منشور
عمر شعبان إسماعيل · المركز العربي — واشنطن · 2022
مراجعة لأكثر من 40 مليار دولار من المساعدات الدولية للفلسطينيين منذ أوسلو، وإشكاليات التسييس وضعف الأثر التنموي.
في أعقاب توقيع اتفاقيات أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في عام 1993، عُقد مؤتمر دولي في واشنطن لضمان الملاءة المالية للسلطة الوطنية الفلسطينية المنشأة حديثًا. وشملت الأهداف الرئيسية آنذاك تمويل التنمية الاقتصادية في الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة، والمساهمة في الاستقرار في الشرق الأوسط، وإدخال الأسواق المحررة، مع العمل أيضًا على استدامة المؤسسات الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان. ووفقًا للأرقام التي جمعتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، بلغت المساعدات المقدمة للفلسطينيين أكثر من 40 مليار دولار بين عامي 1994 و2020. وذهب الجزء الأكبر من هذه المساعدات (35.4 بالمئة) لدعم موازنة السلطة الفلسطينية، بينما خُصص الباقي لخدمات وقطاعات اقتصادية مختلفة في الأراضي الفلسطينية. وجاءت الحصة الأكبر من المساعدات — نحو 72 بالمئة — من عشرة مانحين: الاتحاد الأوروبي (18.9)، والولايات المتحدة (14.2)، والسعودية (9.9)، وألمانيا (5.8)، والإمارات العربية المتحدة (5.2)، والنرويج (4.8)، والمملكة المتحدة (4.3)، والبنك الدولي (3.2)، واليابان (2.9)، وفرنسا (2.7).
قدّم المانحون غير العرب ما يقارب 77 بالمئة من إجمالي المساعدات خلال الفترة المعنية. وكان من أبرز المانحين:
الاتحاد الأوروبي: بدافع الرغبة في المساعدة على تنفيذ حل الدولتين، وكذلك معالجة الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية الخطيرة في المجتمع الفلسطيني، يوجّه الاتحاد الأوروبي بانتظام مساعداته عبر عدة قنوات، بما في ذلك مؤسسات السلطة الفلسطينية، ووكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا)، ومنظمات الرعاية الصحية والرعاية الاجتماعية، ومجموعات أخرى تعمل في القضايا الإنسانية والتعليمية وغيرها من القضايا الاجتماعية. وفي أعقاب تعليق جزئي للأموال في عام 2020 — كان المقصود منه فرض تغييرات في المناهج التعليمية الفلسطينية — أفرج الاتحاد الأوروبي عن نحو 215 مليون يورو من المساعدات التي كان قد حجبها. وفي المتوسط، يقدّم الاتحاد الأوروبي أكثر من 600 مليون يورو سنويًا كمساعدات للفلسطينيين.
الولايات المتحدة: تأثرت المساعدات الأميركية للفلسطينيين على مر السنين بتقلبات العلاقات الأميركية-الإسرائيلية، وكذلك بالدور المركزي الذي اضطلعت به واشنطن في توجيه ما تبقى من عملية سلام بين إسرائيل وفلسطين. ومع ذلك، تُعد الولايات المتحدة ثاني أكبر مصدر للمساعدات للفلسطينيين. وفي أعقاب خفض حاد للمساعدات الأميركية خلال إدارة ترامب — حاول من خلاله الرئيس آنذاك دونالد ترامب استخدام المساعدات كورقة ضغط لإجبار الفلسطينيين على قبول خطته للسلام المسماة «صفقة القرن» — استأنفت إدارة بايدن التمويل في عام 2021، بقيمة قاربت 250 مليون دولار. ومن المهم أن هذه الدفعة من المساعدات تضمنت 150 مليون دولار للأونروا، التي توفر الدعم لملايين اللاجئين الفلسطينيين الذين يعيشون سواء تحت السيطرة الإسرائيلية أو في البلدان العربية المجاورة. وخلال زيارته الأخيرة إلى فلسطين، أعلن الرئيس جو بايدن عن حزمة مساعدات إضافية بقيمة 316 مليون دولار، خُصص منها 201 مليون دولار للأونروا. كما تضمنت الحزمة مساهمة متعددة السنوات بقيمة 100 مليون دولار لمستشفيات القدس الشرقية. وعلى الرغم من أن مسؤولي الإدارة شددوا على ضرورة التخفيف من الظروف الاقتصادية المتردية في فلسطين، فإن الخطوات الرامية إلى معالجة هذه المسألة يجب أن تشمل أيضًا الاهتمام بالحقوق السياسية والوطنية للفلسطينيين.
