منشور
عمر شعبان إسماعيل · مجلة القاهرة للشؤون العالمية · 2020
مقالة في مجلة القاهرة حول بناء ميناء غزة كشريان اقتصادي وإجراء لبناء الثقة — الاعتبارات الفنية والسياسية والأمنية.
في 12 أيلول/سبتمبر 2021، عرض وزير الخارجية آنذاك ورئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي يائير لابيد، في جامعة رايخمان الإسرائيلية، رؤيته لتسوية طويلة الأمد بين إسرائيل وقطاع غزة الخاضع لسيطرة حماس. وقد رسمت خطة لابيد، التي أُطلق عليها اسم «الاقتصاد مقابل الأمن»، مرحلتين: تعالج الأولى الأزمة الإنسانية العاجلة في غزة، وتضع الثانية خطة تنموية شاملة للقطاع، في قلبها إنشاء ميناء بحري جديد في غزة وتوفير وصلة نقل بين غزة والضفة الغربية.
ظلّت حركة الأشخاص والبضائع ووصولها من غزة وإليها موضوعاً مهماً في المفاوضات الإسرائيلية–الفلسطينية على مدى عقود. ومن شأن إنشاء مركز للتجارة البحرية وإتاحة الوصول إليه أن يمثّل خطوة كبرى نحو توسيع اقتصاد غزة والاقتصاد الفلسطيني عموماً. غير أن عوائق أمنية وسياسية واقتصادية حالت حتى اليوم دون تطوير ميناء من هذا القبيل. وقد طُرحت نماذج متنوعة لهذه الفكرة، لكن أياً منها لم يتحقق.
وأي جهد مستقبلي لتطوير ميناء فلسطيني سيحتاج إلى مراعاة عدة عوامل، من بينها: التطلعات الوطنية الفلسطينية، والأمن الإسرائيلي، والتعاون المؤسسي، والتكاليف، والموقع. فالميناء في غزة ينطوي على إمكانات كبيرة للخير — توسيع الفرص وبناء الثقة — لكن من مصلحة جميع الأطراف على المدى الطويل أن يتوخّى صنّاع القرار الدقة والمنهجية في تقييم الخيارات. تبحث هذه المقالة الخلفية التاريخية لفكرة ميناء غزة، وكيفية تناول اتفاقات أوسلو والتفاهمات الإسرائيلية–الفلسطينية اللاحقة لها، وتستعرض البدائل الرئيسية لتطوير ميناء فلسطيني. كما تحدّد الحل الأمثل الذي يحقّق أكبر قدر من أفضليات الأطراف الفاعلة الرئيسية، وهو حل جدير بالنظر فيما يبحث صنّاع القرار عن أفكار جديدة لتحسين حياة الناس وإعادة بناء الثقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
لم يكن لغزة قط ميناء بحري تجاري خاص بها لمناولة البضائع؛ إذ اقتصر وصولها التاريخي إلى البحر على ميناء صيد صغير في مدينة غزة. وقد ظلّ صيد الأسماك منذ زمن بعيد جزءاً محورياً من اقتصاد غزة، ويُستخدم ميناء مدينة غزة بالدرجة الأولى لقوارب الصيد. وميناء غزة ضحل (نحو 5 أمتار، أي 16 قدماً، من العمق)، ويفتقر إلى الأرصفة والرافعات والمستودعات اللازمة لمناولة سفن الشحن الحديثة. وبفعل هذه القيود، تصل جميع البضائع تقريباً إلى غزة براً من إسرائيل ومصر.
قبل الاحتلال الإسرائيلي في حرب الأيام الستة عام 1967، كانت غزة تُدار مصرياً وكانت كل تجارتها الخارجية تمر عبر الموانئ المصرية. وبعد عام 1967، تحوّلت التجارة الخارجية لغزة إلى الموانئ الإسرائيلية، وفي مقدمتها ميناء أسدود. ومنذ عام 1994 — في أعقاب اتفاقات أوسلو وقيام السلطة الوطنية الفلسطينية — اعتمدت صادرات غزة ووارداتها على الموانئ الإسرائيلية، مروراً في العادة بمعبر المنطار (كارني) شمالي غزة. كما استُخدم ميناءا العريش وبورسعيد المصريان لاستيراد وتصدير حجم أصغر من البضائع عبر معبر رفح على حدود غزة الجنوبية.
ميناء فلسطيني في اتفاقات أوسلو والمفاوضات اللاحقة
احتلّ إنشاء ميناء بحري لغزة مرتبة متأخرة على جدول أعمال المفاوضات الإسرائيلية–الفلسطينية عام 1993 في أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، وهي المفاوضات التي أفضت في النهاية إلى إعلان المبادئ حول ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي. ولم يتطرّق إعلان المبادئ إلى إنشاء ميناء بحري في غزة خلال الفترة الانتقالية المتوخّاة للحكم الذاتي الفلسطيني ومدتها خمس سنوات، بل اكتفى بالنص على أن «المجلس [الفلسطيني] سينشئ فور تنصيبه... سلطة ميناء غزة البحري»، إلى جانب عدد من الهيئات الأخرى (إعلان المبادئ، المادة السابعة/4)، وعلى أن لجنة إسرائيلية–فلسطينية مشتركة ودائمة للتعاون الاقتصادي ستتولى «تحديد المبادئ التوجيهية لإنشاء منطقة ميناء غزة البحري» (إعلان المبادئ، الملحق الثالث، المادة 5). وقد أدرك الطرفان أن بناء ميناء بحري لغزة يتطلب استثماراً كبيراً وجدولاً زمنياً للإنشاء يتجاوز بكثير الفترة الانتقالية البالغة خمس سنوات.
