منشور
عمر شعبان إسماعيل · بال ثينك للدراسات الاستراتيجية · 2026
بعد 34 خطة لإعادة إعمار غزة، لم يُحسم السؤال الذي يسبقها جميعاً: من سيدفع، ومن يقرر، ومن يضمن ألا يُدمَّر ما يُبنى؟ يقرأ عمر شعبان فاتورة الـ71.4 مليار دولار التي قدّرها الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والبنك الدولي، والفجوة بين 17 مليار دولار من التعهدات وواحد في المئة حُوِّل فعلاً، ويبيّن كيف صار المال رهينة السياسة والأمن، ولماذا لا يمكن للخليج أن يكون الممول الوحيد، ولماذا لا يخشى المستثمر غزة بل الحرب التالية. ثم يقترح منظومة تمويل واحدة من خمسة عناصر: مرجعية فلسطينية موحدة، وصندوق دولي متعدد المانحين، وآلية مستقلة للرقابة، ونظام ضمان ضد مخاطر الحرب، واتفاق سياسي وأمني يحمي المشاريع من التدمير المتكرر.
فاتورة بـ71.4 مليار دولار، وتعهدات بـ17 ملياراً حُوِّل منها 1%: لماذا لم تُجب أي خطة عن سؤال من سيمول إعمار غزة، وما المنظومة الخمسية المطلوبة.
هناك عشرات الخطط لإعادة إعمار غزة. لكن المشكلة ليست نقص الخطط، المشكلة أن أياً منها لم يحسم السؤال الذي يسبق كل ما عداه: من سيدفع؟ ومن يقرر أين تُنفق الأموال؟ ومن يضمن ألا تُدمّر المشاريع التي سيمولها العالم مرة أخرى؟ ومن يتحمل الخسارة إذا اندلعت حرب جديدة؟
هذه ليست أسئلة مالية ثانوية. إنها جوهر معضلة إعادة إعمار غزة.
منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، تراكمت عشرات المبادرات التي تتناول مستقبل القطاع، من خطط عمرانية تفصيلية إلى أطر للتعافي وإعادة الإعمار ومقترحات استثمارية وترتيبات للحوكمة، وأحصت مراجعة لمؤسسة بورتلاند ترست في أيار/مايو 2026 أربعاً وثلاثين وثيقة من هذا النوع، كما راجع معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطيني «ماس» إحدى عشرة خطة من منظور التخطيط المكاني، فيما تناولت دراسة لاحقة أعدها «ماس» ومركز التجارة الفلسطيني لصالح أوكسفام عديد من الخطط، تختلف هذه الخطط في تصورها للمدينة، والاقتصاد، والحوكمة، والجهة التي ستتولى التنفيذ، والأفق السياسي، لكنها تشترك في ثغرة أساسية: لا توجد حتى الآن بنية تمويلية قابلة للتنفيذ تربط المال بالسياسة والأمن والحوكمة.
وهذه الثغرة أصبحت أكثر خطورة في 2026 مما كانت عليه بعد حروب غزة السابقة.
فاتورة أكبر من قدرة أي مانح منفرد
قدّر التقييم النهائي المشترك للأضرار والاحتياجات، الصادر عن الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والبنك الدولي في 20 نيسان/أبريل 2026، الأضرار المادية في غزة بنحو 35.2 مليار دولار، والخسائر الاقتصادية والاجتماعية بنحو 22.7 مليار دولار، بينما قُدّرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بـ71.4 مليار دولار على مدى عشر سنوات، منها 26.3 مليار دولار خلال الأشهر الثمانية عشر الأولى.
هذه ليست فاتورة إعادة بناء تقليدية. إنها فاتورة لإعادة بناء اقتصاد ومجتمع وبنية تحتية دُمّرت على نطاق استثنائي، لكن حتى هذا الرقم لا ينبغي أن يوهمنا بأن غزة دخلت فعلاً مرحلة إعادة الإعمار. فأكثر من 371 ألف وحدة سكنية تضررت أو دُمرت، وأكثر من نصف المستشفيات أصبح خارج الخدمة، وانكمش الاقتصاد بنسبة 84 في المئة، وفي الوقت نفسه، ظل الوضع الأمني والجغرافي متغيراً، وظلت حركة الأشخاص والمواد والمعدات مرتبطة بالترتيبات العسكرية والسياسية.
