ععمر شعبان إسماعيلاقتصاد سياسي · فلسطين

منشور

حماس ومرسي: ليس سهلاً بين الإخوة

عمر شعبان إسماعيل · مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي · 2012

تحليل مؤسسة كارنيغي (2012) للعلاقة بين حماس والرئيس المصري محمد مرسي. يؤكد شعبان أنه رغم القرابة الأيديولوجية، أنتجت العلاقة تغييرات تدريجية لا بنيوية — المؤسسة العسكرية المصرية أبقت على تشككها، وهيمن ملف أمن سيناء على أجندة القاهرة، والقيود الجوهرية على غزة ظلت دون تغيير.

تحليل مؤسسة كارنيغي (2012) للعلاقة بين حماس والرئيس المصري محمد مرسي. يؤكد شعبان أنه رغم القرابة الأيديولوجية، أنتجت العلاقة تغييرات تدريجية لا بنيوية —…

القرابة الطبيعية بين الرئيس مرسي وحماس يقابلها حاجة جماعة الإخوان المسلمين إلى إثبات قدرتها على تبنّي سياسة خارجية معتدلة.

استقبلت حماس بابتهاج تثبيت محمد مرسي رئيساً جديداً لمصر في حزيران/يونيو. وكان لها في ذلك سبب وجيه: فحماس هي الفرع الفلسطيني لجماعة الإخوان المسلمين التي ينتمي إليها الرئيس المصري. وسرعان ما بادلها مرسي هذا الترحيب فاستقبل قائد حماس خالد مشعل ونائبه موسى أبو مرزوق في 20 تموز/يوليو، ثم بعد ستة أيام إسماعيل هنية، رئيس حكومة حماس في غزة. وفي 17 أيلول/سبتمبر، استقبل رئيس الوزراء المصري الجديد هشام قنديل هنية استقبالاً رسمياً لبحث العلاقات الاقتصادية والسياسية الثنائية. غير أنه رغم هذا الانفتاح الأولي الدافئ، قد يُسفر فوز مرسي الانتخابي في نهاية المطاف عن تكاليف للحركة الفلسطينية تفوق مكاسبها.

فالقرابة الطبيعية بين مرسي وحماس تقابلها حاجة الإخوان إلى إثبات قدرتهم، أمام منتقديهم في الداخل وأمام المجتمع الدولي، على حكم مصر وعلى تبنّي سياسة خارجية معتدلة — تجاه إسرائيل على وجه الخصوص. وسيكون الحفاظ على هذا التوازن عسيراً، إذ تتباعد مصالح مرسي وحماس تباعداً حاداً في ثلاث قضايا رئيسية: حرية حركة الأشخاص والتجارة بين مصر وقطاع غزة؛ والأمن في صحراء سيناء؛ وعملية السلام الإسرائيلية-الفلسطينية.

كان بوسع حماس أن تتحدى الرئيس السابق حسني مبارك علناً في هذه القضايا، لكن عليها أن تكون أكثر تحفّظاً وتعاوناً حين يتعلق الأمر بمرسي — وإلا خاطرت بعواقب وخيمة.

أولوية حماس القصوى هي ضمان حرية حركة الأشخاص والبضائع عبر معبر رفح بين غزة ومصر. فالأنفاق بين غزة وسيناء مكّنت حكومة هنية من التخفيف من النقص الحادّ في السلع ومواد البناء الناجم عن الحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع منذ 2006. غير أن هذه التجارة باتت مهددة. فقد أطلقت الحكومة المصرية مسعى جدياً لإغلاق الأنفاق — التي ظلت تعمل بلا انقطاع في عهد مبارك وفي عهد المجلس العسكري الذي حكم مصر بين 2011 و2012 — عقب الهجوم الإرهابي في 5 آب/أغسطس الذي أودى بحياة ستة عشر جندياً مصرياً في سيناء.