في أعقاب خفض حاد للمساعدات الأميركية خلال إدارة ترامب من أجل إجبار الفلسطينيين على قبول خطة السلام المسماة «صفقة القرن»، استأنفت إدارة بايدن التمويل في عام 2021، بقيمة قاربت 250 مليون دولار.
الدول المنفردة: تُعد ألمانيا والنرويج والمملكة المتحدة وفرنسا واليابان من بين البلدان الأكثر التزامًا بمساعدة الفلسطينيين. وقد بلغت مساهماتها مجتمعة أكثر من 20 بالمئة من إجمالي المساعدات بين عامي 1994 و2020. وكان شاغلها الرئيسي هو مساعدة السلطة الفلسطينية، بالنظر إلى أنها الكيان السياسي الفلسطيني الوحيد المعترف به دوليًا والمسؤول عن إدارة الأراضي الفلسطينية المحتلة.
البنك الدولي: بوصفه المؤسسة المالية الدولية المسؤولة عن دعم التنمية الاقتصادية، قدّم البنك الدولي للفلسطينيين كلًا من المساعدة والخبرة. وبلغت مساهماته في الاقتصاد الفلسطيني خلال الفترة المعنية 1.3 مليار دولار (أو 3.2 بالمئة من الإجمالي). كما يمارس البنك الدولي تأثيرًا كبيرًا على عملية المساعدات، إذ يساعد في تحديد أجندة مساعدات المانحين والمساعدة في إدارة الأموال المتبرع بها.
وتُظهر نظرة إلى خريطة توزيع المساعدات أن خمس دول عربية قدّمت النصيب الأكبر من المساعدات العربية للفلسطينيين بين عامي 1994 و2020، بإجمالي بلغ نحو 8.5 مليار دولار. وجميع هذه الدول غنية بالنفط والغاز، وهو ما يمنحها ليس فقط دورًا محوريًا في ضمان رفاه الفلسطينيين، بل يعزز أيضًا قدرتها على التأثير في القضية الفلسطينية. وكان أكبر المانحين خلال هذه الفترة السعودية بقيمة 4 مليارات دولار، تلتها الإمارات العربية المتحدة (2.1 مليار دولار)، والجزائر (908 ملايين دولار)، وقطر (766 مليون دولار)، والكويت (758 مليون دولار). لكن في عام 2020، انخفضت المساعدات العربية بشكل كبير، ostensibly بسبب اعتبارات اقتصادية ناجمة عن جائحة كوفيد-19. فعلى سبيل المثال، انخفضت المساعدات السعودية بما يزيد قليلًا على 77 بالمئة مقارنة بالعام السابق، بينما جفّت المساعدات الجزائرية بالكامل. غير أن البعض عزوا هذا التراجع — على الأقل في المساعدات السعودية — إلى اعتبارات سياسية مرتبطة بجهود إدارة ترامب لإجبار السلطة الفلسطينية على قبول خطتها للسلام. ولكن بصرف النظر عن الاعتبارات الاجتماعية أو السياسية، فإن توفير العالم العربي لرفاه الفلسطينيين ظل منذ زمن طويل أمرًا أساسيًا، نظرًا لارتباطه بالتضامن المعلن من الدول العربية مع القضية الفلسطينية وإصرارها على أهمية معالجة الحقوق السياسية والوطنية للفلسطينيين.
