر 2000 والتي أثرت بشكل كيبر جدا على الكثير من جوانب ومظاهر المجتمع الفلسطيني. فقد تفجر الصراع المسلح مرة ثانية بين الفلسطينييين والاحتلال الاسرائيليي. وهو يختلف عن الصراع الذي عكسته الانتفاضة الاولى التي اندلعت عام 1987 وانتهت بقدوم السلطة الوطنية الفلسطينية. حيث كانت السلطة الوطنية هذه المرة هدفا مقصودا بإجراءات القمع الاسرائيلية حيث شاركت بعض أجهزة السلطة الرسمية في انشطة المقاومة ضد الاحتلال. شهدت هذه المرحلة حملة شرسة من قبل إسرائيل لتدمير ما تم إنجازة خلال السنوات الماضية شملت جميع القطاعات، الصناعية، الزراعية، السياحية، المؤسسات العامة، إغلاق الطرق، فرض إغلاقات طويلة على الاراضي الفلسطينية، تدمير القدرة الادارية، الامنية للسطة الوطنية الفلسطينية. كذلك تفيطع علاقات التعاون التي استطاع الاقتصاد الفلسطيني من بناءها مع العالم. كذك اتصفت هذه المرحلة بإمعان إسرائيل في بنناء جدار الفصل العنصري بوتيرة متسارعة جدا مما غير من الطابع الطوبوغرافي للضفة الغربية ونتج عنه فصل عشرات آلاف الفلسطنيين عن أراضيهم ومراكز عملهم. قدرت خسائر الفلسطينين في هذه السنوات بأكثر من 16 مليار دولار وهو ما يفوق بأضعاف حجم المساعدات الدولية، كان لمجمل هذه الاجراءات الاسرائيلية تأثيرات سلبية على المجتمع الفلسطيني برمته تمثلت في:
• تدمير المؤسسات الانتاجية الصناعية والزراعية والسياحية.. إلخ.
• تفشي ظواهر البطالة والفقر والمشاكل الاجتماعية نتيجة لهذه الظروف
• تدهور العلاقات الداخلية وبروز مظاهر الفلتان الامني والصراعات المسلحة.
• تزايد عجز السلطة الفلسطينية في الامساك بزمام الامور وتنظيم الجبهة الداخلية.
• تحول المجتمع الفلسطيني برمته إلى مجتمع يعتمد على المساعدات الدولية.
• تحول جذري في بنية الاقتصاد الفلسطيني بحيث تراجعت برامج التنمية البشرية المستدامة لتحل محلها برامج الاغاثة والتدخل السريع وبرامج الطوارئ التي لا تترك آثارا على المديين المتوسط و الطويل.
• توقف العمل في برامج البنية التحتية الاستراتيجية كمشروع ميناء غزة، توقف مطار غزة عن العمل بفعل التدمير والمنع السياسي الاسرائيلي، كذلك توقف العمل في بناء محطات توليد الكهرباء في محافظات الضفة الفلسطينية.
• تدهور حجم الايرادات الحكومية من الضرائب والرسوم، مما ساهم في زيادة عجز السلطة الوطنية في قيامها بواجباتها، كذلك قامت إسرائيل بحجز الضرائب المحصلة من طرفها لمصلحة السلطة " ضرائب المقاصة".
• من ناحية اخرى فقد تضاعف حجم الدولي الدولي خلال هذه السنوات، ففي حين كان متوسط التمويل الدولي خلال سنوات الفترة 1995-2000 يتراوح بين 400-600 مليون دولار سنويا، تضاعف متوسط التمويل الدولي ليصل إلى مليار دولار سنويا خلال سنوات الانتفاضة 2000-2004.
• تغيير جذري في مجالات صرف التمويل فبعد كان معظمه يوجه لدعم برامج تنموية ذات تأثير مستدام، أصبح ما أصطلح عليه " دعم الموازنة يستحوذ على أكثر من 50% من الدعم الدولي، ويقصد بدعم الموازنة تمكين السلطة من دفع مرتبات موظفيها الذين بلغ عددهم اكثر من 130,000 موظف. كذلك حدث تغيير في التوزيع القطاعي للمساعدات عما كان في المرحلة الاولي. فعلى سبيل المثال لا الحصر، فقد أستحوذت القطاعات الاجتماعية على ما نسبته 68% من إجمالي المساعدات بعد كانت 27% في المرحلة المشار إليها سلفا. وحدث تراجع كبير في نسبة الدعم الموجه لقطاع البنية التحتية فبعد أن كانت حصته تزيد عن 27% انخفض إلى حوالي 10% فقط من إجمالي المساعدات. هذا يعود إلى تضخم المشاكل الاجتماعية التي نتجت أثناء الانتفاضة والشلل الذي اصاب القطاعات الانتاجية نتيجة لسياسات الاحتلال المشار إليها.