ولهذا فإن قول الممثل الأعلى لمجلس السلام في غزة، نيكولاي ميلادينوف، في 7 أيلول/سبتمبر 2026، إن الأطراف ما زالت «بعيدة جداً» عن بدء إعادة الإعمار، ليس تفصيلاً إجرائياً. إنه يعكس حقيقة أساسية: غزة لا تزال في مرحلة الإغاثة والتعافي المبكر، بينما يجري النقاش المالي كما لو أن الحرب انتهت.
التعهدات ليست تمويلاً
حتى عندما يُعلن المال، لا يعني ذلك أنه أصبح متاحاً.
في شباط/فبراير 2026، أُعلن في الاجتماع الأول لمجلس السلام في واشنطن عن تعهدات بقيمة 17 مليار دولار، بينها عشرة مليارات من الولايات المتحدة وسبعة مليارات من تسع دول، بما فيها الإمارات وقطر والسعودية والكويت. لكن بعد ثلاثة أشهر، لم يكن قد حُوّل فعلياً سوى نحو واحد في المئة من هذه التعهدات، وفقاً لمسؤولين مطلعين. واضطر مجلس السلام إلى مطالبة الدول المتعهدة بالسداد، فيما أوضحت بعض الدول أن مساهماتها ستُدفع على سنوات.
التعهد المالي قرار سياسي؛ أما تحويل المال فهو قرار مالي وإداري وأمني.
وحتى لو تحولت التعهدات البالغة 17 مليار دولار بالكامل إلى أموال قابلة للصرف، فإنها ستغطي نحو ربع الاحتياجات المقدرة. أما المبلغ المصروف فعلياً فلا يمثل سوى جزء هامشي من المطلوب.
وهذه ليست مشكلة سيولة فقط. إنها مشكلة ثقة. فالمانح يريد أن يعرف من سيدير الأموال. والمستثمر يريد أن يعرف من سيحمي أصوله. والمؤسسة المالية تريد أن تعرف من سيضمن القرض. وكل هؤلاء يريدون معرفة السؤال الذي لا يستطيع أي إطار مالي وحده الإجابة عنه: ماذا سيحدث إذا عادت الحرب؟
المال أصبح رهينة السياسة
هناك شروط مالية مشروعة ينبغي ألا يخشاها الفلسطينيون: التدقيق المستقل، والشفافية، والمشتريات التنافسية، ومكافحة الفساد، ونشر البيانات المالية. بل إن الفلسطينيين أنفسهم لديهم مصلحة مباشرة في هذه الشروط.
لكن شيئاً آخر يحدث عندما تتحول شروط التمويل إلى شروط تحدد شكل السلطة السياسية أو حقوق المستفيدين أو مستقبل السيادة الفلسطينية.
المسار الحالي يربط إعادة الإعمار بترتيبات أمنية وسياسية معقدة. إسرائيل تربط الإعمار بنزع سلاح حماس، فيما تربط حماس نزع السلاح بترتيبات تتعلق بالانسحاب الإسرائيلي والأمن. وبين الطرفين يبقى الممول عاجزاً عن تحديد متى يمكن أن يتحول التعهد إلى مشروع.
وهكذا أصبح المال رهينة الوضع الحالي
وتزداد المشكلة تعقيداً عندما تصبح المساهمة المالية نفسها مدخلاً إلى ترتيبات صنع القرار. فإذا ارتبطت العضوية الدائمة في مجلس السلام بمساهمة مالية كبيرة، فإن السؤال لم يعد فقط: من يدفع؟ بل أصبح: هل يشتري التمويل نفوذاً في الحوكمة؟ وهذا سؤال ينبغي التعامل معه بجدية، لأنه يمس طبيعة النظام الذي سيحكم إعادة الإعمار، وليس فقط مصادر تمويله.
أموال الفلسطينيين ليست منحة
يظهر هذا الالتباس بوضوح في ملف أموال المقاصة الفلسطينية. إذا كانت مليارات الدولارات من الإيرادات الضريبية الفلسطينية المحتجزة ستُفرج عنها وتُستخدم في إعادة إعمار غزة، فإن السؤال القانوني والسياسي ليس فقط كيف ستُنفق. السؤال الأول هو: من يملك هذه الأموال أصلاً؟
تحويل إيرادات فلسطينية عامة من السلطة الفلسطينية إلى إطار خارجي ثم استخدامها كجزء من تمويل إعادة الإعمار قد يحول، عن غير قصد أو بقصد، مورداً سيادياً فلسطينياً إلى منحة مشروطة.
