ععمر شعبان إسماعيلاقتصاد سياسي · فلسطين

منشور

لماذا لا ينبغي للفلسطينيين حلّ السلطة الفلسطينية؟

عمر شعبان إسماعيل · PalThink for Strategic Studies · 2020

ردّ على الدعوات المتكرّرة لحلّ السلطة الفلسطينية والتراجع عن أوسلو، يجادل بأن تفكيك السلطة يزيل ما تبقّى من مؤسسات دون أن يقدّم بديلاً عنها.

حتى يومنا هذا، يطالب كثير من الفلسطينيين بالتراجع عن اتفاقيات أوسلو التي وقّعها ياسر عرفات وإسحاق رابين عام 1993. وقد جرى الاحتفاء بهذه الاتفاقيات آنذاك بوصفها المحطة الأولى على طريق التوصّل إلى حلّ سلمي للصراع العربي الإسرائيلي في نطاقه الأوسع. غير أنّ الوضع على الأرض بقي جامداً منذ توقيع الاتفاقيات، فلم تُنهِ الأعمال العدائية بين الطرفين ولم تقدّم إطاراً متماسكاً للسلام. ومع ذلك فإنني أرى أنّ هذه الاتفاقيات، على ما فيها من نواقص، قد أنتجت وقائع سياسية واجتماعية كثيرة، ومن ثمّ لا يمكن ببساطة التراجع عنها بين عشية وضحاها.

يعرض المقال التالي أسباب هذا التقدير، ويقترح سبيلاً للمضيّ قدماً.

لقد أحدثت اتفاقيات أوسلو تغييرات جذرية في الساحتين السياسيتين الفلسطينية والإسرائيلية، ترجمت نفسها إلى وقائع سياسية لا يمكن تجاهلها. وبعد خمسة وعشرين عاماً على توقيع اتفاق أوسلو الأول، غيّرت الاتفاقيات العلاقات الإسرائيلية الفلسطينية تغييراً لا رجعة فيه.

بموجب اتفاقيات أوسلو، انسحب الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة وتخلّى عن 20% من أراضي الضفة الغربية، بما سمح لسلطة فلسطينية حديثة النشأة بتولّي المسؤولية في هاتين المنطقتين. ومنذ ذلك الحين أُنيطت بالسلطة الفلسطينية مهمّة تزويد الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية بالخدمات الأساسية، من رعاية صحية وتعليم وتنمية وإغاثة وإنفاذ للقانون. وكان من ضمن هذه الجهود إنشاء قطاع عام ضخم يضمّ أكثر من 170,000 موظف. ومن ثمّ فإنّ حلّ السلطة الفلسطينية يعني أنّ أكثر من 170,000 شخص سيصبحون بلا عمل، وأنّ معدلات البطالة في الأراضي الفلسطينية، وهي أصلاً من الأعلى في العالم، سترتفع ارتفاعاً هائلاً نتيجة لذلك.

وعلى الرغم من نواقص الاتفاقيات، لا يوجد إجماع سياسي بين الفلسطينيين على إلغاء اتفاقيات أوسلو من عدمه، إذ يعتقد كثيرون أنّ هذه الاتفاقيات أنجبت حكومة فلسطينية تمثّل الشعب الفلسطيني وتطلّعاته الوطنية إلى بناء دولة. وقد أكّد هذا الرأي مؤخراً رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية بقوله: «لن نحلّ السلطة الفلسطينية، فهي نتاج نضال الشعب الفلسطيني ومقاومته».

وقد تمكّنت السلطة الفلسطينية، في ظلّ اتفاقيات أوسلو، من توقيع كثير من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية نيابة عن منظمة التحرير الفلسطينية، وهي المظلّة التي تمثّل الشعب الفلسطيني في أنحاء العالم. كما أوفدت عشرات الدول بعثات دبلوماسية إلى الأراضي الفلسطينية. وحلّ السلطة الفلسطينية سيدفع كثيراً من هذه البعثات الدبلوماسية، إن لم يكن جميعها، إلى مغادرة الأراضي الفلسطينية ووقف التمويل. كما ستنتهي المعاهدات التجارية والاقتصادية المبرمة بين السلطة الفلسطينية ودول كثيرة حول العالم.

يُضاف إلى ذلك أنّ السلطة الفلسطينية والقطاع الخاص الفلسطيني تمكّنا، نتيجة لاتفاقيات أوسلو، من التعاون مع شركات إسرائيلية وتوقيع صفقات أعمال معها في مجالات عديدة، من بينها الطاقة والبناء والاتصالات. وإلغاء اتفاقيات أوسلو سيجمّد كثيراً من المشاريع المشتركة بين شركات القطاع الخاص الفلسطينية والإسرائيلية، ما يُرجَّح أن يسفر عن خسائر بمئات الملايين من الدولارات.

ومن أهمّ الجوانب التي سيطالها إلغاء اتفاقيات أوسلو وحلّ السلطة الفلسطينية جانب الأمن: فخطوة كهذه ستقطع كلّ الروابط الأمنية والتنسيق بين الحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية، وهو ما قد يفضي إلى استئناف الجيش الإسرائيلي سيطرته الكاملة على الضفة الغربية. ولا شكّ أنّ ذلك سيقود إلى انتفاضة كبرى جديدة، تصحبها مستويات غير مسبوقة من العنف يستفزّها المستوطنون الإسرائيليون في الضفة الغربية.

