منشور
عمر شعبان إسماعيل · معهد الشرق الأوسط · 2016
يرى عمر شعبان أن العوامل التي سبقت حرب غزة 2014 ما زالت قائمة: بطء الإعمار، تعثر المصالحة الفلسطينية، توقف مسار التهدئة بوساطة مصرية، وتفاقم الأزمة الإنسانية، ما يبقي خطر حرب جديدة مرتفعًا رغم سعي حماس وإسرائيل لتجنبها مؤقتًا. ويشير إلى مؤشرات التصعيد المتبادل، مثل اتهامات إسرائيل لحماس بحفر الأنفاق وتهديدات حماس بانفجار الأوضاع إذا لم يُرفع الحصار، إضافة إلى تفجير حافلة القدس في 18 أبريل 2016 وما أثاره من مخاوف من تكرار سيناريو 2014. ويطرح مخرجين أساسيين: مصالحة فلسطينية كاملة تعيد غزة لسيطرة السلطة الفلسطينية، أو هدنة طويلة الأمد بين حماس وإسرائيل بضمانات إقليمية، خاصة من مصر. كما يبرز عقبات عملية، منها عدم الاعتراف بنحو 41 ألف موظف مدني عينتهم حماس، ويدعو السلطة وحماس ومصر والمجتمع الدولي إلى التحرك العاجل لمنع كارثة جديدة.
عمر شعبان، مايو 2016: منع حرب جديدة في غزة يتطلب مصالحة فلسطينية كاملة أو هدنة طويلة الأمد برعاية إقليمية.
باستثناء عملية إعادة الإعمار البطيئة للغاية لما دُمِّر خلال الحرب الإسرائيلية-الغزّاوية الأخيرة في صيف عام 2014، فإن الظروف التي سبقت تلك الحرب ما تزال قائمة. ولا تزال عملية المصالحة الفلسطينية شكلية، كما أن المفاوضات بشأن هدنة بين إسرائيل وحماس، التي كان من المفترض أن تُستأنف برعاية مصرية، قد تعثرت، فيما تزداد الأوضاع الإنسانية في غزة تدهورًا. ومن دون تحسن في أي من هذه القضايا، تبقى مخاطر اندلاع جولة جديدة من القتال مرتفعة. وبالفعل، تتسارع وتيرة الحشد والاستعداد من قبل حماس وإسرائيل لجولة حرب جديدة.
وخلال الأشهر الماضية، واصلت الحكومة الإسرائيلية الادعاء بأن حماس تعمل على تطوير قدراتها العسكرية، ولا سيما من خلال بناء أنفاق هجومية تحت الحدود مع إسرائيل. وفي أوائل أيار/مايو 2016، قالت إسرائيل إنها اكتشفت نفقًا يمتد من غزة إلى داخل أراضيها، معتبرةً ذلك إعلان حرب من جانب حماس.
ومن ناحية أخرى، واصلت حماس التهديد بالتصعيد إذا لم يُرفع الحصار عن غزة. ومن بين عشرات التصريحات في هذا السياق، جاء في أحد التصريحات الصادرة عن كتائب القسام، الجناح العسكري لحماس، أن الوضع في غزة لن يبقى هادئًا طويلًا، وأنه “سينفجر” إذا لم يُنهَ الحصار.
وفي تطور مهم ذي صلة، فجّر فلسطيني نفسه في حافلة إسرائيلية في القدس في 18 نيسان/أبريل 2016، ما شكّل تطورًا جديدًا في سياق موجة العنف الفلسطيني-الإسرائيلي في القدس ومناطق الضفة الغربية منذ تشرين الأول/أكتوبر 2015. وقالت حماس إن منفذ العملية “أبو سرور” كان أحد أعضائها، ما أثار مخاوف جدية بشأن تكرار السيناريو الذي مهد الطريق لحرب غزة عام 2014. ففي ذلك الوقت، عُثر على ثلاثة مستوطنين إسرائيليين قتلى في 30 حزيران/يونيو 2014 في منطقة الخليل بالضفة الغربية، بعد 18 يومًا من اختفائهم. وكانت تلك الحادثة سببًا مباشرًا لحرب صيف 2014.
لذلك، فإن تحقيق انفراجة فورية في قطاع غزة، وتجنب حرب مستقبلية، يرتبط بأحد الخيارين التاليين أو كليهما:
1. مصالحة فلسطينية كاملة تعيد سيطرة السلطة الفلسطينية على قطاع غزة
على الرغم من عدة اتفاقات مصالحة بين السلطة الفلسطينية وحماس، كان أولها في أيار/مايو 2011 في القاهرة وآخرها في نيسان/أبريل 2014، لم يُحرز سوى تقدم ضئيل على الأرض يعكس هذه الاتفاقات. وقد شُكِّلت حكومة وفاق وطني بعد اتفاق 2014، لكن سلطتها في قطاع غزة ظلت اسمية، إذ إن عددًا من المشكلات ظل دون حل، وفي مقدمتها عدم اعترافها بالموظفين المدنيين الذين عينتهم حماس والذين بلغ عددهم نحو 41,000 موظف.