وفي التفاوض على أول اتفاق لتنفيذ أوسلو — اتفاق غزة–أريحا لعام 1994 — أرجأ الطرفان المسألة مجدداً إلى موعد لاحق، إذ نصّا على أنه إلى حين إنشاء ميناء بحري في غزة، «يتم دخول وخروج السفن والركاب والبضائع بحراً عبر الموانئ الإسرائيلية» (المادة الحادية عشرة/4/ج). وكرّر الاتفاق المرحلي الإسرائيلي–الفلسطيني بشأن الضفة الغربية وقطاع غزة لعام 1995، المعروف أيضاً باسم «أوسلو الثانية» (الاتفاق المرحلي)، أحكام اتفاق غزة–أريحا المتعلقة بميناء غزة حرفياً (الاتفاق المرحلي، الملحق الثاني، المادة الرابعة عشرة/4). وخلاصة القول إن اتفاقات أوسلو، وإن عكست تطلعاً فلسطينياً إلى تطوير ميناء بحري في غزة، فقد أقرّت بأن غزة ستظل بحاجة إلى استخدام الموانئ الإسرائيلية (أو المصرية) إلى حين إنشائه.
وفي تشرين الأول/أكتوبر 1998، أقرّ الطرفان مجدداً، في مذكرة واي ريفر، بأهمية بناء ميناء بحري في غزة بالنسبة إلى الفلسطينيين، والتزما بالإسراع في إبرام اتفاق بشأن إنشاء هذا الميناء (المصدر نفسه، المادة الثالثة/4). وأخيراً، في 4 أيلول/سبتمبر 1999 — أي بعد أربعة أشهر من الموعد المفترض لانتهاء الفترة الانتقالية البالغة خمس سنوات والتاريخ المستهدف لإبرام اتفاق الوضع الدائم — وقّع الطرفان مذكرة شرم الشيخ التي تضمّنت أحكاماً تفصيلية بشأن إنشاء ميناء غزة البحري. ووفقاً لهذه الأحكام، كان من المقرر أن يبدأ بناء ميناء غزة في 1 تشرين الأول/أكتوبر 1999، وأن يعمل الميناء بعد اكتماله وفق الاتفاق المرحلي، بما في ذلك أحكامه المتعلقة بالجمارك، رهناً بإبرام بروتوكول مشترك ومفصّل بشأن عمليات الميناء، بما فيها الترتيبات الأمنية (المصدر نفسه، القسم 6).
وفي أعقاب فشل قمة كامب ديفيد في تموز/يوليو 2000، شرعت السلطة الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات — من دون تنسيق مع إسرائيل — في بناء ميناء بحري جديد بأموال قدّمها المجتمع الدولي. وقد وقع الاختيار على موقع قرب النصيرات، على بُعد نحو 5 كيلومترات (3 أميال) جنوب ميناء الصيد القائم في مدينة غزة. ثم وافقت السلطة الفلسطينية لاحقاً على التفاوض مع إسرائيل، وتوصّل الطرفان في 20 أيلول/سبتمبر 2000 إلى اتفاق مفصّل حمل اسم «تفاهم إنشاء ميناء غزة البحري»، أتاح المضي في البناء بهدف إنجاز الميناء خلال ثمانية عشر شهراً. غير أن الانتفاضة الثانية (المعروفة أيضاً بـ«انتفاضة الأقصى») اندلعت بعد أيام قليلة، في موجة عنف استمرت أكثر من أربع سنوات وأدت إلى مقتل آلاف الإسرائيليين والفلسطينيين. وخلال القتال، قصفت إسرائيل موقع بناء ميناء غزة ودمّرته.
وفي أيلول/سبتمبر 2005، بعد أربع سنوات من العنف ومن دون أي أفق لتسوية سلمية إسرائيلية–فلسطينية شاملة، سحبت إسرائيل من جانب واحد قواتها العسكرية ومستوطناتها المدنية من غزة. وبعد أسابيع، في 15 تشرين الثاني/نوفمبر 2005، أبرمت إسرائيل والسلطة الفلسطينية «اتفاق المعابر والحركة»، الذي نصّ على جواز الشروع في بناء ميناء بحري في غزة وعلى ألّا تتدخل إسرائيل في عملياته. كما نصّ الاتفاق على أن يشكّل الطرفان والولايات المتحدة لجنة ثلاثية لوضع الترتيبات الأمنية وغيرها من الترتيبات الخاصة بالميناء قبل افتتاحه (المصدر نفسه، القسم 5).
