ععمر شعبان إسماعيلاقتصاد سياسي · فلسطين

منشور

تعليق على تصدير غاز غزة إلى جنين: الاحتكار يضرب الاقتصاد الفلسطيني مراراً وتكراراً

عمر شعبان إسماعيل · بالتنك للدراسات الاستراتيجية · 2015

تعليق على ترتيبات تصدير غاز غزة إلى جنين بوصفها حالة من حالات الاحتكار التي تتكرّر في الاقتصاد الفلسطيني على حساب المستهلك.

يقدّم عمر شعبان في هذا تعليق تحليلي تحليلاً لـ«تعليق على تصدير غاز غزة إلى جنين: الاحتكار يضرب الاقتصاد الفلسطيني مراراً وتكراراً»، في إطار Palestinian…

في توقيت ربما جرى اختياره بعناية، إذ ينشغل معظم الفلسطينيين بمتابعة الأخبار السياسية، وبهدوء لا يليق بخطورة الموضوع، أُبرم بعيداً عن الأضواء، وفي ظرف بالغ الدقة، اتفاق بين صندوق الاستثمار الفلسطيني، بصفته الأمين على حقوق الشعب الفلسطيني في حقول الغاز قبالة سواحل قطاع غزة، ومجموعة من كبرى شركات القطاع الخاص — باديكو، ومجموعة الاتصالات الفلسطينية، واتحاد المقاولين (CCC)، ومجموعة البنك العربي، وغيرها — لتوريد غاز غزة إلى محطة جنين شمالي الضفة الغربية. ولم يكشف هذا الخبر عن أي تفاصيل أخرى ذات قيمة، إذ بقيت أمور كثيرة غير واضحة، من قبيل: كيف سيُضخّ الغاز من بحر غزة إلى جنين؟ وما قيمة العقد ومدته؟ وهل ستُزوَّد غزة بالغاز أم لا؟ ومتى سيبدأ التنفيذ؟ وغير ذلك من التفاصيل المهمة.

إن الموارد الطبيعية والبشرية الفلسطينية ملك لجميع الفلسطينيين، بصرف النظر عن أماكن وجودهم أو عن المكان الذي تُكتشف فيه هذه الموارد. ولا شك أن الحالة الفلسطينية تقتضي ترسيخ الترابط الاقتصادي بين المحافظات الفلسطينية كافة، وتعزيز التبادل الثقافي والتجاري بينها، بما يؤسس لشعور بالوحدة الوطنية. كما أن استثمار الموارد الطبيعية للفلسطينيين على نحو يخدم الناس والاقتصاد أمر يستحق الثناء، لأنه يقلّل الاعتماد المتنامي على الدول المانحة ويعزّز السيادة الوطنية. غير أن ذلك كله يجب أن يجري بطريقة شفافة تحقّق المصلحة الأكبر للفلسطينيين.

العقد مشوب بعيوب قانونية عديدة تجعله غير قانوني، ومن ثمّ وجب إلغاؤه. وتفصيل ذلك أن بعض الشركات المرتبطة به، مثل صندوق الاستثمار الفلسطيني واتحاد المقاولين (CCC) — مالك محطة توليد الكهرباء في غزة بعقد حصري مدته عشرون عاماً — تملك حصة ضخمة في حقول الغاز، وتحوز في الوقت نفسه رخصة تشغيل محطة توليد الكهرباء في شمال الضفة الغربية. وهذا يعني أنها تبيع لنفسها. ولم يُعرض العقد على الرأي العام، ولم تُناقَش بنوده ولم تُعرض على المجلس التشريعي المعطّل منذ ثماني سنوات. وهو يرسّخ الاحتكار الذي تمارسه شركات نافذة على الاقتصاد الفلسطيني الذي بات محاصراً بها.

ومرة أخرى يتحالف رأس المال مع السلطة السياسية، حيث تتشابك القضايا والمصالح العامة في مجالات شتى، منها الإسمنت والكهرباء (الطاقة) والمصارف والتأمين والاتصالات والتبغ وميادين حيوية أخرى كثيرة، فضلاً عن إعادة إعمار غزة. ويجري هذا منذ تأسيس السلطة الفلسطينية عام 1994، مستفيداً من انشغال الناس بالقضايا السياسية أولاً، ثم بالانقسام الداخلي لاحقاً، وهو ما مهّد الطريق أمام هذه الشركات للسيطرة على الاقتصاد وعلى المجتمع الفلسطيني.