وهذا فرق جوهري. إعادة إعمار غزة لا ينبغي أن تتحول إلى عملية يفقد فيها الفلسطينيون السيطرة على أموالهم وأصولهم باسم حماية التمويل.
المستثمر لا يخشى غزة؛ يخشى الحرب التالية
ربما يكون هذا هو الجزء الأكثر تجاهلاً في النقاش. المشكلة ليست أن غزة تفتقر إلى فرص استثمارية. بعد الدمار الهائل، هناك طلب ضخم على الإسكان والطاقة والمياه والاتصالات والنقل والخدمات والصناعة. المشكلة أن المستثمر لا يستطيع تسعير أصل لا يعرف إن كان سيبقى قائماً.
يمكن للمؤسسات المالية أن تسعّر مخاطر السوق، وسعر الصرف، والائتمان، وحتى بعض المخاطر السياسية. لكن كيف تُسعّر احتمال أن تُدمّر محطة كهرباء أو مصنع أو ميناء في الحرب التالية؟
هنا تتوقف الأدوات المالية التقليدية عن العمل. ولهذا فإن إعادة الإعمار تحتاج إلى ما هو أكثر من رأس المال: تحتاج إلى رأس مال مضمون. يمكن أن تشمل المنظومة المطلوبة ضمانات للمخاطر السياسية، وتأميناً ضد مخاطر الحرب، وآليات لتقاسم الخسائر، وصندوق تعويض ممولاً مسبقاً، وضمانات متعددة الأطراف للمشاريع الاستراتيجية. لكن حتى أفضل أدوات الضمان لن تعمل من دون جهة مستعدة لتحمل التكلفة إذا وقع التدمير. وبذلك نعود إلى السؤال الأول:
من يضمن ألا تتكرر الحرب؟
الخليج لن يستطيع أن يكون الممول الوحيد
لسنوات، استندت كثير من التصورات إلى افتراض ضمني مفاده أن دول الخليج ستتحمل الجزء الأكبر من فاتورة إعادة الإعمار. لكن البيئة التي يفترض أن تعمل فيها هذه الفرضية تغيرت.
فالمنطقة نفسها تواجه احتياجات أمنية واقتصادية متزايدة. والحرب الإقليمية، واستهداف منشآت الطاقة، وارتفاع الإنفاق الدفاعي، وتباطؤ النمو، كلها عوامل تعيد ترتيب أولويات الدول الخليجية.
صحيح أن صناديق الثروة السيادية الخليجية تدير أصولاً ضخمة، تقدر بتريليونات الدولارات. لكن حجم الأصول لا يساوي حجم الأموال المتاحة لإعادة إعمار غزة. هذه الصناديق تواجه التزامات داخلية، ومشاريع تنويع اقتصادي، واحتياجات دفاعية وأمنية متزايدة. وفي الوقت نفسه، تتنافس غزة مع ملفات إعادة إعمار أخرى ضخمة. فقد وصلت تقديرات احتياجات أوكرانيا إلى مئات المليارات من الدولارات، وتحتاج سوريا إلى أكثر من مئتي مليار دولار وفق تقديرات البنك الدولي، بينما تواجه دول المنطقة نفسها فاتورة متزايدة نتيجة الحروب والأزمات.
غزة اليوم تنافس على التمويل في منطقة تحتاج هي نفسها إلى إعادة بناء.
لم تعد غزة تقف أمام خزان مالي خليجي مفتوح.
ماذا تستطيع غزة أن تقدم للممولين؟
هنا يجب أن ينتقل النقاش من طلب التمويل إلى تصميم الاستثمار.
لا تستطيع غزة منافسة أوكرانيا في الحجم، ولا يمكن مقارنتها بسوريا من حيث المساحة والموارد. لكنها تستطيع تقديم شيء آخر: مشروعاً متكاملاً لإعادة بناء اقتصاد فلسطيني قابل للحياة، إذا توافرت له البيئة السياسية والأمنية المناسبة. يمكن أن يشمل ذلك إعادة بناء البنية التحتية الأساسية، وتطوير الطاقة والمياه، وإنشاء منظومة لوجستية وتجارية، وإعادة بناء الإسكان على أساس واضح لحقوق الملكية، والاستثمار في التعليم والصحة والتكنولوجيا، وربط غزة اقتصادياً بالضفة الغربية والأسواق الإقليمية. لكن ذلك يتطلب من الفلسطينيين أنفسهم تقديم أربعة شروط للممولين:
الوحدة، الشرعية، والشفافية، والقدرة على التنفيذ.
