منشور
عمر شعبان إسماعيل · بالتنك للدراسات الاستراتيجية · 2012
ورقة سياساتية عن مبادرة إخلاء الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل، وموقع الفلسطينيين من ترتيبات أمن إقليمي لا يشاركون في صياغتها.
يقدّم عمر شعبان في هذا تحليل سياساتي تحليلاً لـ«تحرير الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل: منظور فلسطيني»، في إطار Regional Security & Disarmament (2012).
تعرض هذه الورقة موقف الشعب الفلسطيني من إخلاء الشرق الأوسط من الأسلحة النووية ومن سائر أسلحة الدمار الشامل. كما تسلّط الضوء على موقف المجتمع الفلسطيني من هذه القضية، وتكشف أن ما بُذل في هذا الشأن قليل جدًا في واقع الأمر، إذ أثقلت المجتمعَ المدني تحدياتٌ سياسية واجتماعية واقتصادية أخرى. ولا تمثّل الورقة الموقف الرسمي للقيادة الفلسطينية، لكنها تلقي الضوء على الموقف الرسمي للسلطة الفلسطينية.
وفقًا لدراسة صادرة عن الأمم المتحدة، يشير تعبير «منطقة الشرق الأوسط» إلى المنطقة التي تضم «جميع الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية، وإيران، وإسرائيل». وقد بدأت الجهود الدولية الرامية إلى إنشاء منطقة في الشرق الأوسط خالية من الأسلحة النووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل في مطلع عام 1974، حين قدّمت مصر وإيران إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة مشروع قرار لإنشاء منطقة خالية من السلاح النووي في المنطقة. ولم يتحقق هذا الهدف حتى الآن، على الرغم من أن جميع دول الشرق الأوسط، باستثناء إسرائيل، قد وقّعت معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.
تُعدّ معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، المعروفة اختصارًا بـ«NPT»، والتي وُضعت عام 1968، الاتفاقَ الدولي الأجدر بالثقة الذي يهدف إلى منع انتشار الأسلحة النووية وتكنولوجيتها، وإلى تعزيز التعاون في الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، وإلى المضي قدمًا نحو هدف نزع السلاح النووي ونزع السلاح العام الكامل. وقد فُتح باب التوقيع على المعاهدة عام 1968، وانضم إليها ما مجموعه 190 طرفًا، من بينها الدول الخمس الحائزة للأسلحة النووية: الولايات المتحدة، وروسيا، والمملكة المتحدة، وفرنسا، والصين.
يضم الشرق الأوسط، بحسب تعريف الأمم المتحدة للمنطقة، دولة واحدة، هي إسرائيل، تمتلك ترسانة نووية، إضافة إلى دول أخرى لديها طموحات نووية مثل إيران، أو كانت لديها مثل هذه الطموحات في الماضي مثل العراق وسوريا. وفي حين تُعدّ إسرائيل دولة نووية، وإن لم تعترف هي نفسها بذلك ولم تنفه، فإن ثمة مؤشرات قاطعة على أن بعض دول الشرق الأوسط امتلكت أنواعًا أخرى من أسلحة الدمار الشامل، بل صنّعتها بل واستخدمتها، ومنها الأسلحة الكيميائية والبيولوجية. وخلافًا للتجربة الناجحة في التوصل إلى اتفاقات بشأن مناطق خالية من السلاح النووي في مناطق أخرى من العالم، ولا سيما في أمريكا اللاتينية، فإن الجهود المتواصلة لبلوغ الهدف نفسه في الشرق الأوسط لم تُثمر للأسف. بل إن التوتر آخذ في التصاعد، والشرق الأوسط يسير في الواقع في الاتجاه المعاكس: فبدلًا من التقدم نحو منطقة خالية من الأسلحة النووية، يتنامى سباق التسلح النووي في المنطقة. وطموح جمهورية إيران الإسلامية إلى امتلاك قدرة نووية مثال واضح على ذلك؛ والجهود البدائية لسوريا وتجربة العراق في الماضي مثالان آخران. ومن الجدير بالذكر، فيما يخص طموح جمهورية إيران الإسلامية إلى امتلاك قدرة نووية، أن الإيرانيين أعلنوا مرارًا أنهم يريدون قدرة نووية مدنية، أي دورة الوقود النووي، وهي مزدوجة الاستخدام، وأن برنامجهم سلمي بالكامل ولأغراض مدنية. ومع ذلك، يساور المجتمع الدولي شك قوي في أن إيران قد ترغب في استخدام دورة الوقود النووي نفسها للانتقال إلى برنامج نووي عسكري. ولا توجد حتى الآن أي إشارة قاطعة إلى ذلك.