لكن قبل أن يُستأنف بناء ميناء غزة البحري، انتزعت حماس السيطرة على القطاع من السلطة الفلسطينية في حزيران/يونيو 2007. ولأن حماس لا تعترف بإسرائيل ولا باتفاقات أوسلو، عُلّقت جميع الاتفاقات والخطط المتعلقة بميناء غزة. وبسبب عداء حماس لإسرائيل ومحاولاتها تهريب السلاح إلى غزة، تراقب إسرائيل ومصر منذ عام 2007 حركة البضائع والأشخاص عبر حدود غزة وتتحكّمان فيها.
اعتبارات لميناء غزة البحري المستقبلي
يظل مستقبل ميناء بحري لغزة غامضاً، لكن مقترحات مثل مقترح رئيس الوزراء لابيد قد تعود إلى الطاولة. وعند النظر في موقع ميناء غزة المستقبلي وعملياته، لا بد من تقييم أربعة عوامل: الأمن الإسرائيلي؛ والتطلعات الوطنية الفلسطينية؛ والممر الآمن بين غزة والضفة الغربية؛ والوضع الراهن للانقسام بين الضفة الغربية الخاضعة للسلطة الفلسطينية وقطاع غزة الخاضع لحماس.
يتمثّل الشاغل الأمني الأول لإسرائيل بشأن ميناء غزة في منع مرور مسلحين وأسلحة ومتفجرات عبره. وقد تضمّنت اتفاقات أوسلو أحكاماً تقضي بمشاركة عناصر أمن إسرائيليين، إلى جانب مسؤولين من السلطة الفلسطينية، في تفتيش الركاب والبضائع العابرين لجميع الحدود الفلسطينية البرية والبحرية. وعملاً بهذه الأحكام، عمل عناصر الأمن الإسرائيليون في المعابر بين الأراضي الفلسطينية وإسرائيل، وكذلك في جميع المعابر البرية بين الضفة الغربية والأردن وفي نقطة العبور بين غزة ومصر.
وتضمّن «اتفاق المعابر والحركة» لعام 2005، الموقّع بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية عقب فك الارتباط الإسرائيلي عن غزة، مبادئ لتشغيل المعابر البرية بين مصر وغزة. وبعد سيطرة حماس على غزة على حساب السلطة الفلسطينية، انهارت مكوّنات مهمة من هذا الاتفاق، أبرزها الشراكة بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل ومصر في معبر كرم أبو سالم، ومساعدة الاتحاد الأوروبي في تفتيش البضائع عند معبر رفح. ولسنوات طويلة بعد سيطرة حماس على غزة، فرضت مصر قيوداً شديدة على عبور البضائع والأشخاص عند معبر رفح، رُفع بعضها في السنوات الأخيرة. وفي عام 2009، عقب جولة قتال عنيفة بين إسرائيل وحماس (عملية الرصاص المصبوب)، فرضت إسرائيل حصاراً بحرياً على غزة يمتد عشرين ميلاً بحرياً في عرض البحر. ومنذ ذلك الحين، تُلزَم جميع السفن التي تحمل بضائع أو ركاباً إلى غزة بتفريغ حمولتها للتفتيش في موانئ مصرية أو إسرائيلية، ومن هناك تُنقل إلى غزة براً.
وما دامت حماس تسيطر على غزة، يصعب تصوّر موافقة إسرائيلية على ميناء داخل القطاع، إذ سيحول ذلك دون إجراء عمليات تفتيش من جانب عناصر أمن إسرائيليين أو تابعين للسلطة الفلسطينية أو لطرف ثالث مقبول. وعليه، تفرض الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية أن يجري تفتيش البضائع والركاب الوافدين خارج غزة.
التطلعات الوطنية الفلسطينية
تدفع التطلعات الوطنية رغبةً فلسطينية في ميناء بحري داخل غزة يديره ويشغّله الفلسطينيون وحدهم، بمنأى عن أي سيطرة إسرائيلية. فالفلسطينيون يعتبرون الميناء الفلسطيني الحر رمزاً جوهرياً للسيادة والاستقلال. غير أن سيطرة حماس على غزة تعقّد الأمور. فخلافاً لمنظمة التحرير الفلسطينية، لا تقبل حماس اتفاقات أوسلو، بما فيها أحكامها الأمنية، ومن المؤكد أن عداءها لإسرائيل سيحول دون أي دور داخل غزة لإشراف إسرائيلي على حركة البضائع والأشخاص من القطاع وإليه. كما أن سيطرة حماس على غزة ستجعل على الأرجح من المستحيل أن يعمل داخل القطاع مفتشون من طرف ثالث يكونون مقبولين لدى إسرائيل. وقد تجلّت هذه النتيجة المرجّحة حين وُضعت، عقب إعادة الانتشار الإسرائيلي الأحادي من غزة، ترتيبات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية تقضي بأن تشغّل السلطة معبر رفح البري الواقع على الحدود بين مصر وغزة تحت إشراف طرف ثالث هو بعثة الاتحاد الأوروبي للمساعدة الحدودية في رفح. لكن بعد سيطرة حماس، لم تعد السلطة الفلسطينية قادرة على ضمان سلامة مراقبي البعثة، فغادروا.