لقد أفضت ممارسة الاحتكار بالمجتمع الفلسطيني إلى الفقر والحرمان، وعمّقت الفجوة بين الطبقة العليا الفلسطينية وسائر الطبقات. كما أضعفت الطبقة الوسطى على الرغم من أنها أساسية للحفاظ على التوازن والانسجام داخل المجتمع. وكانت ولا تزال أحد الأسباب الرئيسية للتراجع الاقتصادي، وتدنّي مستوى معيشة الفلسطينيين، وهشاشة المنافسة في الاقتصاد الفلسطيني. وهي تمنح امتيازات هائلة لأقلية محتكِرة على حساب آلاف الشركات الصغيرة التي تشكّل العمود الفقري للاقتصاد الفلسطيني.

وتبعات هذا العقد الاحتكاري أسوأ من أن توصف بالخطيرة. فهي لا تستنزف الموارد الطبيعية الوطنية وتكرّس ممارسات الاحتكار وتوسّع الفجوة بين الطبقات فحسب، بل تصيب قطاع غزة إصابة قاسية أيضاً. ذلك أن غزة ومشكلاتها ومستقبلها ليست على جدول أعمال النظام السياسي. ووفقاً لتقارير دولية، فإن قطاع غزة، الذي يتزايد عدد سكانه باطّراد وتتفاقم أزماته، سيصبح غير صالح للعيش خلال السنوات المقبلة ما لم يُتّخذ إجراء.

إن تزويد جنين بالغاز خطوة إيجابية، على الرغم من بعض المخاوف من ألا يعود ذلك بالنفع على المواطن العادي. غير أن غزة، التي عانت سنوات طويلة من أزمة الكهرباء وآثارها المدمّرة على مناحي الحياة كافة، من حقها أن تكون على جدول أعمال السلطة وصندوق الاستثمار الفلسطيني والنظام السياسي برمّته. ويزيد من وجاهة ذلك أن محطة توليد الكهرباء صُمّمت لتعمل لاحقاً بالغاز بدلاً من الوقود المستورد من إسرائيل، وهو وقود يُثقل شراؤه كاهل موازنة السلطة وكاهل المواطنين. ومن ثمّ فإن تشغيل المحطة بالغاز كفيل بخفض تكاليف الكهرباء.
والأسئلة الآن:

ما موقف القوى السياسية من عقد احتكاري كهذا، أُبرم من دون أي رقابة من المؤسسات الرقابية الرسمية والأهلية؟ وما موقف رئيس الوزراء الفلسطيني الذي زعم مؤخراً أن حكومته الأكثر شفافية بين حكومات العالم كافة، أي إنها أكثر شفافية من السويد وسويسرا واليابان!؟

ويبدو أن ما كتبته قبل سنوات عدة كان صحيحاً:

«الوضع في غزة يشبه الوضع في نيجيريا على الرغم من بُعد المسافة الجغرافية. فنيجيريا من أكبر مصدّري النفط في العالم، وهي في الوقت ذاته من أفقر مناطق العالم. ويموت مئات النيجيريين وهم يحاولون الحصول على بضعة لترات من نفطهم الذي يتدفق أمام أعينهم. وعلى نحو مماثل، يعاني المواطنون الفلسطينيون في قطاع غزة من انقطاع الكهرباء والغاز بينما حقول الغاز في البحر الأبيض المتوسط أمامهم». ولمزيد من المعلومات عن حقول الغاز قبالة سواحل غزة، يمكن الرجوع إلى المقال: حقول الغاز في بحر غزة: الوضع في غزة يشبه الوضع في نيجيريا على الرغم من بُعد المسافة الجغرافية.

http://www.al-monitor.com/pulse/originals/2013/03/gaza-oil-fields.html

وفي الواقع، فإن غزة في حاجة ماسّة إلى تدخّل عاجل لتفادي مزيد من التدهور ولتفادي انفجار جديد. وفي الوقت الذي يعمل فيه المجتمع الدولي والمجتمع المدني الفلسطيني بجهد كبير للتخفيف من معاناة سكان غزة، تزيد الإجراءات الاحتكارية الأزمات عمقاً.

المجال: Palestinian Economy — المصدر الأصلي

تغطية إعلامية ذات صلة

كل المنشورات