إن «القدرة النووية» تعبير غامض، قد يشير إلى الجانب المدني أو إلى الجانب العسكري. ولمّا كانت التقنيات والمعدات وما إليها مزدوجة الاستخدام عادةً، أي يمكن استخدامها للأغراض المدنية والعسكرية معًا، فإن هذا الغموض مفهوم، غير أنه قد يكون شديد التضليل. ولذلك ينبغي أن يكون واضحًا أننا حين نكتب عن إخلاء منطقة الشرق الأوسط من القدرة النووية إنما نعني القدرة النووية المخصصة للاستخدام العسكري لا للأغراض المدنية. وقد بدأت دول مثل مصر والسعودية وبعض دول الخليج الأخرى تنظر في هذا الخيار بجدية، وإن كانت قد أعلنت بحزم أن قدرتها النووية ستكون للاستخدام المدني.
موقف فلسطين:
لا شك في أن الفلسطينيين يؤيدون تأييدًا كاملًا مقترح إخلاء منطقة الشرق الأوسط من الأسلحة النووية ومن سائر أنواع أسلحة الدمار الشامل. غير أن السلطة الفلسطينية لا تزال حتى الآن طرفًا من غير الدول، ومن ثمّ لا تستطيع التوقيع على معاهدة عدم الانتشار. ووفقًا للقانون الدولي، تظل إسرائيل، بوصفها قوة احتلال، مسؤولة عن أمن الشعب الفلسطيني الذي يعيش تحت سيطرتها وعن رفاهه. ولا تملك السلطة الفلسطينية جيشًا ولا وزارة دفاع. ولهذا السبب ليست السلطة الفلسطينية طرفًا فاعلًا فيما يتعلق بالأسلحة النووية في الشرق الأوسط، وإن كانت السلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني ملتزمَين التزامًا تامًا بما يلي:
• الأراضي الفلسطينية واقعة تحت الاحتلال الإسرائيلي، وإسرائيل دولة غير موقّعة على معاهدة عدم الانتشار، وتحتفظ بحق انتهاج سياسة خارجية وحماية الحدود. ولذلك فإن الأراضي الفلسطينية، من حيث المبدأ، غير مشمولة بالمعاهدة. لكن، نظرًا إلى الوضع الأمني والسياسي الخاص، يمكن اعتبار أن الأراضي الفلسطينية (أي الأراضي الخاضعة لسيطرة السلطة الوطنية الفلسطينية) خالية «بحكم الأمر الواقع» من الأسلحة النووية.
• وبالنظر إلى أن جميع الدول العربية قد انضمت إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، فمن المتوقع أن تنضم فلسطين إلى المعاهدة فور الاعتراف بها دولةً.
• يُضاف إلى ذلك أن فلسطين، بوصفها عضوًا في جامعة الدول العربية، تؤيد الموقف العربي المشترك بشأن الحد من التسلح، بما في ذلك معاهدة عدم الانتشار وإنشاء منطقة خالية من السلاح النووي في الشرق الأوسط.
وطوال محادثات السلام مع إسرائيل، أوضحت القيادة الفلسطينية موقفها بأن الفلسطينيين يناضلون من أجل الاستقلال، ومن أجل إقامة دولة حرة وديمقراطية وغير مسلحة. فالفلسطينيون لا يرغبون في امتلاك قدرة نووية ولا يقدرون عليها، وبناءً على ذلك يمكن القول إن فلسطين هي الأمة الأكثر تأييدًا لإخلاء الشرق الأوسط من الأسلحة النووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل. غير أن النقاش حول إخلاء الشرق الأوسط ظل محصورًا في المسؤولين وصنّاع السياسات، وإلى حد ما في الأوساط الأكاديمية. أما المجتمع المدني، بمستوياته كافة، بما فيها المنظمات الشعبية والشبابية والنسوية، فلم يُشرَك يومًا إشراكًا واسعًا في مناقشة هذه القضية. ولم يُولِ المجتمع المدني في فلسطين هذه المسألة إلا اهتمامًا ضئيلًا للغاية، ولم تكن مطروحة على طاولة النقاش المجتمعي. ولا تُظهر السجلات أي مؤتمرات أو ندوات أو ورش عمل أدرجت هذه القضية على جدول أعمالها أو تناولتها. فللمجتمع المدني في فلسطين قضايا أخرى ملحّة يتعين عليه معالجتها، مثل إنهاء الاحتلال، والتخفيف من الفقر، وتمكين المرأة، ومكافحة الفساد... إلخ.
