تغطية إعلامية
مؤسسة بال ثينك للدراسات الاستراتيجية · 2018-09
تجادل المقالة بأن قرار إدارة ترامب وقف تمويل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) ليس مجرد إجراء مالي، بل جزء من مسعى أمريكي-إسرائيلي لإعادة تشكيل قضايا الوضع النهائي، ولا سيما القدس واللاجئين، بما يضغط على الفلسطينيين لقبول تسوية مفروضة. وترى أن تفكيك الأونروا قد يُستخدم لشطب صفة اللجوء عن ملايين الفلسطينيين وتقويض حق العودة، في ظل الانقسام الفلسطيني ومخاطر فصل غزة عن الضفة الغربية وما يحمله ذلك من تداعيات على الدول المضيفة للاجئين.
تجادل المقالة بأن قرار إدارة ترامب وقف تمويل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) ليس مجرد إجراء مالي، بل جزء من مسعى أمريكي-إسرائيلي لإعادة تشكيل قضايا الوضع النهائي، ولا سيما القدس واللاجئين، بما يضغط على الفلسطينيين لقبول تسوية مفروضة. وترى أن تفكيك الأونروا قد يُستخ…
لدى إدارة ترامب أجندة أعمق وأكثر قتامة من مجرد إحياء محادثات السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين.
في 31 آب/أغسطس، أعلنت إدارة ترامب أنها ستعلق كل الدعم المالي لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا). وفي عام 2016، قدمت الولايات المتحدة 368 مليون دولار للأونروا، ما يعني أن الوكالة حُرمت الآن من ثلث ميزانيتها.
ويمثل هذا فصلاً كارثياً جديداً في الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. وهو مثال آخر على فرض إسرائيل والولايات المتحدة «حقائق على الأرض» لوضع حد للقضية الفلسطينية، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بوضع القدس واللاجئين. ويُعد تجفيف موارد الأونروا المالية وسيلة لتحقيق غاية بالنسبة إلى واشنطن وتل أبيب.
ويعتقد بعض المراقبين أن المساعدات المالية الأميركية للأونروا هي رشوة لإبقاء الفلسطينيين معتمدين على المنظمات الدولية. ولهذا السبب يستعد الاتحاد الأوروبي للبحث عن مصادر تمويل بديلة للأونروا، مشيراً في بيان إلى أن وكالة الأمم المتحدة «حيوية للاستقرار والأمن» في الشرق الأوسط.
وتستخدم إدارة ترامب المساعدات سلاحاً. ولم يخفِ المسؤولون الأميركيون حقيقة أنهم يريدون امتلاك نفوذ على الفلسطينيين وإجبارهم على قبول خطة السلام التي طال انتظارها والتي وعد بها الرئيس دونالد ترامب.
وتكمن وراء هذه الإجراءات أجندة أعمق وأكثر قتامة من مجرد إحياء المفاوضات الفاشلة بين الإسرائيليين والفلسطينيين. فعلى مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية، وفرت محادثات السلام غطاءً لاستيلاء إسرائيل التدريجي على ما كان يُفترض أن يكون دولة فلسطينية مستقبلية، تكون القدس الشرقية عاصمتها. غير أن إدارة ترامب صاغت «عملية سلام» تستند إلى وضع فعلي أوجدته إسرائيل على الأرض.
وقد تم ذلك من خلال استهداف قضايا الوضع النهائي مثل الحدود، ووضع القدس، واللاجئين الفلسطينيين، بما يخدم الطرف الأقوى: إسرائيل. والعقبة الوحيدة هي إيجاد وسيلة للضغط على الفلسطينيين لقبول اتفاق سلام.
لقد نقلت إسرائيل حدودها بالفعل عبر حروب متعددة، وتهجير الفلسطينيين من منازلهم، وبناء المستوطنات اليهودية غير القانونية على الأراضي الفلسطينية. ومنذ حربي 1948 و1967، تعمل إسرائيل على الاستيلاء على ما تبقى من الأراضي الفلسطينية، تاركة مساحة ضئيلة في الضفة الغربية بسبب المستوطنات، فيما تحولت غزة إلى غيتو على شريط ساحلي صغير.
وفي كانون الأول/ديسمبر 2017، أعلنت الولايات المتحدة أن القدس هي عاصمة إسرائيل، ثم نقلت السفارة من تل أبيب إلى القدس في أيار/مايو 2018، رغم الغضب الذي أثاره ذلك لدى الفلسطينيين والمجتمع الدولي.
والهدف الثالث لإدارة ترامب هو إنهاء حق العودة للاجئين الفلسطينيين. ففي 4 أيلول/سبتمبر، قال السفير الأميركي لدى إسرائيل ديفيد فريدمان إن وقف تمويل الأونروا يعني أن الولايات المتحدة «ذبحت البقرة المقدسة»، في إشارة إلى المساعدات المقدمة للاجئين.
وخلال محادثات السلام، وافقت إسرائيل على عودة رمزية لعدة آلاف من اللاجئين الفلسطينيين إلى ما يُعد اليوم جزءاً من إسرائيل، وعودة لاجئين آخرين إلى الدولة الفلسطينية المستقبلية في الضفة الغربية وغزة. ولكن إذا رفضت إسرائيل الاعتراف بفلسطين كدولة، فإنها لن تسمح أبداً للاجئين من لبنان وسوريا والأردن بالانتقال إلى الضفة الغربية وغزة وأن يصبحوا مواطنين في دولة فلسطينية.