## المرحلة الثالثة، تمويل ما بعد خطة الانسحاب: 2005-2007
على ضوء خطة الانسحاب سارع المجتمع الدولي كما جرت العادة إلى إعلان جاهزيته لتقديم الدعم والمساندة. فقررت الدول المصنعة الثمانية في مؤتمرها الذي عقد في اسكتلندا في يوليو 2005 تخصيص مبلغ 2-3 مليار دولار سنويا لدعم السلطة الفلسطينية ولمدة ثلاث سنوات متتالية. لقد اتخذ قرار الدعم هذا من قبل الدول المصنعة الثمانية لتشجيع الفلسطينيين على التعاطي مع خطة الانسحاب وتمكين السلطة من القيام بواجباتها المترتبة عليها. بعيد اتخاذ الدول المصنعة الثمانية لقرارها هذا، ظهرت آراء كثيرة تشكك في قدرة السلطة الوطنية الفلسطينية بوضعها الحالي على إدارة هذا التمويل الضخم بكفاءة. لذا اثيرت مخاوف سبق وأن ثبت بعضا منها، والتي يمكن تلخيصها في أن ضعف السلطة الاداري والتقني وإفتقارها للدعم الجماهيري المطلوب. كذلك ضعف و عدم قيام المؤسسات الرقابية كالمجلس التشريعي، الجهاز القضائي والمنظمات الاهلية الرقابية بالدور المناط بهم، سيدفع بالضرورة إلى مزيد من الفساد، نشوء احتكارات جديدة، تشويه في أولويات التنمية الممولة، تضخم المشاكل الاجتماعية وتفشي مظاهر الفلتان الامني، زيادة مظاهر انتهاك سيادة القانون، الصرف على بنود، برامج، انشطة غير ذات أولوية. مما سينتج عن ذلك بالضرورة ضعفا في الاستقرار السياسي. قامت السلطة الوطنية بإعداد رزمة من المشروعات التي بلغ عددها 38 مشروعا وتم تسيلمها للجنة الرباعية. تتكون اللجنة الرباعية من 1) الاتحاد الاوروبي 2) روسيا الاتحادية 3) الولايات المتحدة الامريكية و4) الامم المتحدة. تم إختيار السيد جيمس ولفنسون منسقا للجنة الرباعية، وقد تم إختياره نظرا لمعرفته الكبيرة بظروف المنطقة حيث عمل فترة كممثل للبنك الدولي في فلسطين.
## تقييم أثر التمويل الدولي على التنمية في فلسطين
بلغ عدد الدول المانحة للسلطة الفلسطينية حوالي 42 دولة " وزارة التخطيط ". تتفاوت في مدى مساهمتها للسلطة الفلسطينية من حيث الحجم والشكل الذي تأخذه هذه المساعدات، يعتبرالاتحاد الاوروبي الممول الاكبر للسلطة الفلسطينية. يجدر التنويه إلى المشكلة الاحصائية المزمنة في فلسطين حيث لا يمكن التحقق من مدى دقة الارقام والاحصاءات، حتى تلك الصادرة عن مراكز الاحصاء المتخصصة. ذلك يعود إلى أن مصادر التمويل لا تتبع قنوات واضحة ومسجلة، كذلك فإن بعض من قنوات التمويل تنتهي لدى أفراد، جمعيات، مؤسسات دون أن يكون لها توثيق، خاصة تلك المساعدات التي ترد من العالم العربي والاسلامي، كذلك يمكن جرد المساعدات التي تأتي من قبل جهات عربية، إسلامية و دولية ضمن مفهوم الزكاة و بناء المساجد، بناء المراكز الصحية، المساعدات الاغاثية للمعاقين، المزارعين. يعتقد بعض الباحثين أن المساعدات الدولية التي يتم توثيقها لا تزيد عن ثلثي المساعدات التي ترد إلى فلسطين. الجدول رقم (1) يوضح حجم التمويل و مصادره خلال السنوات العشر الماضية
جدول رقم (1): مصادر التمويل وحجمه (القيمة بالمليون دولار)
الجهة المانحة: 1994-1997 | 1998-2000 | 2001-2003 | المجموع
الاتحاد الاوروبي: 219 | 235 | 787 | 1,241
الدول العربية: 193 | 105 | 903 | 1,201
الولايات المتحدة الامريكية: 285 | 260 | 482 | 1,027
اليابان: 308 | 132 | 41 | 481
مؤسسات دولية: 139 | 140 | 154 | 433
المصدر: تقرير التنمية البشرية 2004، برنامج دراسات التنمية، جامعة بير زيت.
