تغطية إعلامية
مؤسسة بال ثينك للدراسات الاستراتيجية · 2015-03
ترى المقالة أن آلية الأمم المتحدة لإعادة إعمار غزة، التي وضعها منسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط روبرت سيري، معقدة وبطيئة وغير فعالة، وأنها أسهمت في إدامة الحصار الإسرائيلي بدلًا من رفعه، وفاقمت الإحباط في غزة. وتجادل بأن بطء إعادة الإعمار والفرص الضائعة لتعزيز الوحدة الفلسطينية ودمج القوى السياسية قد يجعل جولة مواجهة جديدة مسألة وقت، وتقترح بدلًا من ذلك هيئة تعاونية تمثيلية أوسع لإدارة الإعمار.
ترى المقالة أن آلية الأمم المتحدة لإعادة إعمار غزة، التي وضعها منسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط روبرت سيري، معقدة وبطيئة وغير فعالة، وأنها أسهمت في إدامة الحصار الإسرائيلي بدلًا من رفعه، وفاقمت الإحباط في غزة. وتجادل بأن بطء إعادة الإعمار والفرص الضائعة لتعزيز الوحدة الفلسطيني…
تعرضت غزة لثلاث هجمات عسكرية إسرائيلية خلال ست سنوات فقط، ما أدخلها في دورة من البناء والدمار وإعادة البناء. ويغذي الأعمال العدائية حصارٌ مفروض على غزة منذ سبع سنوات أوقف معظم الصادرات وقيّد بشدة كلًا من الواردات وحركة الأفراد. وقد جاءت حرب الصيف (8 يوليو/تموز - 26 أغسطس/آب) بعد أقل من عامين على “عملية عمود الدفاع” — وهي حرب بين إسرائيل وحركة حماس وغيرها من المجموعات العسكرية في غزة استمرت ثمانية أيام (16-22 نوفمبر/تشرين الثاني 2012) — وبعد أقل من خمس سنوات على “عملية الرصاص المصبوب”، التي استمرت 22 يومًا (من 27 ديسمبر/كانون الأول 2008 إلى 17 يناير/كانون الثاني 2009). وتقدّر الأمم المتحدة أن أكثر من 96,000 منزل تضرر أو دُمّر في الحرب الأخيرة، ما ترك نحو 108,000 من السكان بلا مأوى — واضطرهم إلى البحث عن ملاذ في المدارس، أو لدى الأقارب، أو بين الأنقاض. وقد مرّت بالفعل سبعة أشهر منذ أن وضع وقفٌ هش لإطلاق النار حدًا للحرب التي استمرت 51 يومًا ودمّرت جزءًا كبيرًا من قطاع غزة. ومع ذلك، وبعد أن غابت عن رادار العالم، بدأت هذه البقعة المكتظة التي يقطنها 1.8 مليون فلسطيني تعود تدريجيًا إلى الأخبار. فقد بدأ سيلٌ محدود من التقارير يشير إلى غياب التقدم في إعادة إعمار الأضرار الهائلة التي لحقت بالمنازل والمستشفيات والمدارس والأعمال التجارية، الأمر الذي يجعل غزة أكبر تهديد للاستقرار في المنطقة. وتقدّر العديد من التقارير الأمنية والسياسية الموثوقة أن جولة المواجهة المقبلة مسألة وقت بسبب غياب التقدم والإحباط الشديد بين سكان غزة. ويرتبط هذا الواقع مباشرةً بنتائج آلية الأمم المتحدة لتنفيذ إعادة إعمار غزة، التي أنشأها منسقها الخاص لعملية السلام في الشرق الأوسط، روبرت سيري.