ما الذي يأتي أولًا؟ السلام... أم المنطقة الخالية من السلاح النووي!!!
يوفّر غياب التقدم في تحقيق السلام بين إسرائيل والدول العربية أرضًا خصبة لسباق تسلح نووي. فقد قيل إن دولة إسرائيل تريد امتلاك أسلحة نووية لحماية نفسها من محيط معادٍ يحيط بها، في حين تطمح دول أخرى مثل إيران والعراق وسوريا إلى امتلاك قدرة نووية للحفاظ على توازن القوى العسكري. ويثبت التاريخ أن الاتفاقات وحدها لا تستطيع صون السلام والاستقرار، وأن بناء الثقة والطمأنينة لا يقل أهمية عنها. لقد ظل الشرق الأوسط في حالة صراع طوال القرن العشرين، ولا يبدو أن هذا الصراع أوشك على الانتهاء. ويتمحور صراع الشرق الأوسط حول الصراع العربي الإسرائيلي ويتصاعد به. ومن دون حل القضية الفلسطينية والتوصل إلى سلام دائم بين إسرائيل والدول العربية، قد تظل فكرة إخلاء الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل بعيدة المنال.
قد يبدو من غير العملي السعي إلى إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط قبل إرساء السلام في المنطقة، وهو ما يعني حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. ومن ثمّ فإن اعتماد تدابير لبناء الثقة، بما في ذلك عقد اجتماع إقليمي لمناقشة المشكلات، وتعزيز التعاون الاقتصادي والإقليمي، بالاقتران مع الجهود المتواصلة لإقامة شرق أوسط خالٍ من أسلحة الدمار الشامل، يمثل أفضل سبيل لتحقيق الهدفين معًا.
ليس للفلسطينيين مصلحة في سباق تسلح نووي، فهم يناضلون لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي ولإقامة دولة حرة ومستقلة. ويؤكد القادة الفلسطينيون أنهم لا يرغبون في أن تكون دولتهم مسلحة ولا يقدرون على ذلك، وأنهم يقبلون قبولًا تامًا الاقتصار على قوات شرطة تحفظ الأمن الداخلي، لا أكثر. ورغم هذه الحقائق، يجد الشعب الفلسطيني نفسه مصدر الصراع وجوهره، لا بين الدول فحسب، بل بين الجماعات المسلحة من غير الدول أيضًا.
وغني عن القول إن إزالة الأسلحة النووية وغيرها من أسلحة الدمار الشامل ستخدم الشعب الفلسطيني خير خدمة في نيل حقوقه السياسية. فالقضاء على التوتر والكراهية والراديكالية والتطرف في الشرق الأوسط، أو الحد منها على الأقل، هو خير ما يخدم القضية الفلسطينية. وحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني سيسحب الأسباب التي تدفع بعض دول الشرق الأوسط إلى امتلاك أسلحة نووية، وسيزيل أي تسويغ لدى الجماعات المسلحة من غير الدول لترويع حياة الآخرين. أما الموارد الهائلة التي تُهدر في سباق التسلح في الشرق الأوسط فينبغي إعادة توجيهها إلى تنمية الناس وحل مشكلاتهم الاجتماعية والاقتصادية. وهذه هي خير وسيلة لتمكين إسرائيل الآمنة من العيش في سلام، لا امتلاك المزيد من السلاح.
• قُدّمت هذه الورقة في ندوة «شرق أوسط خالٍ من أسلحة الدمار الشامل» التي عُقدت في البرلمان الاسكتلندي في 28 أيار/مايو 2012، ونظّمتها رابطة الأمم المتحدة – إدنبرة (UNA-Edinburgh) برعاية مالكولم تشيسهولم، عضو البرلمان الاسكتلندي.
• شكر خاص للدكتورة إرجيبت روزا (RÓZSA, Erzsébet)، من المعهد الهنغاري للشؤون الدولية، المديرة التنفيذية والباحثة الأولى لشؤون الشرق الأوسط والمنطقة الأورومتوسطية وعدم الانتشار، على مساعدتها القيّمة في كتابة هذه الورقة.
• مؤسس ومدير بال ثينك للدراسات الاستراتيجية، غزة، www.palthink.org، ويمكن التواصل معه على [email protected]
المجال: Regional & International Politics — المصدر الأصلي