الممر الآمن بين الضفة الغربية وغزة
كان الميناء البحري الذي تصوّرته اتفاقات أوسلو لغزة مقصوداً به خدمة الأراضي الفلسطينية بأكملها: قطاع غزة (365 كيلومتراً مربعاً أو 141 ميلاً مربعاً) والضفة الغربية الأكبر بكثير والحبيسة برياً (5,655 كيلومتراً مربعاً أو 2,183 ميلاً مربعاً). وقد توقّعت اتفاقات أوسلو وضع ترتيبات لممر آمن بين الضفة الغربية وغزة عبر إسرائيل، رهناً فقط باعتبارات إسرائيل الأمنية. غير أن الطرفين أخفقا حتى الآن في التفاوض على ترتيب للممر الآمن. ومن هنا فإن التخطيط لميناء غزة البحري مستقبلاً، ولا سيما موقعه وطاقته الاستيعابية، يجب أن يأخذ في الحسبان نظاماً للممر الآمن بين غزة والضفة الغربية ييسّر النقل المباشر للبضائع.
الانقسام الفلسطيني الداخلي
يجعل الانقسام بين غزة والضفة الغربية معظم مكوّنات الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني أكثر تعقيداً، وليس أقلها جهود التنمية الاقتصادية. وعلى نحو أكثر تحديداً، شكّلت سيطرة حماس على غزة منذ عام 2007، وعدم اعترافها بإسرائيل وبالسلطة الفلسطينية، ورفضها لجميع الاتفاقات الإسرائيلية–الفلسطينية، عوائق أمام التنمية. وفي حالة ميناء غزة البحري، ومن دون إعادة توحيد الضفة الغربية وغزة تحت حكومة واحدة تلتزم بالاتفاقات السابقة، تبرز أسئلة عديدة حول عمليات الميناء، والسكان الذين سيخدمهم، والسلطة الحكومية التي ستتولى مسؤولية إدارته.
وأحد الاحتمالات هو تأجيل أي تخطيط إضافي لميناء غزة البحري إلى حين حسم القضايا الجوهرية المحيطة بمثلث إسرائيل–السلطة الفلسطينية–حماس. أما الخيار الآخر، وربما الأفضل، فهو الشروع في عملية التخطيط واستخدامها محفّزاً لحلّ القضايا الأكثر جوهرية تدريجياً، مع التخفيف في الوقت نفسه من الأوضاع الإنسانية القاسية التي يعيشها مليونا نسمة من سكان غزة.
بدائل ميناء غزة البحري
في عام 2016، أجرت مجموعة من الخبراء الأميركيين والإسرائيليين في مجالات الموانئ والنقل البحري والاقتصاد والأمن وشؤون الشرق الأوسط دراسة شاملة لخيارات تزويد الفلسطينيين بميناء بحري. (انظر الشكل 1 للاطلاع على أبرز المواقع البديلة المقترحة للميناء.) وقد حدّدت الدراسة عدة خيارات لميناء فلسطيني، يمكن تصنيفها وفق مجموعتين من المعايير هما الموقع والحجم:
1) رصيف فلسطيني مستقل (أي قسم فلسطيني مخصّص داخل
ميناء قائم أو ميناء مستقبلي) مقابل ميناء فلسطيني جديد ومنفصل.
2) ميناء كبير مصمَّم لمناولة السفن الضخمة وأحجام الشحن الكبيرة، مقابل ميناء صغير مصمَّم لمناولة السفن الصغيرة وأحجام الشحن المحدودة.
أمام الأطراف عدد من الخيارات للنظر فيها سعياً إلى بناء ميناء بحري فلسطيني، ولكل منها مزاياه وعيوبه. ومن أبرز هذه الخيارات: 1) استمرار الوضع الراهن حيث تجري التجارة الخارجية الفلسطينية عبر الموانئ الإسرائيلية والمصرية؛ 2) إنشاء رصيف فلسطيني في ميناء أسدود الإسرائيلي؛ 3) بناء ميناء بحري في غزة؛ 4) إقامة جزيرة قبالة ساحل غزة تعمل بوصفها ميناءً؛ 5) إنشاء رصيف فلسطيني في ميناء لارنكا القبرصي؛ 6) إنشاء رصيف فلسطيني في ميناء العريش المصري. غير أن الخيار الأخير، أي الخيار السابع — الذي يقترح بناء ميناء لغزة على أرض مصرية ملاصقة لحدود القطاع — قد يكون الأكثر وعداً.