كان أكبر مانح عربي من 1994 إلى 2020 هو السعودية بقيمة 4 مليارات دولار، تلتها الإمارات العربية المتحدة (2.1 مليار دولار)، والجزائر (908 ملايين دولار)، وقطر (766 مليون دولار)، والكويت (758 مليون دولار).
أحد العوامل التي تؤثر في كلٍّ من الدعم المالي الدولي والعربي للفلسطينيين هو الانقسام السياسي القائم بين الضفة الغربية وقطاع غزة، والذي بدأ عندما سيطرت حماس على الحكم في غزة عام 2007. وكما يكتب ناثان براون، فإن الانقسام تسبب في انخفاض مساهمات المانحين لأن كثيرين لم يرغبوا في أن تتهمهم إسرائيل أو الولايات المتحدة بمساعدة حماس، التي تعتبرها الدولتان منظمة إرهابية. وبدلاً من ذلك، يجادل براون بأن «الاهتمام، والطاقة الدبلوماسية، والأموال تحولت إلى أماكن أخرى (في المقام الأول إلى الضفة الغربية والسلطة الفلسطينية هناك)». لكن السلطة الفلسطينية لم تُهمل قطاع غزة بعد الانقسام مع حماس، وهي تقدم جزءاً من المساعدات الموردة إلى غزة. وفي الوقت نفسه، أصبحت قطر — لأسباب إنسانية وكذلك سياسية — المزوّد الرئيسي لقطاع غزة. ومن عام 2012 إلى 2021، قدمت الدولة الصغيرة الواقعة على شبه جزيرة لقطاع غزة 1.3 مليار دولار، بما في ذلك 500 مليون دولار عقب الهجوم الإسرائيلي على غزة في مايو/أيار 2021.
## ما الأثر الذي تتركه المساعدات الدولية؟
لقد أثقل سؤال الأثر الذي تُحدثه المساعدات الدولية في فلسطين كاهل السياسيين والنشطاء والفلسطينيين العاديين. وفي تحليل استشرافي، تجادل يارا عسي بأنه منذ توقيع اتفاقيات أوسلو، «لا يبدو أن أحداً يعرف بعد الآن ما هو الغرض طويل الأمد من المساعدات في فلسطين». وتطرح سؤالاً مهماً، متسائلة عما إذا كانت المساعدات تهدف «إلى دعم بناء المؤسسات من أجل حل الدولتين، أم إلى توفير تمويل طارئ لعقود لسكان يعانون عنفاً وحرماناً مستمرين». وترى عسي أن حل الدولتين لم يعد يبدو واقعياً، وتكتب أنه رغم استمرار المساعدات، فإن «أقل من نصف الأسر الفلسطينية كانت تتمتع بالأمن الغذائي في عام 2020»، بينما يستمر الفقر في الارتفاع وتبقى البطالة مرتفعة في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة. وإضافة إلى ذلك، أفاد البنك الدولي في مايو/أيار الماضي بأنه رغم جميع الجهود الرامية إلى معالجة العجز المالي للسلطة الفلسطينية، فإن السلطة لا تزال مدينة للقطاع الخاص، ولصندوق التقاعد الخاص بها، وللاقتراض المحلي.
يخضع الكثير من المساعدات التي يتلقاها الفلسطينيون من العالم العربي والمجتمع الدولي إما لسياسات التضامن أو لاعتبارات سياسية تركز على واقع الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي.