واصل الموظفون المدنيون الذين عينتهم حماس إدارة شؤون غزة من دون أن تعترف بهم حكومة الوفاق الوطني. غير أن حماس لم تتمكن من دفع رواتبهم بانتظام بسبب الأزمة المالية الحادة الناجمة عن انهيار التجارة مع سيناء عبر الأنفاق، التي كانت أهم مصدر لإيرادات حماس. وهكذا، يظل قطاع غزة عمليًا خارج سيطرة النظام السياسي الفلسطيني وحكومة الوفاق الوطني التي تتخذ من رام الله مقرًا لها، بينما تواصل حماس حكم القطاع مدنيًا وعسكريًا.
إن المصالحة الكاملة ستعيد غزة إلى سيطرة السلطة الفلسطينية، وبالتالي ستدخل جميع الاتفاقات بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل حيز التنفيذ في غزة، وفي مقدمتها اتفاق السلام.
2. اتفاق هدنة بين حماس وإسرائيل
في 26 آب/أغسطس 2014، تم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بعد 51 يومًا من العملية العسكرية الإسرائيلية ضد غزة، التي حملت اسم “الجرف الصامد”، والتي شهدت أيضًا إطلاق حماس وفصائل مسلحة أخرى مئات الصواريخ على إسرائيل. وبموجب المبادرة المصرية لوقف إطلاق النار، كان من المفترض أن تواصل القاهرة جهودها لتعزيز اتفاقات وقف إطلاق النار من خلال العمل على إبرام هدنة بين حماس والجهاد الإسلامي من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى. غير أن ذلك لم يتابع بسبب استمرار العلاقات المتوترة بين حكومة السيسي وحماس. وبعبارة أخرى، فإن الهدوء القائم بين حماس وإسرائيل ليس رسميًا، بل يُدار من خلال تفاهمات شفهية غير مباشرة. ومن وقت إلى آخر، تؤكد إسرائيل وحماس رغبتهما في الحفاظ على الهدوء، رغم المناوشات المتقطعة على طول الحدود التي تستمر بضع ساعات في كل مرة. وستكون هناك حاجة إلى هدنة طويلة الأمد بين حماس وإسرائيل إذا لم تتحقق المصالحة بين الفصائل الفلسطينية. ويمكن التوسط في هدنة وضمانها من قبل أطراف إقليمية، وعلى رأسها مصر.
## الحاجة إلى خفض التصعيد
يرى بعضهم أن جولة جديدة من القتال باتت حتمية في ظل حالة الجمود في المفاوضات، وسط استمرار الاستعدادات للمعركة المقبلة، التي قد تكون أشد وحشية من سابقتها. بينما يجادل آخرون، وأنا منهم، بأن السمة الثابتة لسياسات كل من حماس وإسرائيل في المدى القريب هي الرغبة في تجنب مواجهة جديدة. وربما تكون الحرب الإعلامية الحالية بين الجانبين مصممة لتجنب الحرب لا للتسبب بها، من خلال قرع أجراس الإنذار بما يدفع أيضًا القوى الإقليمية إلى التحرك.
اندلعت مناوشات بين حماس وإسرائيل على طول حدود غزة يومي 4 و5 أيار/مايو، لكن، ووفقًا لهذا التقييم، سعى الطرفان بسرعة إلى خفض التصعيد. وبالفعل، فإن التصريحات الصادرة عن الجانبين، على سبيل المثال من كتائب القسام ومنسق أنشطة الحكومة الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية، يوآف مردخاي، أكدت الالتزام بتجنب التصعيد. كما سارعت القوى الإقليمية، مصر وتركيا وقطر، رغم تباين مواقفها من حماس، إلى التدخل لمنع مزيد من التدهور.
غير أن هذه الجهود تظل غير كافية على المدى الطويل. فقد فشلت ثلاث حروب خلال خمس سنوات في حل الوضع في غزة. ولم ترفع إسرائيل الحصار وتواصل منع إنشاء ميناء في غزة، فيما لا تزال حماس تحكم هذا الإقليم المحاصر، وهي اليوم أقوى مما كانت عليه قبل الحروب الثلاث، ولا سيما على المستوى العسكري.
قد يرغب طرفا الصراع في تجنب التصعيد، ولو مؤقتًا، لكنهما لا يملكان القدرة على منع جولة جديدة من القتال في ظل هشاشة الهدنة غير الرسمية القائمة؛ وانشغال القوى الإقليمية بمشكلات أخرى؛ وتدهور الأوضاع الإنسانية في غزة.
الحرب خيار مكلف لجميع المعنيين، ويجب التركيز على البناء على الرغبة الحالية لدى كلٍّ من إسرائيل وحماس في تجنب حرب شاملة، وتحقيق الاستقرار. ويجب على السلطة الفلسطينية وحماس استكمال المصالحة بينهما، وعلى مصر أن تدعو الأطراف المعنية إلى استئناف مفاوضات الهدنة، وعلى المجتمع الدولي أن يتدخل على وجه السرعة لمنع وقوع كارثة، قبل أن تحدث.
المجال: Gaza Politics — Reconstruction · humanitarian conditions · reconciliation — النص © Middle East Institute — محفوظ هنا مع الإسناد إلى المصدر. — المصدر الأصلي