والرهانات كبيرة بالنسبة إلى حكومة هنية، التي تعتمد اعتماداً شديداً على تجارة الأنفاق غير القانونية مصدراً للإيراد. أما التقديرات القائلة إنها تجني نحو مليار دولار سنوياً من ضرائب الاستيراد فهي مبالغ فيها على الأرجح، لكن المبلغ يبلغ قطعاً مئات الملايين من الدولارات. فالحكومة تفرض خمسين سنتاً على كل لتر بنزين، مع ما يُقدَّر بـ500 ألف لتر تدخل يومياً من مصر. ويُجبى ثمانون سنتاً على كل علبة سجائر، مع دخول نحو 300 ألف علبة إلى غزة يومياً. وتُفرض 15 دولاراً على كل طن من حديد البناء، بواقع 300 طن يومياً، بينما يُفرض على الإسمنت 10 دولارات للطن، بواقع ألفَي طن تخرج من الأنفاق كل يوم. ويبلغ الدخل السنوي من هذه السلع وحدها 188 مليون دولار.

ويبدو أن حكومة هنية خلصت إلى أنها إن كانت عاجزة عن الحفاظ على تجارة الأنفاق، فبوسعها أن تحوّل إغلاقها إلى مكسب لها. فقد دمّر الجيش المصري ما يُقدَّر بـ120 نفقاً، أي 10% من مجموعها. وفي المقابل اقترحت حكومة هنية إنشاء منطقة تجارة حرة على الحدود المشتركة بديلاً من حركة الأنفاق. كما تسعى إلى توسيع معبر رفح ليسمح بحرية حركة البضائع إلى جانب الأشخاص، وإلى إبقائه عاملاً على مدار السنة. فالدفع نحو إضفاء الطابع الرسمي على الترتيبات التجارية مع مصر أجدى لحكومة هنية من مواجهة مرسي سعياً إلى الحفاظ على تجارة الأنفاق.

ومع ذلك، قد يطرح السماح بنقل البضائع عبر معبر رفح مشكلات لمصر. فبموجب اتفاقية المعابر والحركة الموقّعة في تشرين الثاني/نوفمبر 2005 بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ومصر، كان المعبر مخصّصاً حصراً لحركة الأشخاص والمساعدات الإنسانية، على أن تمرّ جميع البضائع من غزة وإليها حصراً عبر معبر كرم أبو سالم داخل الأراضي الإسرائيلية.

وتغيير مصر لوضع معبر رفح سيكون بمثابة تخلٍّ عن اتفاقية المعابر والحركة، وقد يتيح لإسرائيل أن تدّعي أنه لم تعد ثمة حاجة إلى إبقاء معابرها هي مع غزة مفتوحة، وأنه لم يعد ممكناً اعتبارها قوة احتلال للقطاع بموجب القانون الدولي الإنساني (إذ لن تكون مسيطرة على جميع حدود غزة الخارجية). وفي عهد مبارك، استند المسؤولون المصريون إلى هذه المخاوف لتبرير قرارهم بالإحجام عن تحدّي الحصار الاقتصادي الإسرائيلي على غزة علناً. أما تباهي أحد أبرز قادة حماس في غزة، محمود الزهار، في 14 أيلول/سبتمبر بأن غزة باتت "خالية من الاحتلال"، فقد قُصد به معايرة السلطة الفلسطينية المنافسة في الضفة الغربية، لكنه استبق الاعتراضات المصرية، ربما من غير قصد، فيما بدا للمفارقة وكأنه يؤكد الحجة الإسرائيلية.

ومع ذلك ظل المصريون حذرين، محتجّين بأن فكرة منطقة التجارة الحرة "تحتاج إلى مزيد من الدراسة"، وأن القرار فيها ينبغي أن يصدر عن الرئاسة والمؤسسة الأمنية إلى جانب مجلس الوزراء. وقد يكون سعي مصر إلى إعادة التفاوض على اتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة مع الولايات المتحدة وإسرائيل سبباً إضافياً لتأجيل أي خطوة تبدو مساعِدة لحماس ولحكومة هنية، وهو ما قد لا تنظر إليه واشنطن بعين الرضا. وللمفارقة، فرغم أن حماس تدعو الآن علناً إلى منطقة تجارة حرة مع مصر، فقد لا يرى مرسي في العواقب السياسية والقانونية المحتملة لإنشائها ثمناً يستحق أن يُدفع مقابل إغلاق الأنفاق.