وبالنظر إلى هذه الاعتبارات، فإن بضعة تعليقات مهمة تصبح ضرورية عندما يتعلق الأمر بالمساعدات الدولية للشعب الفلسطيني، ولا سيما الجزء المخصص للموازنة العامة للسلطة الفلسطينية. أولاً، يخضع الكثير من المساعدات التي يتلقاها الفلسطينيون من العالم العربي والمجتمع الدولي إما لسياسات التضامن أو لاعتبارات سياسية تركز على واقع الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. وفي حسابات المانحين، فإن التركيز على دعم السلطة الفلسطينية لكي تتمكن من الاستمرار في ضمان السلام والاستقرار يفوق بكثير أهمية الخطط التنموية التي يمكن أن تُحسن استخدام المساعدات. ونتيجة لذلك، لا يشعر معظم الفلسطينيين بألفة تُذكر مع المانحين الدوليين، الذين نادراً ما يستفيدون مباشرة من مساعداتهم. ثانياً، وبحكم طبيعتها ذاتها، تُوعَد المساعدات الخارجية من دون ضمانات بأن الأموال ستُسلَّم. ويؤثر هذا الاضطراب في قدرة السلطة الفلسطينية على التنبؤ بمصدر هذه المساعدات ومقدارها ووجهة استخدامها، مما يجعل إدارة المالية العامة في الأراضي الفلسطينية المحتلة أكثر تعذراً على التنبؤ، ويعيق بالتالي جهود السلطة الفلسطينية لوضع مبادرات تنموية وتنفيذها.
ثالثاً، حتى عندما تكون التنمية الاقتصادية أولوية لدى المانحين الدوليين، فإن الطبيعة المتزايدة التعقيد للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي تجعل تنفيذ المشاريع التنموية أمراً يصعب تحقيقه. وهذا بدوره يدفع المانحين إلى تخصيص معظم مساعداتهم لمعالجة الاحتياجات الإنسانية العاجلة والعجز في موازنة السلطة الفلسطينية. رابعاً، والأهم من ذلك، أن واقع احتلال إسرائيل للأرض الفلسطينية وما تمارسه من سيطرة سياسية واقتصادية على المؤسسات الفلسطينية يتسبب في توجيه جزء كبير من المساعدات المخصصة للفلسطينيين إلى الاقتصاد الإسرائيلي بدلاً من ذلك، مما يجعل هذه الأموال عديمة الجدوى بالنسبة إلى السلطة الفلسطينية أو الاقتصاد الفلسطيني عموماً. والواقع أن الفوائد التي تجنيها إسرائيل من استعمارها للضفة الغربية ومن حصارها لغزة تحدّ بشكل خطير من نطاق ما يستطيع الفلسطينيون إنجازه بالمساعدات الدولية التي يتلقونها.
## مساعدات بلا تنمية
في ضوء هذا التحليل لطبيعة المساعدات الدولية للفلسطينيين وغرضها وحجمها وأثرها، لا بد من استخلاص أن المساعدات الدولية، منذ إنشاء السلطة الفلسطينية، أخفقت في تحقيق تطلع الفلسطينيين إلى وضع اقتصادهم على مسار النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة. ويعود هذا الإخفاق إلى حالة الجمود في عملية السلام الفلسطينية-الإسرائيلية وإلى تكرار التطورات السياسية والأمنية الدراماتيكية. كما تسببت فيه سياسات إسرائيل وممارساتها، بما في ذلك استمرار سيطرتها على أجزاء واسعة من الأراضي الفلسطينية، وفرضها قيوداً شديدة على حرية تنقل الأشخاص والبضائع على السواء، وهجماتها العسكرية الدورية على قطاع غزة، وكل ذلك أدى إلى تغييرات في كل من نطاق المساعدات الدولية وتركيزها. وتواصل هذه العوامل دفع المانحين الدوليين إلى التركيز على الإغاثة ومعالجة الاختلالات والتشوهات التي نشأت نتيجة الحصار والانقسام والهجمات الإسرائيلية المتكررة، بدلاً من العمل على تحقيق التنمية الحقيقية التي يسعى الفلسطينيون إلى إنجازها.
Pal-Think للدراسات الاستراتيجية
المجال: Palestinian Economy — international aid · politicization · UNRWA · Palestinian Politics · donor coordination — النص © Arab Center Washington DC — محفوظ هنا مع الإسناد إلى المصدر. — المصدر الأصلي