## آلية الأمم المتحدة لإعادة إعمار غزة:
نظرًا إلى أن الحكومة الإسرائيلية تصر على الحصول على ضمانات بألا تُستخدم أي من مواد البناء من قبل حماس لإعادة بناء أنفاقها أو استعادة معداتها العسكرية، ولأن وجود السلطة الفلسطينية في غزة ضعيف فقط، فقد وضعت الأمم المتحدة آلية مرهقة ومعقدة لمراقبة هذه الواردات والموافقة عليها. وتُدار العملية من خلال لجنة ثلاثية تضم الأمم المتحدة والسلطة الفلسطينية والجيش الإسرائيلي. وقد جرى تركيب كاميرات لمراقبة مستودعات المواد الخام، وكذلك لتتبع كل شاحنة تنقل هذه المواد — وهي خطوات صُممت لضمان ألا تكون حماس من المتلقين. ومع ذلك، وعلى الرغم من الامتداد الواسع لهذه الآلية، لم يتم شرحها بالكامل للجمهور، ولا تتوافر وثائق تتيح ذلك. وكانت النتيجة بيئة من الشك وانعدام الثقة.
## تداعيات آلية الأمم المتحدة:
أشارت بعض التقارير إلى أن هذه الآلية، في واقع الأمر، تضفي الشرعية على الحصار الإسرائيلي على غزة وتُدوّله، بدلًا من العمل على رفعه. ومن المؤكد أن آلية الأمم المتحدة، التي توظف عددًا كبيرًا من الخبراء الأجانب (قد يصل إلى 400)، ستشكل عبئًا ماليًا وإداريًا وأمنيًا ضخمًا، ما يطيل عملية إعادة الإعمار لسنوات عديدة. كما يعني ذلك أن عملية إعادة الإعمار تقودها الأمم المتحدة، بدلًا من السلطة الفلسطينية. وبالتالي، إذا كانت الآلية فعالة بالفعل (على خلاف أدائها حتى الآن)، فإن الشعب الفلسطيني سيثني على الأمم المتحدة بدلًا من السلطة الفلسطينية، ما يحرم الأخيرة من فرصة فريدة لاستعادة سمعتها وشعبيتها في قطاع غزة. والأكثر إثارة للقلق أن اللوازم المطلوبة لإعادة بناء أو إصلاح كل من المنازل الخاصة ومشاريع الأشغال العامة واسعة النطاق — بما في ذلك المدارس والمصانع — يجب إدخالها في قاعدة بيانات مركزية للتتبع.
## تقييم آلية الأمم المتحدة عمليًا:
سُمح بدخول أول شحنة من مواد البناء إلى غزة عندما زار الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون القطاع في 14 أكتوبر/تشرين الأول 2014. وقد سُمح بدخول ما مجموعه 640 طنًا من الإسمنت إلى غزة، وكانت تلك المرة الأولى التي تسمح فيها الحكومة الإسرائيلية بدخول مواد بناء إلى القطاع خلال ثلاث سنوات. واستمر تدفق مواد البناء إلى غزة منذ ذلك الحين، ولكن بوتيرة بطيئة جدًا. وحتى شهر مارس/آذار، لم يُسمح إلا بدخول 50,000 طن من الإسمنت، مقارنة بالاحتياج إلى 1.5 مليون طن من الإسمنت، و5 ملايين طن من الركام، و500,000 طن من الفولاذ. وبهذه الوتيرة، لن تكتمل إعادة إعمار غزة قبل 20 عامًا.
والأهم من ذلك، أن هناك العديد من التقارير الموثوقة التي تفيد بأن جميع مواد البناء التي سُمح بدخولها إلى غزة حتى الآن قد بيعت في السوق السوداء إلى مشترين مجهولين. ومن الواضح أن آلية الأمم المتحدة ثبت عدم فعاليتها. فليس فقط أن أعضاء حماس قادرون على شراء الإسمنت المستورد “تحت الأرض”، بل يمكنهم أيضًا استخدام مليوني طن من الأنقاض وآلاف الأطنان من خردة الفولاذ التي خلّفها العدوان الإسرائيلي لإعادة بناء الأنفاق. وقد فتحت الآلية الأميركية نافذة غير محدودة للفساد وسوء الإدارة والمحسوبية. كما أسهمت آلية الأمم المتحدة لإعادة الإعمار في حالة هائلة من الإحباط والغضب بين جميع قطاعات شعب غزة، وعبر جميع الأحزاب السياسية.