ليس جديدا القول أن التمويل الدولي قد لعب دورا هاما في تحقيق أهداف التنمية في فلسطين وفي تحسين شروط الحياة في المجتمع الفلسطيني وخاصة في سنوات الانتفاضة التي شكلت سنوات عجاف على المجتمع الفلسطيني بسبب سياسات الاحتلال وإجراءاته ضد جميع جوانب المجتمع الفلسطيني وخاصة الموارد الاقتصادية المنتجة. إلا أنه يجب عدم التوقف عن ذكر حجم المساعدات فقد بل يجب التعمق في شروط هذا التمويل، أنواعه، جوانب صرفه و السياق السياسي المحلي والدولي الذي يأتي التمويل من خلاله. فعلى سبيل المثال:
• استحوذت القطاعات الاجتماعية من صحة، تعليم، قطاعات الشباب والطفولة والسماعدات الانسانية على ما نسبته 31% من إجمالي المساعدات.
• جاء قطاع البنية التحتية ويشمل الطاقة، الاسكان، الصرف الصحي، الاتصالات والمواصلات على المركز الثاني من حيث حجم التمويل حيث استحوذ على 30% منه.
• استحوذ قطاع بناء المؤسسات والدعم الاداري و الفني على ما نسبته 27%.
• جاء القطاع الانتاجي في ذيل القائمة حيث خصص له ما نسبته 9% فقط.
يبدو الامر أكثر وضوحا حين نتعمق في كيفية توزيع هذه المساعدات على الانشطة داخل كل قطاع. فعلى سبيل المثال استحوذت الاستشارات والمساعدات الفنية على ما نسبته 28% من إجمالي المساعدات، في حين أن 14% من هذه المساعدات كانت على شكل قروض، بعضا منها قدم على شكل قروض بنسب فوائد تجارية وصلت في بعض الاحيان إلى 15%. وهي من أعلى النسب التجارية في العالم. يوضح جدول رقم (2) التوزيع القطاعي للمساعدات الدولية
جدول رقم (2): التوزيع القطاعي للمساعدات (القيمة بالمليون دولار)
القطاع: 1994-1997 | 1998-2000 | 2001-2003 | إجمالي
بنية تحتية: 606 | 550 | 307 | 1464
قطاعات إنتاجية: 137 | 192 | 98 | 428
خدمات اجتماعية: 599 | 427 | 2094 | 3121
بناء مؤسسات: 604 | 241 | 346 | 1193
أخرى: 82 | 53 | 210 | 346
المجموع: 2029 | 1465 | 6708 | 6553
المصدر: تقرير التنمية البشرية 2004، برنامج دراسات التنمية، جامعة بير زيت.