الشكل 1: خيارات الموانئ البديلة
الخيار الأول: استمرار الوضع الراهن باستخدام الموانئ الإسرائيلية للشحنات الفلسطينية
اليوم، تُشحن معظم البضائع الأجنبية المتّجهة إلى غزة إلى ميناء أسدود، ثم تُنقل بالشاحنات مسافة 90 كيلومتراً (56 ميلاً) إلى معبر كرم أبو سالم الواقع عند ملتقى حدود مصر وغزة وإسرائيل عند الطرف الجنوبي لقطاع غزة. وفي كرم أبو سالم، شيّدت إسرائيل محطة شاسعة ومتطورة على نحو 50 هكتاراً (123.5 فداناً)، مزوّدة بخلايا تفتيش عالية الجدران وبوابات فولاذية وأبراج مراقبة. وتُفرَّغ البضائع المستوردة من الشاحنات الإسرائيلية ويفحصها مفتشون إسرائيليون. ثم تُحمَّل البضائع المفرَج عنها على شاحنات غزّية مؤمَّنة وتُنقل عبر بوابات فولاذية إلى الجانب الآخر من الحدود، إلى محطة تفتيش فلسطينية خاضعة لسيطرة حماس. وتسلك صادرات غزة عملية مماثلة، لكن في الاتجاه المعاكس.
ورغم توتر العلاقات بين إسرائيل وحماس، نشأ على مرّ السنين تعاون تشغيلي وثيق بين محطتَي كرم أبو سالم. فشاحنات «معقَّمة» خاصة — لا تغادر المجمّع، ما يحدّ من أي تهديد آتٍ من الخارج — تنقل البضائع ذهاباً وإياباً بين المحطتين. وفي حين تسيطر حماس على المحطة الفلسطينية، يحضر ممثلون عن السلطة الفلسطينية أيضاً في المحطة ويراقبون سير العملية. كما تصدر السلطة الفلسطينية — بالتنسيق مع إسرائيل — جميع تراخيص التصدير والاستيراد المتعلقة بغزة (كما تفعل بالنسبة إلى تراخيص الضفة الغربية)، وتُبلغ إسرائيل بكل طلب استيراد، وفقاً لبروتوكول باريس الموقّع عام 1994 بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية. ومن زاوية المصلحة الأمنية الإسرائيلية، لعلّ الوضع الراهن هو الخيار الأمثل. فالموانئ الإسرائيلية القائمة تستطيع بسهولة الاستمرار في استيعاب التجارة الخارجية لغزة، التي لا تشكّل سوى 5 في المئة من إجمالي التجارة الإسرائيلية. وقد افتتحت إسرائيل مؤخراً ميناءين جديدين وحديثين يضاعفان الطاقة الإجمالية لمنظومة الموانئ الإسرائيلية، بما يتيح لها التعامل مع كامل التجارة الخارجية الإسرائيلية والفلسطينية لسنوات طويلة مقبلة. كما أن التشغيل الحالي المشترك بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية وحماس في كرم أبو سالم يتّسم بكفاءة عالية، إذ يعالج نحو 1,000 شاحنة يومياً. ويلبّي النظام القائم الشواغل الأمنية الإسرائيلية ولا يتوقف على وضع ترتيبات لممر آمن بين الضفة الغربية وغزة، ما دامت بضائع الضفة تُنقل بالشاحنات مباشرة من الموانئ الإسرائيلية وإليها. غير أن مسار أسدود/كرم أبو سالم/غزة برمّته طويل ومكلف، بسبب الارتفاع النسبي لكلفة العمالة في إسرائيل ومسافة الـ90 كيلومتراً (56 ميلاً) من النقل بالشاحنات بين أسدود وكرم أبو سالم. والأهم أن هذا الخيار لا يلبّي أيضاً التطلعات الوطنية الفلسطينية إلى ميناء خاضع للسيطرة الفلسطينية.
الخيار الثاني: تخصيص قسم فلسطيني مستقل داخل ميناء أسدود
إذا سعى الطرفان إلى البناء على النظام الحالي مع منح الفلسطينيين مسؤولية أكبر في إدارة عمليات الميناء، فبإمكانهما التفاوض على «رصيف فلسطيني» في ميناء أسدود. وفي ترتيب من هذا القبيل، يُؤجَّر قسم مخصّص من ميناء أسدود للسلطة الفلسطينية لأجل طويل (99 عاماً مثلاً). ويمكن أن يضم القسم الفلسطيني مرسَيين أو ثلاثة مراسٍ، ومخازن للتخزين، وبوابة (وتُسمى مجتمعةً «رصيفاً»). وتتولى السلطة الفلسطينية مسؤولية تشغيل الرصيف وتحصيل رسوم الميناء. وتوظّف السلطة عمالة فلسطينية تُنقل يومياً (أو أسبوعياً) بالحافلات من الضفة الغربية وغزة، أسوةً بكثير من فلسطينيي الضفة الغربية وغزة العاملين أصلاً داخل إسرائيل. وتظل إسرائيل مسؤولة عن الأمن العام، بما في ذلك تفتيش البضائع المستوردة. ويتولى نقل البضائع بين أسدود وكرم أبو سالم سائقون وشاحنات فلسطينيون معتمدون من إسرائيل. ويجري تفتيش إضافي محدود عند معبر كرم أبو سالم.