## الفرص الضائعة:
إن الهدنة المفتوحة بين حماس وإسرائيل من جهة، وآلية الأمم المتحدة المعيبة لإعادة إعمار غزة من جهة أخرى، قد أبقت الباب مفتوحًا أمام جولة أخرى من العنف والمعاناة الممتدة. كما أن هذا الوضع أغلق الباب أمام فرص فريدة من أجل:
• تعزيز الوحدة الفلسطينية وحكومة المصالحة. فحكومة الائتلاف التي تشكلت في 2 يونيو/حزيران تحتاج بشدة إلى تعزيز شعبيتها من خلال تقديم خدمات كفؤة وفعالة. ومع آلية الأمم المتحدة غير الفعالة، لا يشعر الناس في غزة بالامتنان لنظامهم السياسي.
• نزع فتيل التوتر والغضب والإحباط بين سكان غزة، بما يخلق البيئة الداعمة اللازمة لتجنب التطرف والراديكالية.
• إشراك حماس والحركات السياسية الأخرى في النظام السياسي وتشجيع النزعة نحو الاعتدال التي كانت قد برزت في السنوات القليلة الماضية.
في ورقة سياسات صادرة عن معهد بروكينغز شاركتُ في تأليفها مع الدكتور سلطان بركات بعنوان «الحجّة لصالح مجلس تعاوني لإعادة إعمار غزة»، أوصينا بما نعتقد أنه سيكون ليس فقط أكثر الأساليب كفاءة، بل أيضًا أكثرها عدالة، لإدارة إعادة الإعمار. ودعونا إلى تشكيل هيئة عليا تعاونية وتمثيلية تكون مسؤولة عن كامل عملية إعادة الإعمار. ويرأس هذه الهيئة شخص مستقل يحظى بثقة جميع الأطراف، وتضم ممثلين عن أصحاب المصلحة الرئيسيين، بما في ذلك:
• حكومة الائتلاف الفلسطينية.
• أربع أو خمس دول إقليمية (يرجّح أن تكون مصر والأردن والسعودية وقطر وتركيا).
• الاتحاد الأوروبي، والبنك الدولي، والبنك الإسلامي للتنمية.
• مجموعات من المجتمع المدني (اثنتان أو ثلاث، من دون انتماء سياسي).
• الفصائل السياسية الفلسطينية، بما في ذلك حماس والجهاد الإسلامي.
• وكالات الأمم المتحدة ذات الصلة، ولا سيما الأونروا وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
إن إعادة إعمار قطاع غزة ليست مجرد عملية لإعادة بناء المنازل؛ بل ينبغي أن تكون عملية وطنية لتجديد النظام السياسي الفلسطيني بالكامل وبناء جسور فوق الفجوات الاقتصادية والنفسية بين النظام السياسي والشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية. ومن شأن هذه الهيئة أن تضمن تقاسم فوائد إعادة الإعمار بشفافية بين سكان غزة على نحو عادل — استنادًا فقط إلى الاحتياجات القائمة، لا إلى الولاءات السياسية لهذا الطرف أو ذاك. وعلاوة على ذلك، فإن العمل حول الطاولة نفسها سيؤدي حتمًا إلى دخول مختلف الفصائل الفلسطينية في حوار مع بعضها البعض حول قضايا جوهرية، ومن المأمول أن يفضي ذلك إلى عملية حوار وطني أوسع.
ولا يزال بالإمكان إطلاق هذه العملية الأكثر شمولًا وتعاونًا بدلًا من آلية الأمم المتحدة المعيبة بعمق. غير أن الأوضاع على الأرض في غزة تزداد يأسًا يومًا بعد يوم، وإذا لم تصل الإغاثة سريعًا، فقد تأتي حرب جديدة أولًا. وإذا أراد المجتمع الدولي تجنب حرب دامية أخرى، فعليه أن يتوقف عن احتجاز فلسطينيي غزة كرهائن وأن يغيّر مساره سريعًا نحو آلية إعادة إعمار أكثر تعاونًا وشمولًا، أو أن يتعامل مباشرة مع الحكومة القائمة حاليًا. وإلا، فإن دماء آلاف الأبرياء ستلطخ يديه مرة أخرى.