وعلى الرغم من أن شروط بعض التمويل الدولي تكون مجحفة أحيانا إلا أن توافر المقدرة الذاتية والكفاءة العالية لدي الجهة المستلمة يقلل من مدى هذا الإجحاف. فعلى الرغم من التأثير الايجابي الذي أحدثته هذه المساعدات على المجتمع الفلسطيني، إلا أن دراسة الواقع الذي نعيشه تشير إلى تراجع كبير في مؤشرات التنمية البشرية دون التقليل مطلقا من تأثير سياسات الاحتلال الممنهجة ضد الاقتصاد الفلسطيني، فالبطالة والفقر وصلا إلى مستويات غير مسبوقة حيث أصبح ثلثي المجتمع الفلسطيني يعيش تحت خط الفقر النسبي و % 20 منه يعيش فقرا مدقعا لا يمكن معه توفير الغذاء اللازم كما ونوعا. ناهيك عن المستوى المتردي للطرق والبنية التحتية، فقر مستوى خدمات المياه والكهرباء والاتصالات. بحيث أصبح المجتمع الفلسطيني بحاجة ماسة ودائمة للإغاثة والمساندة بعد أن كان مجتمعا منتجا مساندا للآخرين كما حدث مع الجزائر في زلزال الأصنام في منتصف التسعينات، مع اثيوبيا في مجاعتها في الثمانينات و مع أرمينيا في زلزالها المزلزل في التسعينات. صحيح أن الوضع أفضل بكثير مقارنة بما كان عليه قبل قدوم السلطة الوطنية الفلسطينية. إلا أن الكثير من الدراسات والتقارير سواء المحلية أو الدولية خلصت إلى القول أن التمويل الدولي بما فيه العربي و الإسلامي كان يمكن أن يحدث آثارا أكثر إستدامة لو تم توظيفها بكفاءة أكثر.
## خطة التنمية متوسطة المدى 2005-2007
كما جرت العادة و منذ نشوء السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994 فقد قامت السلطة ممثلة بوزارة التخطيط بوضع خطة متوسطة المدى للثلاث سنوات 2005-2007 وقد تم إعداد الخطة من قبل فريق مركزي في الوزارة وبالتنسيق مع وزارات السلطة الوطنية هدفت الخطة حسب ما نصت عليه: إلى مخاطبة احتياجات التنمية في الأراضي الفلسطينية، حيث أن السلطة مسئولة عن تأمين مصلحة الشعب الفلسطيني، وهي الروح التي تم بموجبها صياغة خطة التنمية متوسطة المدى. تؤكد الخطة أن الأهداف التي تسعى لها إلى تحقيقها السلطة الوطنية من خلال هذه الخطة تتمثل في ثلاث أهداف هي:
1. معالجة الفقر بشكل دائم.
2. الحد من البطالة
3. بناء رأس المال الاجتماعي
وذلك من خلال استراتيجيات مركزية هي:
1. ربط الإغاثة قصيرة المدى باحتياجات التنمية على المدى الأطول.
2. تعزيز قيادة السلطة الوطنية الفلسطينية لغدارة المساعدات وتنسيقها والإشراف عليها.
3. توجيه تدخلات المانحين نحو تحريك الموارد الوطنية وتوزيعها.
4. بناء قدرات القطاع العام من اجل تعزيز القدرة على التخطيط للتنمية.
تحتوي خطة التنمية المتوسطة المدى على مكونات اقتصادية تهدف إلى تعزيز خلق فرص العمل والنمو المستدام في القطاع الخاص. وتتضمن الخطة فقرات حول الحماية الاجتماعية و التنمية الاجتماعية والبشرية والمادية وذلك من خلال برنامج منسق لاستثمارات القطاع العام. تحتوي الخطة على برنامج جوهري للإصلاح وبناء القدرات المؤسساتية للوزارات الهيئات والسلطة القضائية والمؤسسات الديموقراطية. تؤكد الخطة أيضا أن ومن دون الإصلاح والتطوير الداخليين ودمج المرأة في العملية التنموية، فإن القدرات المؤسساتية للسلطة الوطنية الفلسطينية و قدرتها على تطبيق الحكم الجيد، تظل غير كافية لتولي عملية التنمية بشكل فعال وناجع.
## فلسفة عمل جديدة
أخذا في الاعتبار حالة الضعف المؤسساتي والإداري والمالي والدعم الدولي للسلطة وحالة التربص والتشكيك بقدرتها من قبل المجتمع الدولي وإسرائيل. ولكي ننجح في الامتحان التاريخي وعملا بالنظرية التي تؤكد أن الاقتصاد و السياسة وجهان لعملة واحدة. فقد أصبح لزاما على السلطة أن تنتهج نهجا جديا يأخذ في الاعتبار المتغيرات المشار إليها سابقا. و حيث أن نجاح السلطة الوطنية الفلسطينية في مواجهة الأزمات الاقتصادية التي يعانيها المجتمع الفلسطيني سيقوي من موقفها السياسي التفاوضي ويعزز الدعم الجماهيري لها. فلم يعد هناك مبررا مطلقا لعدم قيام السلطة الوطنية الفلسطينية بحملة إصلاح جذرية، ليس من محاربة الفساد الذي حدث في السنوات الماضية فقط بل بالعمل الدؤوب على تجنب تكراره مستقبلا. فليس هناك فرص أخرى لنضيعها ضمن المحددات التالية:
• اهتمام العالم المؤقت بهذه المنطقة: إن اهتمام العالم بهذه المنطقة عامة وبالشعب الفلسطيني خاصة لن يستمر إلى الأبد، حيث قد تبرز مناطق صراع أكثر أهمية من وجهة نظر الممول. فقد يأتي وقت ينصرف فيه المانحون عنا إذا أن التمويل الدولي يوظف من قبل الجهات والدول المانحة لأغراض سياسية.