وبالنسبة إلى الفلسطينيين، يلبّي هذا الخيار جزئياً تطلعاتهم الوطنية، ويوفّر مزيداً من فرص العمل للفلسطينيين، ويحقّق وفورات في تكاليف المناولة في الميناء والنقل بالشاحنات والتفتيش، ما دامت كل هذه الخدمات ستقدّمها عمالة فلسطينية أقل كلفة. كما أن الحاجة إلى الاستثمارات ضئيلة. أما بالنسبة إلى إسرائيل، فينطوي هذا الخيار على بعض المخاطر الأمنية، إذ ستتخلى إسرائيل عن قدر من السيطرة على عملية الاستيراد والتصدير، وقد تزيد — بمنح الفلسطينيين إمكانية الدخول إلى إسرائيل — المخاطر في الفضاءات المدنية والمناطق الأمنية الإسرائيلية، مثل القاعدة البحرية الإسرائيلية في أسدود.
الخيار الثالث: إقامة ميناء بحري فلسطيني جديد في غزة
الخيار الثالث هو بناء ميناء بحري جديد في غزة يشغّله الفلسطينيون. ويُفترض أن يقع الميناء في موقع مدينة غزة/النصيرات. وتُقدَّر كلفة إنشاء ميناء كهذا تقديراً أولياً بما بين 300 و400 مليون دولار.
سيلبّي ميناء جديد في غزة جميع المتطلبات الفلسطينية، بوصفه رمزاً للسيادة الفلسطينية والاعتماد على الذات. غير أن هذا الخيار من أكثر الخيارات كلفةً وتعقيداً من الناحية السياسية. وحتى كتابة هذه السطور، تبدو حظوظ الطرفين ضئيلة في بلوغ درجة التقدم اللازمة في الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني لجعل ميناء فلسطيني في غزة أمراً ممكناً. فموقف إسرائيل لا يزال أنها يجب أن تحتفظ بالقدرة على تفتيش جميع الواردات إلى غزة — مباشرةً أو عبر طرف ثالث مقبول — وهو ما لا يمكن تحقيقه إذا كان الميناء داخل القطاع. يضاف إلى ذلك أن الموقع المقترح حالياً في منطقة مدينة غزة/النصيرات تطوّقه مخيمات لاجئين مكتظة بالسكان، ما يجعل الوصول البري صعباً ويحدّ من توافر المساحات القريبة اللازمة للتطوير المرتبط بالميناء، وهو ما يجعل هذا الخيار غير عملي.
الخيار الرابع: بناء ميناء فلسطيني على جزيرة اصطناعية قبالة ساحل غزة
في عام 2011، اقترح وزير النقل الإسرائيلي الأسبق يسرائيل كاتس إنشاء جزيرة اصطناعية كبيرة مساحتها 8 كيلومترات مربعة (3 أميال مربعة) قبالة ساحل غزة، تضم ميناءً للأراضي الفلسطينية. وتُوصَل هذه الجزيرة بالشاطئ بجسر ثابت طوله 4.5 كيلومتر
(2.8 ميل) يتضمن قطاعاً متحركاً قادراً على عزل الميناء في حال وقوع طارئ أمني. ووفق هذا المقترح، يتولى مفتشون دوليون تفتيش الشاحنات والبضائع على الجسر. واقترح كاتس إضافةً إلى ذلك أن تستوعب الجزيرة مطاراً فلسطينياً ومحطة لتوليد الكهرباء ومحطة لتحلية المياه ومرسى لليخوت. وكما أُشير سابقاً، تبنّى رئيس الوزراء لابيد هذه الخطة مؤخراً.
وبالنسبة إلى الفلسطينيين، يوفّر هذا الخيار ميزة وجود ميناء بحري في غزة، لكن مع صعوبات تشغيلية أكبر بسبب محدودية الوصول عبر جسر واحد. وسيتنازل الفلسطينيون في هذه العملية عن قدر من السيادة بسبب التفتيش الدولي، غير أن إسرائيل ستجد هذا الخيار على الأرجح أكثر قبولاً من ميناء داخل القطاع. ومهما بدا جاذباً، فإن هذا الخيار باهظ الكلفة، إذ تُقدَّر كلفته بما بين 5 و10 مليارات دولار ومدة إنشائه بخمس إلى عشر سنوات. ومن المرجح أيضاً أن تؤثر الجزيرة سلباً في الشريط الساحلي لغزة وإسرائيل، ما يثير معارضة كبيرة من دعاة حماية البيئة.