وأيّ خطوة تقدم عليها السلطة الفلسطينية لإلغاء اتفاقيات أوسلو من طرف واحد ستثير ضجّة لدى دول كثيرة تُعدّ داعمة للفلسطينيين. وستجد السلطة نفسها متّهمة بالتسبّب في عدم الاستقرار والفوضى، رغم أنّ الجانب الإسرائيلي سبق أن انتهك الاتفاقيات في مناسبات عديدة خلال السنوات الماضية، وهو ما أقرّ به المجتمع الدولي فعلاً. إنّ كلفة التراجع عن اتفاقيات أوسلو أكبر بكثير مما يستطيع المجتمع الفلسطيني تحمّله من الناحيتين الاقتصادية والأمنية، والقيادة السياسية الفلسطينية تدرك ذلك تمام الإدراك. ومن هنا يمكن قراءة تهديدات السلطة الفلسطينية المتكرّرة بإلغاء أوسلو بوصفها مناورات سياسية تستهدف جذب الاهتمام الدولي وإثارة القلق بشأن الاستقرار النسبي للوضع القائم الذي أنشأته اتفاقيات أوسلو.

سبيل للمضيّ قدماً: أوسلو 2.0

إنّ مصير السلطة الفلسطينية ومصير اتفاقيات أوسلو مرتبطان ارتباطاً وثيقاً: فالسلطة الفلسطينية وُلدت من رحم اتفاقيات أوسلو. وبالتالي فإنّ حلّ السلطة يعني بالضرورة تفكيك اتفاقيات أوسلو، بمعنى أنّنا لا نستطيع الحديث عن أحدهما دون الحديث عن الآخر. فلا اتفاقيات أوسلو من دون سلطة فلسطينية، ولا سلطة فلسطينية من دون اتفاقيات أوسلو. ولذلك تُطرح أسئلة مهمّة عديدة عند التفكير في حلّ السلطة الفلسطينية أو اتفاقيات أوسلو: من الذي سيحلّ محلّ السلطة الفلسطينية ويملأ الفراغ السياسي الذي سينشأ عن زوالها؟ ومن الذي سيقدّم للفلسطينيين الخدمات الإدارية والتعليمية والأمنية الأساسية؟

ثمّة سيناريوهات عدّة ممكنة: 1) أن يستعيد الإسرائيليون السيطرة المدنية كما كان الحال قبل توقيع الاتفاقيات، أو 2) أن تنشأ قيادة سياسية فلسطينية جديدة تحلّ محلّ السلطة الفلسطينية، أو 3) أن يجتمع السيناريوهان الأول والثاني معاً.

وفي الحالتين، ينبغي للفلسطينيين أن يمضوا بحذر شديد وهم يحاولون التعامل مع الواقع السياسي الجديد الذي سينشأ عن حلّ محتمل للسلطة الفلسطينية. وسيكون عليهم أن يجدوا إجابات عن أسئلة حاسمة كثيرة: ما مستقبل البعثات الدبلوماسية الفلسطينية حول العالم؟ وهل تستطيع هذه البعثات أن تعمل تحت مظلّة منظمة التحرير الفلسطينية لا السلطة الفلسطينية؟ 3) وهل يكون ذلك ممكناً أصلاً في ظلّ النقص الدائم في الموارد المالية وتدنّي معنويات منظمة التحرير؟

إنّ إعادة منظمة التحرير الفلسطينية إلى مكانتها المرموقة السابقة بوصفها الممثّل الحقيقي للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج أمر لا بدّ منه، وسيعود بفائدة كبرى على الفلسطينيين. غير أنّ السؤال هو: هل ينبغي للفلسطينيين أن يحلّوا السلطة الفلسطينية ثم يشرعوا في إصلاح منظمة التحرير، أم أن يفعلوا الأمرين في وقت واحد؟ وثمّة سؤال آخر لا يقلّ أهمية يتعلّق بمستقبل قطاع غزة: ماذا يخبّئ المستقبل لغزة إذا حُلّت السلطة الفلسطينية؟ فمن شبه المؤكّد أنّ الجيش الإسرائيلي سيسيطر على الضفة الغربية وحدها دون قطاع غزة.

ولذلك، وفي ضوء ما تقدّم، من الممكن بل من المطلوب، بدلاً من إلغاء اتفاقيات أوسلو وحلّ السلطة الفلسطينية، أن يجري تعزيزهما معاً ضمن مسار ينبغي أن يُسمّى «أوسلو 2.0».

بوسع السلطة الفلسطينية أن تدعو المجتمع الدولي إلى التحرّك من أجل تعزيز الاتفاقيات الموقّعة بين الإسرائيليين والفلسطينيين والدفاع عنها. وأرى أنّ على المجتمع الدولي أن يصرّ على دور أكثر فاعلية للاتحاد الأوروبي، وأن يشجّع كذلك مشاركة أوسع من قوى صاعدة مثل الصين والهند والبرازيل وتركيا. وأخيراً، تستطيع السلطة الفلسطينية أن تصرّ على فرض جدول زمني صارم تلتزم به جميع الأطراف ويفضي في نهاية المطاف إلى إقامة دولة فلسطينية على حدود ما قبل عام 1967.

غير أنّ ثمّة ثلاث محطّات ينبغي بلوغها قبل ذلك: 1) تحقيق المصالحة الوطنية واستعادة الوحدة الوطنية بين جميع القوى السياسية الفلسطينية الرئيسية، ومنح الإسلام السياسي تمثيلاً أوسع؛ 2) إدخال إصلاحات جذرية على المؤسسات الفلسطينية الرسمية؛ 3) تشجيع دور ومشاركة أكثر فاعلية لفلسطينيي الشتات، وبذلك تُستعاد ثقتهم بمنظمة التحرير الفلسطينية.

المجال: Gaza Economy — المصدر الأصلي

كل المنشورات