• ضخامة حجم التمويل هذه المرة: إن تعهد الدول الصناعية الثمانية بدفع 2-3 مليار دولار سنويا يمثل ثلاثة أضعاف حجم التمويل المعتاد. فإذا كانت السلطة لم تحقق نجاحا كبيرا في إدارة التمويل في السنوات الماضية فكيف بها تدير تمويلا أكبر بثلاث مرات عما سبق!! إن ضخامة هذا المبلغ، إن تم الالتزام به سيمكن السلطة الوطنية الفلسطينية من تحسين الأوضاع بشكل جذري أن أحسن توظيفه.
• القدرة الإدارية والفنية للسلطة الوطنية: إن الحال التي عليها السلطة الوطنية الفلسطينية ليست أفضل مما كانت عليه سابقا، بل هي أضعف بكثير من سنوات عمرها الأولى. ذلك نتيجة للحرب الشعواء التي مارستها إسرائيل ضدها على مدى السنوات الخمس الماضية وكذلك نتيجة طبيعية لعدم قيامها، أي السلطة الفلسطينية بإجراءات إصلاحية حقيقية ومستدامة، مما راكم في المشاكل و أوصلها إلى هذه الحال الذي بدت فيه واهنة وغير قادرة على القيام بمهماتها.
## أسس المنهجية الجديدة
إن الوضع الحالي وآخذا في الاعتبار العوامل الثلاث المشار إليها يفرض على السلطة انتهاج فلسفة عمل جديدة تستند على العناصر التالية:
• نضج سياسي يتمثل في إعادة تعريف السلطة الوطنية الفلسطينية لنفسها بحيث تكون سلطة حاملة أمينة للمشروع الوطني الذي يكتنز طموحات الشعب نحو الحرية والاستقلال وليست ممثلة لفئة أو شريحة محدودة وقليلة العدد.
• رؤية تنموية واضحة، مرنة و شمولية، تقوم هذه الرؤية على تفعيل جوانب القوة في المجتمع الفلسطيني وأهمها العنصر البشري المتميز. وتنشد مستقبلا واعدا ليس لأجياله الحاضرة بل يكفل حق الأجيال القادمة في الاعتبار.
• السعي بشكل دائم ومنهجي للحصول على دعم ومؤازرة المجتمع الفلسطيني وقواه السياسية والاجتماعية والنقابية. لقد اثبتت التجارب الحديثة ما هو ليس بحاجة إلى إثبات ايضا وهو أن القيادات الملتصقة بجماهيرها هي الأكثر حماية والأكثر قدرة على مواجهة التهديدات سواء الخارجية والداخلية. إن السياسات التي تلقى دعما جماهيريا تكون دائما أكثر جدوى وأقل تكلفة
• جعل الإنسان الفلسطيني محورا أساسيا لعملية التنمية والتمويل ليس فقط من خلال مشروعات خلق فرص العمل على الرغم من أهميتها بل ببرامج تستهدف عقله و جوانب الإبداع فيه.
• شفافية عالية في تخطيط وتنفيذ وتقييم البرامج لضمان تعظيم النتائج وتقليل التكاليف وبما يكفل التأييد الجماهيري للسلطة وبرامجها.
• خلق تعاون حقيقي بين الوزارات ذات العلاقة و القضاء على حالة التنافس والصراع فيما بينها كذلك داخل الوزارة الواحدة. وكذلك التنسيق والتعاون المبني على الثقة مع مؤسسات المجتمع المدني
• تبني سياسة التقشف فعلا.. لا قولا بما يستوجب التقليص الكبير في بنود الصرف الترفي والاستهلاكي غير المنتج، إقتناء السيارات، ايجارات الوزارات، السفر للخارج، الحفلات ومراسم الاستقبال والوداع.
