ععمر شعبان إسماعيلاقتصاد سياسي · فلسطين

منشور

هل ستنجح خطة جامعة الدول العربية لإعادة إعمار غزة؟

عمر شعبان إسماعيل · بال ثينك للدراسات الاستراتيجية · 2025

تقييم نقدي لخطة جامعة الدول العربية لإعادة إعمار غزة، يفحص إمكانية نجاحها في ظل الانقسام السياسي الفلسطيني وتضارب مصالح الأطراف الإقليمية.

لقد دمرت الحرب المستمرة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 قطاع غزة. وقد تعرض هذا الجيب الصغير على مرّ السنوات للعديد من النزاعات والحصارات الاقتصادية، وعانى آلاف القتلى ودمار البنية التحتية. وقد جعل الفشل في تنفيذ خطط البناء بعد الحرب لعامي 2021 و2014 غزة أكثر هشاشة على نحو مضاعف. وكان الدمار الذي خلفته الحروب السابقة قد ترك بالفعل آلاف الفلسطينيين بلا مأوى. لكن اليوم، بات الوضع كارثياً. فوفقاً لتحليل صور الأقمار الصناعية الذي أعده برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، خلّفت الحرب الجارية نحو 42 مليون طن متري من الأنقاض — أي ما يعادل 14 ضعف إجمالي الأنقاض الناتجة عن جميع النزاعات الأخرى في أنحاء العالم خلال السنوات الـ16 الماضية. فكيف يبدو الواقع على الأرض الآن؟ وهل ستنجح خطة جامعة الدول العربية في تجاوز التحديات المقبلة وإعادة إعمار غزة؟

بلغ الوضع في غزة مستويات جديدة من الدمار بعد تصاعد الأعمال العدائية بين حماس وإسرائيل في عام 2023. ومنذ ذلك الحين، قُتل ما يُقدّر بنحو 50,144 فلسطينياً، ووقع دمار واسع النطاق للمنازل، إذ دُمّر أو تضرر نحو 92 بالمئة من الوحدات السكنية. ويحتاج أكثر من 1.8 مليون مواطن بصورة عاجلة إلى مأوى طارئ وإلى المستلزمات المنزلية الأساسية. وقد تفاقم الوضع الإنساني في قطاع غزة مع فشل المجتمع الدولي في التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار، ومع فشل وقف إطلاق النار في يناير/كانون الثاني، الذي دخل حيّز التنفيذ في اليوم السابق لتنصيب رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب في 19 يناير/كانون الثاني 2025، في الانتقال إلى مرحلته الثانية.

وتقدّر الأمم المتحدة أن الإسكان لا يزال القطاع الأكثر تضرراً، إذ يستحوذ على الحصة الأكبر من احتياجات التعافي، مع تخصيص 15.2 مليار دولار — أو 30 بالمئة من إجمالي كلفة إعادة الإعمار — لإعادة بناء المنازل. ووفقاً لتقييم الاحتياجات والأضرار الذي أُجري بصورة مشتركة بين الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي، فإن إعادة إعمار غزة وتعافيها سيكلفان نحو 53.2 مليار دولار خلال العقد المقبل. ولا يمكن تأمين هذه الحاجة المالية الهائلة إلا في ظل استعداد وتصميم عدد من الأطراف الدولية والإقليمية الفاعلة، مثل جامعة الدول العربية. وقد صيغت عشرات خطط إعادة الإعمار، إلى جانب تصورات متنوعة لليوم التالي، بما في ذلك تشكيل حكومات مستقلة جديدة. ومع ذلك، لا تزال هذه الخطط بعيدة عن التنفيذ، ولا سيما أن وقف إطلاق النار فشل في الانتقال إلى المرحلة الثانية، مع استئناف إسرائيل الغارات الجوية والعمليات الهجومية على غزة، بما يعرّض مزيداً من مفاوضات وقف إطلاق النار للخطر.

وعند النظر في العديد من الخطط التي اقترحها مستشارون أجانب من دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، يتبين أنها قد تتناقض مع بعضها بعضاً وتهمّش الرؤية الفلسطينية. وبوجه عام، فإن لبعض هذه الخطط أهدافاً تختلف عن تخفيف معاناة الشعب الفلسطيني في غزة وإعادة بناء منازله. وتركّز خطط أخرى على الاقتصاد بدلاً من الحاجة الملحّة إلى حماية أرواح الفلسطينيين وضمان كرامتهم وحقوقهم الإنسانية. أما الخطط الأخرى فهي مجرد خطط تقنية، تقدم تصوراً عن الموارد المالية اللازمة لإعادة بناء منازل سكان غزة، وما الموارد البشرية والتقنية الأخرى المطلوبة لتحقيق ذلك.

في 4 مارس/آذار 2025، اقترحت جامعة الدول العربية في القاهرة خطتها لإعادة إعمار قطاع غزة. وجاءت هذه الخطة بوصفها مقترحاً مضاداً لخطة دونالد ترامب التي تقضي بتهجير الفلسطينيين من غزة من أجل إعادة إعمارها. ووفقاً لخطة جامعة الدول العربية، ستُشكّل لجنة إدارة جديدة لتولي الشؤون المدنية في قطاع غزة، مع ضمان أن يكون أعضاؤها من التكنوقراط الفلسطينيين المستقلين غير المنتمين إلى أي طرف سياسي أو عسكري. واستناداً إلى تجارب الحكم السابقة في غزة، ينبغي لأي حكومة ما بعد الحرب أن تعطي الأولوية أخيراً لبناء السلام، والاستقرار الاقتصادي، وحماية الحياة البشرية في غزة.