والواقع أن تدمير الأنفاق توقّف بُعيد بدئه، ما يوحي بعودة إلى الوضع القائم مع تعديلات محدودة فحسب. فقد أُعيد فتح معبر رفح الذي أغلقته السلطات المصرية أياماً عدة عقب هجوم 5 آب/أغسطس. وتمديد ساعات عمله — من سبع ساعات يومياً إلى عشر — وزيادة عدد موظفي الحدود المصريين يتيحان له الآن معالجة عدد أكبر من المسافرين. فمن معدل 450 شخصاً يدخلون مصر يومياً في 2011-2012، ارتفع العدد إلى ألف شخص بعد تولّي مرسي منصبه، ويُتوقع أن يبلغ 1500 في ظل الترتيبات الجديدة، وهو ما ينبغي أن يلبّي الطلب الاعتيادي على السفر إلى مصر أو عبرها.

وتبقى نقطة خلاف وحيدة، هي أن تحسم مصر وضع نحو 50 ألفاً من أعضاء حماس والحركات الإسلامية الأخرى في غزة المدرجين على قوائم غير المرغوب فيهم. وثمة لجنة مشتركة مصرية-حمساوية تراجع القائمة، مع توقّع رفع الحظر عن معظم الأفراد.

وفي مقابل تلبية مطالب حماس، سيطلب مرسي تعاون الحركة في تأمين شبه جزيرة سيناء. فقد هاجمت جماعات مسلحة خط الغاز المصري مع إسرائيل والأردن أربع عشرة مرة على الأقل منذ كانون الثاني/يناير 2011، ويُعتقد أنها مسؤولة عن مقتل سبعة جنود إسرائيليين قرب إيلات في أيلول/سبتمبر 2011، إضافة إلى عشرات الحوادث الصغيرة التي استهدفت الشرطة المصرية في سيناء. وحماس في وضع جيد يمكّنها من تحقيق الاستقرار في المنطقة، استناداً إلى صلاتها القوية بالفصائل المسلحة والقبائل المحلية ومعرفتها بها، في غزة وسيناء على السواء، فضلاً عن قدراتها الأمنية الراسخة.

ومنذ سيطرتها على قطاع غزة عام 2007، سعت حماس إلى تقديم نفسها سلطة حكم ذات مصداقية لا مجرد جماعة مقاتلة. وهي تقاتل هذه الجماعات المسلحة منذ استيلائها الأول على السلطة في غزة. ففي آب/أغسطس 2009 صفّت حماس الداعية المتشدد عبد اللطيف موسى وأتباعه بعد إعلانه إمارة إسلامية في رفح. كما استهدفت التنظيم الإرهابي الذي كان وراء مقتل الناشط التضامني الإيطالي فيتوريو أريغوني في نيسان/أبريل 2011. وتحتجز الأجهزة الأمنية في غزة حالياً 40 مسلحاً سلفياً. ومن ثمّ يُرجَّح أن تستجيب حماس للمطالب المصرية، فتسلّم المطلوبين وتتعاون مع السلطات المصرية خدمةً للأمن الإقليمي.

وقد جرى بالفعل تعزيز الروابط الأمنية إلى حدٍّ ما. ففي أواخر آب/أغسطس 2012، قاد القائد العسكري في حماس أحمد الجعبري وفداً أمنياً إلى القاهرة لإجراء محادثات، أسفرت عن تشكيل لجنة أمنية مشتركة مع مصر للتحقيق في هجوم 5 آب/أغسطس وتعزيز التعاون الثنائي. وكان الجعبري قد قاد من قبلُ مفاوضات حماس غير المباشرة مع إسرائيل بوساطة مصرية، والتي أفضت إلى الإفراج عن الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط في 18 تشرين الأول/أكتوبر 2011 مقابل أسرى فلسطينيين. لكن هذه كانت زيارته الأولى المعلنة إلى مصر، والتقى خلالها أيضاً مسؤولين في الحكومة المصرية وأعضاء في جماعة الإخوان المسلمين، بما يعكس اتساع التفاهم بين الطرفين.

ومع ذلك مضى مرسي بحذر في تطوير العلاقات السياسية مع حماس. فمن غير المرجح أن يخاطر بتوتير علاقاته مع الولايات المتحدة وإسرائيل برفع مستوى اعتراف مصر بحماس، التي تقدّمت بطلب لفتح مكاتب في القاهرة، ما لم تقبل الحركة مبادئ اللجنة الرباعية الدولية لسلام الشرق الأوسط (الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والأمم المتحدة): الاعتراف بإسرائيل، ونبذ العنف، واحترام الاتفاقات السابقة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل.