الخيار الخامس: تخصيص قسم للاستخدام الفلسطيني في ميناء لارنكا القبرصي
في عام 2018، طرح وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق (وزير المالية الإسرائيلي حالياً) أفيغدور ليبرمان حلّه الخاص: أن تُفرَّغ البضائع المتّجهة إلى غزة من السفن الأجنبية في قسم مخصّص في ميناء لارنكا بقبرص. وهناك يفتّش مسؤولون إسرائيليون البضائع ويُعاد تحميلها على سفن شحن غزّية صغيرة تبحر إلى ميناء الصيد القائم في غزة (أو إلى ميناء فلسطيني جديد يُبنى في غزة)، بمرافقة من البحرية الإسرائيلية. وقد أبدت الحكومة القبرصية اهتماماً بهذه الفكرة، لأسباب منها فرص العمل التي ستوفّرها للقبارصة.
يتيح هذا الخيار تفتيشاً أمنياً إسرائيلياً للبضائع المتّجهة إلى غزة، ويتيح للفلسطينيين تطوير ميناء الصيد القائم في غزة وتحويله إلى ميناء بضائع. غير أن عيبه يكمن في التكاليف الإضافية للمناولة المزدوجة ومسافة الشحن الإضافية بين قبرص وغزة. يضاف إلى ذلك أن إمكانية توسيع رصيف الصيد الواقع أمام مدينة غزة محدودة للغاية.
الخيار السادس: استخدام ميناء العريش المصري للتجارة الخارجية الفلسطينية
يمكن للفلسطينيين أيضاً السعي إلى استخدام قسم من ميناء مصري — هو ميناء العريش — بموجب عقد إيجار أرض طويل الأجل (99 عاماً مثلاً). ويتماشى ذلك مع ممارسة شائعة عالمياً تزوّد فيها الدول الساحلية جيرانها الحبيسة برياً بموانئ مستقلة (مثل
تنزانيا/زامبيا، وبيرو/بوليفيا، وأوروغواي/باراغواي).
يشبه هذا الخيار مقترح تخصيص قسم فلسطيني في ميناء أسدود الإسرائيلي — أي نظير الخيار الثاني أعلاه — لكن عبر مصر بدلاً من إسرائيل. ويمكن تطويره في إطار التوسعة المرتقبة لميناء العريش التي تخطط لها الحكومة المصرية. ومن العريش، تُنقل الواردات المتّجهة إلى غزة بالشاحنات إلى نقطة عبور كرم أبو سالم، بينما تتحرك الصادرات في الاتجاه المعاكس. وكما في الخيار الثاني، تتولى السلطة الفلسطينية مسؤولية تشغيل الرصيف الفلسطيني في العريش وتحصيل رسوم الميناء. وتوظّف السلطة عمالاً فلسطينيين يُنقلون يومياً بالحافلات من غزة. وتكون مصر مسؤولة عن الأمن، بما في ذلك تفتيش الواردات والصادرات.
والفارق الأساسي بين هذا الخيار والخيار الثاني هو الطاقة الاستيعابية: فميناء العريش المصري أصغر بكثير من ميناء أسدود الإسرائيلي، ولا يمكنه حالياً استيعاب قسم فلسطيني مستقل. ومن ثمّ لا يمكن تطبيق هذا البديل إلا عند إنشاء ميناء العريش الجديد الذي لا يزال في مراحل التخطيط الأولى. ومن المرجّح أن يستغرق بناء الميناء الجديد، الذي تقدّر مصر كلفته بـ1.3 مليار دولار، خمس سنوات. يضاف إلى ذلك أن نقل بضائع غزة بالشاحنات مسافة 45 كيلومتراً (28 ميلاً) على الطرق المصرية قد يستلزم ترتيبات خاصة تتعلق بترخيص الشاحنات والسائقين وتوفير حماية أمنية مصرية على طول الطريق.
الخيار السابع: بناء ميناء بحري فلسطيني مستقل على الحدود الجنوبية لغزة
وأخيراً، يمكن تأمين وصول الفلسطينيين إلى ميناء بحري عبر إنشاء «ميناء جنوب غزة» الجديد والمستقل على أرض مصرية ملاصقة لحدود غزة، على أن يقتصر على مرافق مناولة السفن. وتُنقل البضائع من السفن مباشرة إلى معبر كرم أبو سالم، الذي يُوسَّع ليصبح ميناءً «جافاً» يقدّم جميع خدمات الميناء البحري باستثناء تحميل السفن وتفريغها. ويُشقّ طريق بطول 10 كيلومترات (6.2 ميل) يربط الميناء البحري بالميناء الجاف داخل المنطقة الأمنية المصرية التي يبلغ عرضها نصف كيلومتر (ثلث ميل) وتمتد بمحاذاة الحدود الجنوبية لغزة. ويوضّح الشكل 2 مفهوم الميناء البحري/الميناء الجاف المقترح في خطة ميناء جنوب غزة.
