منشور
عمر شعبان إسماعيل · بال ثينك للدراسات الاستراتيجية · 2010
دراسة بحثية مبكّرة تُشرّح بنية القطاع المالي غير المصرفي الفلسطيني وتُقيّم دوره في تنشيط الاقتصاد الفلسطيني في مرحلة ما بعد أوسلو.
في سلسلة من المقالات التي تتناول قطاع الشركات العامة والخاصة في فلسطين، والتي تهدف إلى إبراز أهمية هذا القطاع في تطوير المجتمع الفلسطيني وتحديثه، قلتُ في المقال الأول إن الاحتلال الإسرائيلي كان يفرض قيودًا ومتطلبات شديدة الصعوبة أمام تأسيس الشركات، سواء الخاصة منها أو العامة. وكانت هذه الإجراءات التي فرضها الاحتلال الإسرائيلي تستهدف إبقاء الاقتصاد الفلسطيني صغيرًا ومحدودًا وهشًا. كما كانت تهدف إلى منع الفلسطينيين من العمل والتفكير كمجتمع موحّد. وعلاوة على ذلك، ذكرتُ أن رجال أعمال خبراء بادروا على نطاق واسع إلى تأسيس شركات عامة وخاصة. وهم على دراية بهذا المجال، إذ سبق لهم العمل في مثل هذه الشركات في أنحاء مختلفة من العالم، ولا سيما في دول الخليج. وقد جاءت هذه الخطوة مع تأسيس السلطة الفلسطينية عام 1994. واستفاد أولئك رجال الأعمال المهرة والمبادرون من وجود سلطة ناشئة حديثًا لم تكن ذات خبرة في هذا القطاع. فتم تأسيس شركات كبرى، وبنوك ومؤسسات مصرفية، وشركات تأمين ورهن عقاري. وإضافة إلى ذلك، كان هناك نوع من الخصخصة لقطاعات اقتصادية ضخمة مثل: الاتصالات الأرضية والخلوية، والطاقة، وحقول الغاز في بحر غزة. وكذلك مُنحت عقود التنقيب عن الغاز لشركة بريتش غاز، شركة BG، وتم إبرام اتفاقية لبيعه إلى إسرائيل، إلى جانب تشغيل منطقة المستوطنات السابقة في قطاع غزة بعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2005. وكل ذلك حدث قبل استكمال البنية القانونية والتشريعية التي تُشغّل وتنظّم عمل هذه الشركات، وقبل رفع الوعي الاجتماعي والثقافي تجاه هذه الشركات. ولا تزال قضايا كثيرة تُعالج من تحت الطاولة رغم إنشاء مكوّنات الأرضية القانونية اللازمة لتشغيل هذا القطاع وتنظيمه من خلال إنشاء هيئة سوق رأس المال، وسلطة النقد الفلسطينية، وغيرها من المؤسسات الرسمية.
## هيئة سوق رأس المال الفلسطينية وبورصة فلسطين:
ومن الأمثلة على ذلك شركة سوق الأوراق المالية التي أُسست في مدينة نابلس في الضفة الغربية كشركة خاصة عام 1996، في حين أُنشئت هيئة سوق رأس المال الفلسطينية عام 2004 بموجب قانون صادر عن السلطة الفلسطينية، بوصفها هيئة موكّلة بالإشراف والرقابة على المؤسسات المالية. وهذا يعني أن هيئة سوق رأس المال، والعديد من شركات التأمين والرهن العقاري الخاصة الأخرى، كانت تعمل لسنوات عديدة من دون رقابة قانونية كافية. ووفقًا لقانون إنشاء هيئة سوق رأس المال رقم (13) لسنة 2004، تهدف هيئة سوق رأس المال إلى توفير مناخ مناسب لتحقيق استقرار رأس المال ونموّه، إلى جانب تنظيم سوق رأس المال وتشغيله ومراقبته وحماية حقوق المستثمرين. ومن المفترض أن تُشرف هيئة سوق رأس المال على ما يلي:
1. سوق الأوراق المالية، وشركات التأمين، وشركات التأجير التمويلي، وشركات الرهن العقاري
وأتساءل كيف مُنحت بورصة فلسطين امتيازًا حصريًا لتشغيل سوق رأس المال الفلسطيني من دون طرح عطاء عام يتيح لأفراد وشركات أخرى المشاركة. لماذا حدث ذلك، ولماذا اختيرت نابلس لتكون مركز السوق؟ لا توجد مؤشرات على القيمة المالية التي دفعتها شركة سوق رأس المال للسلطة الفلسطينية مقابل هذا الترخيص، كما أن مدة الامتياز الممنوح، وتاريخ تجديده، أو كلفته، كلها أمور غير معروفة...!!! وتجدر الإشارة إلى أن بورصة فلسطين دأبت، لسنوات، على الإعلان عن رغبتها في التحول إلى شركة عامة وفتح باب الاكتتاب العام على أسهمها للجمهور، لكن ذلك لم يحدث بعد. ويشغل بعض أعضاء مجلس إدارة الشركة مناصب تنفيذية وإدارية في شركات أخرى قد تصل إلى 8 مناصب. كما يشغل أعضاء آخرون في مجلس الإدارة، في الوقت نفسه، مناصب في شركات خاصة وعامة أخرى مُدرجة أسهمها للتداول في سوق رأس المال. وهذا يمثل تضاربًا في المصالح وازدواجية في الدور، الأمر الذي يُضعف، بطريقة ما، الرقابة والإشراف.