ولدى إسرائيل والولايات المتحدة حل بديل، إذ تفضلان تفكيك الأونروا وتهميش الفلسطينيين وسط المد المتزايد من اللاجئين الناجم عن الصراعات في العراق وسوريا وليبيا وأفغانستان. وتريد واشنطن وتل أبيب أن يصبح اللاجئون الفلسطينيون تحت مسؤولية وكالة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين)، أو الأفضل من ذلك أن يوضعوا تحت مسؤولية البلدان المضيفة لهم.
وفي آب/أغسطس، أفادت مجلة فورين بوليسي بأن جاريد كوشنر، صهر دونالد ترامب وكبير مستشاريه، كان يعمل على «التخلص» من الأونروا. والهدف الرئيسي من تعليق عمل الوكالة الأممية هو تجريد ملايين الفلسطينيين من صفتهم كلاجئين. وبهذا، سيتعين على هؤلاء اللاجئين السعي إلى إعادة توطين دائمة في البلدان المضيفة لهم مقابل تعويضات كبيرة لهذه الدول. وعندما تنتهي ولاية الأونروا بعد عامين، يبدو مؤكداً أن واشنطن ستحاول منع تجديدها. وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد جددت ولاية الأونروا آخر مرة في عام 2016.
وبالنسبة إلى الولايات المتحدة وإسرائيل، فالأمر بسيط: إذا لم تكن هناك أونروا، فلا توجد مشكلة لاجئين فلسطينيين. وإذا لم يكن هناك لاجئون، فلا يوجد حق عودة، وسيكون هناك ضغط أقل من أجل إقامة دولة فلسطينية. ويشير هذا إلى أن الأونروا واللاجئين استُخدموا سياسياً لتغيير شكل الحلول المطروحة للقضية الفلسطينية.
### الانقسام الفلسطيني
وبالنسبة إلى الفلسطينيين، تسود مشاعر القلق والغضب بين الناس وقيادتهم في أعقاب الخطوة الأميركية بوقف تمويل الأونروا. ومن الواضح أن اللاجئين يشعرون بالقلق إزاء تأثير ذلك على ظروفهم المعيشية في المخيمات.
ويعادل قرار ترامب خلق أزمة مالية وسياسية تهدف إلى تصفية الأونروا، التي تمثل الجزء الرئيسي من قرار الأمم المتحدة 194 الذي يدعو إلى حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم التي فقدوها عام 1948. وبالنظر إلى أن عودة جميع اللاجئين أمر غير مرجح، فإن الأونروا هي واقعياً العنصر الوحيد المتبقي من القرار. ولهذا يريد الأميركيون والإسرائيليون إلغاء الأونروا وتقويض القضية الفلسطينية.
وفي الوقت نفسه، أدانت جامعة الدول العربية القرار الأميركي بوقف تمويل الأونروا — التي أُنشئت بقرار من الأمم المتحدة يمثل موقف المجتمع الدولي — واعتبرت هذه الخطوة مناقضة للقانون الدولي.
وقد جاء القرار الأميركي في ظل الانقسام الفلسطيني وتعثر جهود المصالحة بين فتح وحماس. كما جاء في وقت أعلنت فيه حماس أنها تؤيد هدنة مع الاحتلال القائم، بدلاً من المضي قدماً في المصالحة الفلسطينية.
قد يدفع هذا بعض الفصائل الفلسطينية إلى قبول حلول إنسانية وفقًا لخطة ترامب. ومن المرجح أن يتطلب ذلك من الفلسطينيين تقديم تنازلات من أجل إقامة دولة، أكثر حتى مما كان مطلوبًا بعد اتفاق أوسلو عام 1993، مقابل مكاسب اقتصادية، وحكم ذاتي، ومساعدات إنسانية.
إذا جرى تفكيك الأونروا، فسيؤدي ذلك إلى فتح الباب أمام فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية. وهذا من شأنه عمليًا أن يحصر الدولة الفلسطينية في غزة وحدها، مع الإبقاء على الاحتلال في الضفة الغربية والقدس الشرقية، مع شكل ما من أشكال الحكم الذاتي للفلسطينيين. وهذا يلغي فكرة إقامة دولة فلسطينية على حدود عام 1967 ويقوض وحدة الشعب الفلسطيني ومصيره وتمثيله.
خارجيًا، فإن خطوة من هذا القبيل لإغلاق الأونروا ستشكل تحديًا سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا للدول المحيطة بإسرائيل من حيث التعامل مع أولئك الذين جُرّدوا من صفة اللجوء. وتخشى الدول المضيفة لهؤلاء اللاجئين الفلسطينيين، بما في ذلك لبنان والأردن وسوريا، هذا الإجراء وتداعياته. وقد حذّر وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي من أن وقف المساعدات للأونروا «لن يؤدي إلا إلى ترسيخ بيئة من اليأس من شأنها في نهاية المطاف أن تخلق أرضية خصبة لمزيد من التوتر».
إنه بالفعل فصل كارثي في هذا الصراع.