لا يكفي أن تقول السلطة الفلسطينية أو أي جهة فلسطينية: «مولونا». ينبغي أن تقول: «هذا هو النظام الذي سيحمي أموالكم، وهذه هي الجهة التي ستديرها، وهذه هي قواعد التعاقد، وهذه هي حقوق الملكية، وهذه هي آليات الرقابة، وهذه هي الضمانات التي تمنع تحويل الإعمار إلى أداة سياسية».
لا يمكن فصل الإعمار عن الدولة
في النهاية، لا يمكن بناء اقتصاد مستدام في غزة من دون حل مسألة الحكم.
المانح يريد مرجعية واضحة. المستثمر يريد قانوناً واضحاً. البنك يريد جهة واضحة للاقتراض والسداد. المواطن يريد أن يعرف من يملك الأرض ومن يضمن حقوقه.
ولهذا فإن إنهاء الانقسام الفلسطيني، وتوحيد المرجعية السياسية والإدارية بين غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، وإعادة بناء المؤسسات، ووضع مسار انتخابي واضح، ليست قضايا سياسية منفصلة عن الإعمار. إنها جزء من البنية التحتية المالية للإعمار. فالتمويل لا يعمل في فراغ سياسي.
ما الذي ينبغي أن يحدث الآن؟
إذا كانت المشكلة ليست غياب الخطط، فلا ينبغي أن تكون الاستجابة إعداد خطة جديدة.
المطلوب هو بناء منظومة تمويل وطنية ودولية واحدة تقوم على خمسة عناصر:
1. مرجعية فلسطينية موحدة تتولى التفاوض وتحدد الأولويات.
2. صندوق دولي متعدد المانحين يجمع المنح والقروض الميسرة والاستثمارات الخاصة.
3. آلية مستقلة للشفافية والرقابة تتيح للممولين والفلسطينيين متابعة الأموال والمشاريع بصورة مستمرة.
4. نظام ضمان دولي ضد مخاطر الحرب يحمي الاستثمارات والأصول التي يمولها المجتمع الدولي.
5. اتفاق سياسي وأمني واضح يضمن حرية الوصول، وإدخال المواد والمعدات، وحماية المشاريع من التدمير المتكرر.
هذه ليست شروطاً بيروقراطية. إنها الحد الأدنى لجعل التمويل قابلاً للاستمرار.
السؤال الذي يجب أن يسبق إعادة الإعمار
بعد كل هذه الخطط، ما زال السؤال الحقيقي بلا إجابة: من سيمول إعادة إعمار غزة؟
لكن ربما يكون هذا السؤال نفسه بحاجة إلى إعادة صياغة. السؤال الأهم هو: ما الذي سيجعل تمويل غزة قراراً عقلانياً بالنسبة إلى المانح والمستثمر؟
لن تأتي الـ71.4 مليار دولار من مصدر واحد، ولن تكون في صورة شيك واحد. ستأتي، إذا أتت، من مزيج من المنح العربية والدولية، والتمويل الميسر، والضمانات، والاستثمار الخاص، وآليات التأمين وتقاسم المخاطر. لكن المال لن يأتي على نطاق واسع ما لم تتغير المعادلة التي تحكم مخاطره.
فلا يمكن مطالبة المانحين بإعادة بناء ما قد يُدمّر مرة أخرى، ولا يمكن مطالبة المستثمرين بتحمل مخاطر لا يمكن تسعيرها، ولا يمكن مطالبة الفلسطينيين بقبول ترتيبات تفقدهم السيطرة على أموالهم وأصولهم، ولا يمكن بناء اقتصاد مستدام في ظل انقسام سياسي دائم.
لذلك فإن أول مشروع استراتيجي لإعادة إعمار غزة ليس الإسكان ولا الطرق ولا الميناء. إنه بناء نظام يجعل إعادة الإعمار قابلة للحماية والاستمرار.
المشكلة، إذن، ليست أن العالم لا يملك المال. المشكلة أن العالم لا يملك بعد الضمانة السياسية والأمنية التي تجعل إنفاقه في غزة استثماراً في المستقبل، لا دفعة مقدمة للحرب المقبلة.
المجال: Gaza Reconstruction — reconstruction financing · donor pledges · Gaza Peace Council · clearance revenues · war-risk guarantees · Gulf states · political division — المصدر الأصلي