ومن ناحية أخرى، فإن هيئة سوق رأس المال الفلسطينية، الموكلة بالإشراف والرقابة، تُدار من قبل مجلس مكوّن من ستة أعضاء، وهو ما يشكل مخالفة للقانون الأساسي الذي اشترط أن يكون عدد أعضاء الهيئة 7 أعضاء.
مؤخرًا، لا شك أن معظم الدول شهدت على الأقل أزمة واحدة في أسواق رأس المال لديها، حتى أكبرها وأكثرها تنظيمًا مثل سوق نيويورك للأوراق المالية الذي عانى من أزمة مادوف التي انكشف أمرها في أواخر كانون الأول/ديسمبر 2008. وكان مادوف المحتال الذي عمل في سوق نيويورك للأوراق المالية قادرًا على خداع أكبر الشركات وأعظم المليارديرات الذين لا يُتوقع أن يتم خداعهم مثل الوليد بن طلال. وقد سرق 50 مليار دولار خلال 10 سنوات من العمل في سوق نيويورك للأوراق المالية. ومع ذلك، تسير الأمور على ما يرام في القطاع المالي الفلسطيني غير المصرفي، لأن العلاقة بين سوق فلسطين للأوراق المالية وهيئة سوق رأس المال منسجمة تمامًا، وهو أمر غير متوقع. منذ إنشاء سوق رأس المال عام 1996، وإنشاء الهيئة التي تشرف عليه عام 2004، لم يظهر أي نزاع، باستثناء ما جرى في مطلع عام 2008 عندما ذكرت بعض التقارير الإعلامية أن هيئة سوق رأس المال كانت تعتزم إقالة وعزل الدكتور حسن أبو لبدة، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي، بسبب التلاعب بالأسهم والتواطؤ مع رجال أعمال مسؤولين عن صفقات بملايين الدولارات. وغادر الدكتور أبو لبدة منصبه من دون أن ينفي أو يؤكد تلك الأخبار. ومن الجدير بالذكر أنه يوم الثلاثاء 12/2/2008، وتحت عنوان «أبو لبدة ينتقد أداء هيئة سوق رأس المال»، نشرت صحيفة القدس ما يلي: خلال ورشة العمل التي نظمتها مؤسسة ماس في رام الله في شباط/فبراير 2008، دعا الدكتور أبو لبدة إلى إجراء تغييرات في هيكل هيئة سوق رأس المال، بما في ذلك رئيسها ومجلس إدارتها، بسبب إخفاقاتها الكبيرة في جميع مجالات عملها. كما ألمح إلى أن هيئة سوق رأس المال تعرقل القانون الذي يُلزم الشركات المساهمة العامة بالإدراج في سوق رأس المال. وعلاوة على ذلك، اعتبر أن عدم إدراج الشركات المساهمة العامة من قبل هيئة السوق يمثل خللًا كبيرًا، مشيرًا في الوقت نفسه إلى أن الهيئة لم تتخذ أي خطوة ملموسة لوضع أنظمة ترخيص صناديق الاستثمار، ولا لتنفيذ قانون إدراج الشركات المساهمة العامة. وأخيرًا، شدد على أن كل شركة مساهمة عامة غير مدرجة في سوق رأس المال تعمل في الظل. كما أن هيئة سوق رأس المال لم تبذل أي جهد لإبرام اتفاقية مع أي هيئة عربية أو دولية، ولن يحدث أي تقدم في ظل غياب الأنظمة.
عمر شعبان، خبير اقتصادي ورئيس بال ثينك للدراسات الاستراتيجية، وهو مركز تفكير مستقل في غزة.
المجال: Palestinian Economy — non-banking finance · Palestinian Economy · financial sector · investment · economic development — المصدر الأصلي