سيكون هذا الميناء المتصوَّر صغيراً نسبياً — إذ لا يحتاج إلا إلى طاقة تلبّي احتياجات الاستيراد والتصدير الفلسطينية — ويشمل حاجز أمواج وثلاثة مراسٍ ورصيفاً بطول 650 متراً (2,132 قدماً) بعمق مياه يبلغ 12 متراً (39 قدماً) بمحاذاته. وتُقدَّر كلفة ميناء كهذا بما بين 200 و250 مليون دولار، ويستغرق إنجازه سنتين إلى ثلاث سنوات، بما في ذلك التخطيط. وسيتولى الفلسطينيون إدارة ميناء جنوب غزة المستقل وتشغيله، بما في ذلك النقل بالشاحنات إلى كرم أبو سالم. وإذا رأت مصر ذلك أفضل، يمكن منح امتياز تشغيل الميناء لمشغّل موانئ عالمي يتعاقد بدوره مع السلطة الفلسطينية أو حماس أو كليهما. ومنح امتياز لمشغّل من هذا النوع ممارسة شائعة عالمياً، تعمل بها حالياً كل من مصر وإسرائيل.
وبالنسبة إلى الفلسطينيين، تكمن الميزة الأساسية لهذا الميناء في موقعه: فمن الناحية العملية سيعمل الميناء كما لو كان داخل غزة، رغم وقوعه خارج القطاع مباشرة. ولتيسير العمليات، يمكن أن يكون لهذا الميناء معبر حدودي خاص قريب يتيح وصولاً سهلاً للعاملين من غزة. كما أن موقع الميناء، على بُعد 10 كيلومترات (6.2 ميل) من كرم أبو سالم، سيوفّر وفورات كبيرة في تكاليف النقل البري مقارنةً بمسافة 45 كيلومتراً (28 ميلاً) إلى الرصيف الفلسطيني في العريش، ومسافة 90 كيلومتراً إلى أسدود. ويلبّي هذا الخيار أيضاً الشواغل الأمنية الإسرائيلية والمصرية، إذ يُحافَظ على عمليات نقطة عبور كرم أبو سالم التي أثبتت جدواها. كما ستستفيد مصر من المدفوعات التي يسدّدها مشغّل الميناء لقاء استئجار موقع الميناء واستخدام الطريق الداخلي المؤدي إليه، ومن الرسوم المفروضة على خدمات السفن (مثل الإرشاد البحري والقطر ورسوم الممرات الملاحية) وعلى الخدمات الأمنية المحيطة.
الشكل 2: خطة ميناء جنوب غزة البحري
فرصة للتفكير على نطاق أوسع: الحجة لصالح منطقة تجارة حرة ثلاثية
لا يستطيع أي من الخيارات المستعرَضة أعلاه تلبية جميع المتطلبات والشواغل المتعارضة لدى الفلسطينيين (السيادة) والإسرائيليين والمصريين (الأمن). فمن غير المرجّح أن توافق إسرائيل ومصر على ميناء فلسطيني داخل غزة، ولن يرضى الفلسطينيون بميناء خارج غزة. ومع ذلك، يبدو أن خيار ميناء جنوب غزة يمكن أن يكون التسوية الأكثر قبولاً لدى جميع الأطراف. فبالنسبة إلى الفلسطينيين، يجعله موقعه خارج إسرائيل وأقرب ما يمكن إلى غزة الخيار الأفضل خارج القطاع. وبالنسبة إلى إسرائيل، ينبغي أن يلبّي الإبقاء على نظام التفتيش الحالي في كرم أبو سالم الشواغل الأمنية الإسرائيلية. أما بالنسبة إلى مصر، فإن بناء ميناء على أرضها السيادية سيدرّ فوائد اقتصادية كبيرة ولا ينطوي على أي مخاطر تقريباً. وثمة ميزة أخرى لخيار جنوب غزة هي واقعيته من حيث حجم الاستثمار ومدة الإنشاء، لا سيما بالمقارنة مع خياري الجزيرة الاصطناعية وميناء العريش.
إن تطوير ميناء لغزة وفق خطة ميناء جنوب غزة ينطوي على إمكانات تتجاوز بكثير الوفورات اللوجستية في نقل البضائع. فمشروع الميناء يمكن أن يكون «إجراءً مهماً لبناء الثقة»، يوسّع الثقة والتعاون بين السلطة الفلسطينية وحماس وإسرائيل ومصر، ويخفّف في الوقت نفسه بعض الضغوط الاقتصادية عن غزة. وقد يشكّل أيضاً حافزاً قوياً لحماس للحفاظ على الهدوء — أو ربما مثبِّطاً لشنّ هجمات قد تعطّل اقتصاد غزة. وقد تنسجم خطوة من هذا القبيل مع التزام حكومة بينيت–لابيد بـ«تقليص الصراع».
وعلاوة على ذلك، وباستثمار قرب الميناء البحري، يمكن أن يصبح معبر كرم أبو سالم الموسَّع المركز اللوجستي والصناعي لغزة (بل للأراضي الفلسطينية كلها)، بما قد يجتذب أنشطة مرتبطة بالتصدير والاستيراد. ويقع كرم أبو سالم عند أعرض نقاط غزة وأقلّها كثافة سكانية، حيث لا تزال الأراضي الصالحة للتنمية الص…
المجال: Gaza Economy — النص © The Cairo Review of Global Affairs — محفوظ هنا مع الإسناد إلى المصدر. — المصدر الأصلي