والنتيجة المثلى بالنسبة إلى مرسي هي إقناع حماس بالتخلي رسمياً عن استخدام العنف وبالحفاظ على الأمن في سيناء وعلى حدود غزة مع إسرائيل، مقابل مساعدة مصر في ترسيخ حكم الحركة في غزة وفي كسب حكومة حماس اعترافاً رسمياً أوسع. لكن إقناع حماس بذلك سيكون عسيراً، إذ ما زال أعضاؤها، وكذلك الجماعات الإسلامية المنافسة، متمسكين بمبدأ المقاومة المسلحة.

مطلب حماس الرئيسي عملي ويسهل نسبياً على مرسي تلبيته — رفع الحصار عن غزة. أما مرسي فيطلب من حماس تنازلات سياسية وأيديولوجية استراتيجية تقتضي جهداً أكبر بكثير من جانب الحركة. ومع ذلك تملك حماس القدرة والدافع على مجاراة الرئيس المصري وجماعة الإخوان. فسعي مصر والجماعة إلى علاقات عمل جيدة مع الولايات المتحدة وعلاقات مستقرة مع إسرائيل يدفع حماس إلى أن تحذو حذوهما، وقد يتيح لها ذلك من دون خسارة كبيرة لماء الوجه. غير أن نتيجة انتخابات مجلس شورى حماس ومكتبها السياسي — وهي عملية مطوّلة بدأت في نيسان/أبريل وانتهت في أواخر أيلول/سبتمبر — تجعل ذلك مستبعداً في المدى القريب.

فقد حسم المتشددون داخل حماس — ومنهم عدد من قادة جناحها العسكري، كتائب القسام — إلى جانب أسرى سابقين في إسرائيل أُفرج عنهم في صفقة شاليط عام 2011 وحلفائهم المدنيين في غزة، الأمرَ لصالحهم داخلياً. وإقراراً بذلك، أعلن رئيس المكتب السياسي خالد مشعل، الذي طرح مواقف معتدلة بوضوح بشأن السلام مع إسرائيل والمصالحة مع فتح والسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، في 24 أيلول/سبتمبر أنه لا ينوي الترشح لولاية جديدة. وبالتوازي، حلّ متشددون محل عدد من الوزراء المعتدلين في حكومة هنية ضمن تعديل وزاري مطلع أيلول/سبتمبر.

إن الديناميات بين جماعة الإخوان المسلمين في مصر والولايات المتحدة وحلفائها آخذة في التحوّل. ولن يمضي وقت طويل حتى تتعلّم حماس حكمة القول: "أبقِ أصدقاءك قريبين، وأعداءك أقرب". والحقيقة أن بدائلها قليلة. فالإخفاق في إبداء المرونة والتعاون مع مرسي ستكون له عواقب وخيمة. وبالقياس على السوابق، قد تشمل هذه العواقب إجراءات صارمة على معبر رفح وتراجعاً في تعاملات مصر الرسمية أو العلنية مع حماس. وقد تجد الحركة صعوبة متزايدة في التوفيق بين رغبتها في الاتساق الأيديولوجي مع الإخوان المسلمين في مصر وبين ضغوط قواعدها كي لا تتبنّى اعتدال التنظيم الأم في القضايا السياسية.

ومن ثمّ لا خيار أمام حماس إلا العمل مع مرسي، لا سيما بعد انهيار قاعدتها السابقة في دمشق نتيجة الصراع المحتدم في سوريا. كما تَعِد العلاقة مع مرسي بحافز إضافي هو إمكانية النمو الاقتصادي والتنمية، وهو ما يمكّن حكومة هنية من أن تقدّم نفسها للفلسطينيين نموذجاً مفضّلاً على السلطة الفلسطينية المتعثرة في الضفة الغربية. وقد يكون ممكناً بالفعل أن تتبنّى حماس مقايضة مرسي بكبح العنف على نحو أشد صرامةً، حتى مع ازدياد تشدّد قيادتها.

المجال: Regional & International Politics — Morsi · Hamas · Egypt · Gaza Politics — النص © Carnegie Endowment — محفوظ هنا مع الإسناد إلى المصدر. — المصدر الأصلي

تغطية إعلامية ذات صلة

كل المنشورات