• المشاركة الحقيقية للمجتمع في تحديد أولويات التنمية والمشروعات المطروحة للتمويل. تعزيز دور القطاعات الانتاجية وخاصة قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
• تعزيز سيادة القانون والمحاسبية. لا يمكن لمجتمع أن يتطور ويحقق جزءا مرموقا من طموحاته إلا في ظل مجتمع تسوده سيادة القانون، تعزيز سياسة إثابة المجيد وعقاب المسئ وتطبيق مبدأ تكافؤ الفرص.
## مجالات التدخل لإحداث التنمية
• تبني فلسفة دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة لما لها من مزايا عديدة في مجال خلق فرص عمل، دمج الشباب في التنمية، تفعيل المدخرات كذلك دمج الفئات المهمشة كالمرأة في عملية التنمية.
• تعزيز التصدير نحو الدول العربية والاسلامية لتقليل تبعية الاقتصاد الفلسطيني وتعزيز الروابط مع الافتصاديات المحيطة.
• العمل على تفعيل اتفاقيات التجارة الحرة مع الاتحاد الاوروبي، الولايات المتحدة الامركية و الاستفادة من التسهيلات التي منحتها بعض الدول العربية للمنتجات الفلسطينية
• تشجيع البنوك العاملة في فلسطين لضخ نسبة أكبر من الودائع في السوق الفلسطيني و دفعها للإستثمار في المجالات التنموية ذات التأثير متوسط و بعيد المدى
• تعزيز جوانب البحث والتطوير والابداع و تطوير برامج التعليم والتدريب الفني والاداري والارتقاء بنظام التعليم في جميع مراحله. تخصيص موازنات كبيرة نسبيا لدعم التعليم العالي والتعليم التقني وربطه مخرجاتهما بحاجات السوق.
• وضع خطة متكاملة لإستغلال الاراضي المخلاة ضمن الاسس المشار إليها وبما يحفظ حق الاجيال القادمة في ثروات الوطن.
• إلغاء الاحتكارات التي تضر بحرية الاستثمار في مجالي الاتصالات والكهرباء، كذلك إعادة مناقشة عقود إستغلال حقول الفاز في بحر غزة بما يعمل ضخ موارد مالية ضخمة، يخلق صناعات مغذية ونهائية، كذلك يعمل على تخفيض موارد الطاقة.
• تعزيز مساهمة صندوق الاستثمار الفلسطيني الذي تبلغ حجم استثماراته حوالي مليار ونصف في التنمية الداخلية، حيث أن الصندوق يستثمر في خارج الوطن مما حرم المجتمع الفلسطيني من الاستفادة منه.
• تطوير وتحديث قطاع الصيد و تأسيس صناعات مغذية لهذا القطاع وصناعات أخرى قائمة على منتجاته وبما يساهم في تحقيق الامن الغذائي للمجتمع الفلسطيني
• تطوير المناطق الصناعية وخاصة منطقتي غزة و بيت حانون الصناعيتين وجعلهما مناطق صناعية مخصصة للتصدير. والاستفادة من اتفاقية التعاون التي تم توقيعها مع الحكومة التركية فيما يتعلق بإدارة منطقة بين حانون الصناعية.
• تأسيس مراكز لتطوير جودة المنتجات بما يعزز قدرتها على المنافسة في الأسواق المحلية والدولية على سواء.
• تأسيس صندوق ضمان الاستثمار بما سيعطي تطمينات لرأس المال الفلسطيني والعربي بما يشجعه للقدوم إلى فلسطين.
• العمل على تعظيم جدوي الاتفاق معبر رفح في مجال التصدير و استقدام شركات و أصحاب رؤوس أموال.
• تعزيز التكامل السلعي والخدماتي بين محافظات غزة ومحافظات الضفة الغربية بما فيها القدس بما يصب في النهاية في صالح البعد الوطني.
المجال: Palestinian Economy — international financing · development · Israeli withdrawal · Palestinian Politics — النص © Islamic University of Gaza — محفوظ هنا مع الإسناد إلى المصدر.