وفي معارضة لأي خطة أخرى تقترح إنشاء حكومة أو سلطة تقودها جهة دولية في غزة، تقترح خطة جامعة الدول العربية حكومة تكنوقراطية.

ومن بين التحديات التي تواجه الخطة وتنفيذها الناجح استمرارُ انعدام الاستقرار الأمني والحرب في غزة. ويجب الاتفاق على شروط وقف إطلاق النار وتنفيذها بصورة راسخة حتى يمكن تطبيق أي خطة لإعادة الإعمار. وقد فشلت خطط إعادة الإعمار السابقة في غزة بسبب الحروب المتكررة منذ عام 2008. ويجب أن يشرك تنفيذ خطط إعادة إعمار غزة قوات حفظ السلام والفلسطينيين المستقلين. ومن غير المنطقي استبعاد الفلسطينيين الذين يعرفون جيداً السياق والتطلعات وما الذي يمكن أن يبدو عليه مستقبل واعد.

ويبقى السؤال هذه المرة مفتوحاً حول ما إذا كانت خطة جامعة الدول العربية ستكون قادرة على إعادة إعمار قطاع غزة، وما إذا كانت الجامعة ستتحرك أخيراً ككتلة موحدة لدعم الفلسطينيين الذين سبق أن خذلتهم. وسؤال آخر هو كيف يمكن لهذه الخطة أن تثبت للعالم أن عملية إعادة إعمار غزة يمكن أن تمضي قدماً من دون محو الفلسطينيين من وطنهم. والأمل أن يوحّد القادة العرب جهودهم لدفع الخطة قدماً وتنفيذها بطريقة تعيد الحياة إلى غزة وإلى سكانها الذين تحملوا وطأة ظروف معيشية قاسية طوال السنوات الـ16 الماضية.

لكي تكتمل خطة جامعة الدول العربية أو أي خطة أخرى، يجب أولًا تحقيق إعادة التوحيد الوطني الفلسطيني. فقد أدّت سنوات الانقسام الفلسطيني الطويلة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية للشعب الفلسطيني. وفي الماضي، فشلت إعادة التوحيد لأن حركة حماس كانت تخشى أن يؤدي اندماجها في السلطة الفلسطينية إلى نزع سلاحها والتخلي عن المقاومة المسلحة. وفي ضوء هذا السياق، لا بد من إنهاء الانقسام، وأن تجري انتخابات رئاسية وتشريعية محتملة في السنوات المقبلة، وهو ما يمكن تحقيقه إذا جرى تنفيذ خطة الجامعة. وكما صرّح محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية، فإن هذه الانتخابات لا يمكن أن تتم إلا «إذا سمحت الظروف». وبرعاية السلطة الفلسطينية، تقترح الخطة العربية إطارًا يقوم على إنشاء إدارة انتقالية تتولى حكم قطاع غزة ومعالجة الموقع السياسي لحماس في القطاع.

لا يمكن أن تقتصر خطة إعادة الإعمار في غزة على البنية التحتية وحدها، بل يجب أن تتناول أيضًا التحديات الاقتصادية الكامنة التي ابتُلي بها قطاع غزة لسنوات. ومع الارتفاع الحاد في معدلات البطالة في غزة منذ اندلاع الحرب، قد تتيح خطة جامعة الدول العربية فرصة لتطوير الاقتصاد الفلسطيني، والمساهمة في تحسين أوضاع الفلسطينيين ورفاههم من خلال تحفيز النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل.

وبينما حظيت الخطة التي تقودها الدول العربية بدعم دول أوروبية مثل فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة وإيطاليا، فإن إسرائيل ما زالت ترفضها باعتبارها لم تأخذ في الحسبان الوقائع التي أعقبت هجوم حماس. وتمثل خطة جامعة الدول العربية لإعادة إعمار غزة مقترحًا جريئًا وضروريًا يهدف إلى معالجة كل من الأزمة الإنسانية الفورية واحتياجات التنمية طويلة الأجل في قطاع غزة. كما أنها تيسّر إنشاء حكومة جديدة من شأنها الحفاظ على السلام في غزة، والعمل بصورة مستقلة لتأمين الوضع وتحقيق الاستقرار. وفي حين لا تزال التحديات قائمة وإمكانية إعادة الإعمار بعيدة المنال، فإن الخطة تقدم أملًا في التأثير على تحول في حياة الفلسطينيين في غزة. غير أنه مع شنّ إسرائيل حملة عسكرية جديدة على غزة بعد فشل اتفاق وقف إطلاق النار في الانتقال إلى مرحلته الثانية، باتت خطط إعادة الإعمار معلّقة الآن. وسيكون وقف إطلاق نار دائم شرطًا مسبقًا لأي خطة لإعادة الإعمار.

عمر شعبان هو مؤسس ومدير مركز بال ثينك للدراسات الاستراتيجية، ومحلل أول وخبير تنمية يتمتع بخبرة واسعة في فلسطين. وتشمل خبراته الديمقراطية والحوكمة، والتطوير المؤسسي، والاستجابات الإنسانية واستجابات الطوارئ، والتمويل الأصغر، والتنمية المجتمعية، والرصد والتقييم والمساءلة والتعلّم، وحشد التمويل. وقد انخرط عمر على مدى 15 عامًا في جهود حل النزاعات والمصالحة الوطنية في فلسطين، وعمل مع العديد من الجهات المانحة والوكالات الدولية.

المصدر: https://dialogueinitiatives.org/will-the-arab-league-plan-to-reconstruct-gaza-work/

المجال: Gaza Reconstruction — Arab League · reconstruction · post-war governance · Egypt · Gulf states — المصدر الأصلي

تغطية إعلامية ذات صلة

كل المنشورات