ععمر شعبان إسماعيلاقتصاد سياسي · فلسطين

منشور

التهديد الأكبر للسلام: وجهة نظر فلسطينية

عمر شعبان إسماعيل · المعهد الإيطالي للدراسات السياسية الدولية · 2019

ورقة لمعهد ISPI ترى أن التهديد الأكبر للسلام ليس جولة قتال جديدة بل تآكل ما يجعل الحلّ السياسي ممكناً أصلاً، من منظور فلسطيني.

يقدّم عمر شعبان في هذا تحليل سياساتي تحليلاً لـ«التهديد الأكبر للسلام: وجهة نظر فلسطينية»، في إطار Palestinian-Israeli Conflict & Peace Process (2019).

على الرغم من الأمور الكثيرة التي يختلف حولها الخصوم السياسيون في إسرائيل، فقد جمعت بنيامين نتنياهو وبيني غانتس حكومةُ طوارئ شُكِّلت بعد انتخابات ثالثة جرت في آذار/مارس 2020. وكان ضمّ أراضٍ في الضفة الغربية الفلسطينية إحدى المسائل التي يتفقان عليها اتفاقاً جوهرياً استناداً إلى اتفاق ائتلافهما. وقد تكون تداعيات هذا القرار الجريء كارثية على جميع الأطراف المعنية.

إن توسّع الأراضي الإسرائيلية داخل الأراضي الفلسطينية ليس ظاهرة جديدة؛ فهو مستمر منذ عقود، منذ الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة والضفة الغربية في حزيران/يونيو 1967. لكن ما يجعله شديد الاختلاف اليوم هو السياق الذي يُغلَّف به. فمنذ اعتراف الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالقدس عاصمةً لإسرائيل ونقله السفارة الأميركية إليها، ردّ الفلسطينيون بقوة، وفقد كثيرون منهم أرواحهم أو حرياتهم في مظاهرات غزة ومسيرات الجدار في الضفة الغربية.

ثم بدا إعطاء ترامب الضوء الأخضر لضمّ أراضي هضبة الجولان المحتلة منذ زمن طويل أشبه ما يكون بتجربة اختبارية لكيفية ردّ فعل العرب في المنطقة، تمهيداً للخطوة التالية. وفي غضون ذلك، واصلت النزعة التوسعية الإسرائيلية ابتلاع مزيد من الأرض لصالح بناء المستوطنات الإسرائيلية وفق جدول زمني مُعجَّل. وجاء اتفاق نتنياهو–غانتس ليزيد الطين بلّة عبر خطط ضمّ 30% من أراضي المنطقة (ج) في الضفة الغربية، وهي تشمل غور الأردن وعدداً من المستوطنات المنتشرة في أنحاء الضفة. ورأى كثيرون في هذه الخطط تهديداً مباشراً لأي حلّ مستقبلي قائم على الدولتين، وانتهاكاً آخر لاتفاقات أوسلو لعام 1993، وهو ما دفع الرئيس محمود عباس والسلطة الفلسطينية إلى وقف كل أشكال التنسيق مع إسرائيل، بما فيها التنسيق الأمني.

أما دور الإدارة الأميركية الحالية فقد ظلّ ثابتاً في دعمه غير المشروط للأنشطة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين. ففي وقت سابق من هذا العام، أعلن جاريد كوشنر، المبعوث الخاص لترامب، مزيداً من تفاصيل «خطة السلام» المقترحة للصراع الفلسطيني–الإسرائيلي. ورغم تجاهل الخطة التام لآراء الفلسطينيين ومطالبهم، وهو ما تُرجم لاحقاً إلى رفض تلقائي لها، فقد شرعت السلطات الإسرائيلية في تنفيذها من طرف واحد. أما المستوطنات، التي طالما اعتبرها القانون الدولي والمجتمع الدولي غير شرعية، فقد باتت شرعية في نظر بومبيو، وزير خارجية ترامب. وقد لقيت خطواته انتقادات واسعة من عدد من المسؤولين الأميركيين والناشطين الأوروبيين.

وخلال الانتخابات التمهيدية الأميركية، ناقش المرشحون بحدّة أكبر الوضع في فلسطين، وكذلك الدعم الأميركي لإسرائيل، غير أن ذلك لم يغيّر مساندة ترامب لحكومة نتنياهو. وقد رفضت أصوات من داخل الولايات المتحدة «صفقة القرن» التي طرحها ترامب أو أبدت لامبالاة تجاهها. وكان السيناتور الأميركي اليهودي بيرني ساندرز صريحاً في معارضته للممارسات الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني، ودعا خلال حملته التي انتهت الآن إلى استخدام المساعدات الأميركية لإسرائيل ورقةَ ضغط لدفع عملية السلام إلى الأمام. كما ألقى كلمة في احتجاج مناهض للضمّ نظّمه ناشطون فلسطينيون وإسرائيليون في تل أبيب. ولم يُتجاهَل ما ألهم به ساندرز تجاهلاً تاماً، إذ صرّح ديفيد فريدمان، السفير الأميركي لدى إسرائيل، بأن الاعتراف بالضمّ سيتوقف على وقف إسرائيل بناء المستوطنات واستعدادها للتفاوض على دولة فلسطينية مع الرئيس عباس. كما أعرب جو بايدن، المرشح الديمقراطي المؤيد لإسرائيل في الانتخابات الأميركية، عن معارضته لخطط الضمّ.

ويمتد رفض خطط الضمّ الإسرائيلية إلى أوروبا أيضاً، حيث احتجّ عدد من سفراء الاتحاد الأوروبي، ومنهم سفير المملكة المتحدة، لدى إسرائيل على ضمّ المستوطنات ومنطقة غور الأردن. فيما حذّر آخرون إسرائيل من هذه الخطوة حرصاً على مصالح إسرائيل نفسها. بل ذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك، فطالبوا بفرض عقوبات على إسرائيل إن هي مضت في طموحاتها الضمّية، وذلك في رسالة وقّعها 127 سياسياً أوروبياً. وإذا كان في ذلك أي مؤشر على الشكل الذي سيتخذه الموقف الأوروبي المستقبلي من الصراع، فإن إسرائيل توسّع الهوّة مع أوروبا وتُحرج حلفاءها والمدافعين عنها بخرقها الفاضح للقانون الدولي وتغييرها للوضع القائم من دون حلّ سياسي متّفق عليه بين الطرفين.

وتُظهر دراسة حديثة لصحيفة «هآرتس» الإسرائيلية أن 28% من مجموع الإسرائيليين يعارضون خطط الضمّ في تموز/يوليو. وفي الوقت نفسه، شهدت الضفة الغربية وتل أبيب احتجاجات ومظاهرات كثيرة ضد الضمّ.

وعلى الساحة العربية، أدانت جامعة الدول العربية رسمياً خطط الضمّ الإسرائيلية ووصفتها بأنها «جريمة حرب». كما تتصاعد التوترات في الأردن رداً على أنباء الضمّ، ولا سيما في ضوء إنهاء عقدَي إيجار أرضين لمزارعين إسرائيليين على التراب الأردني في الضفة الشرقية لغور الأردن. وعلى غرار مصر، تتمثل المخاوف الأردنية من الضمّ في أنه يحمل نُذُر خطر على الهوية الوطنية والأمن الوطني لكلٍّ منهما. وقد حذّر وزير الخارجية الأردني إسرائيل من العواقب. فالضمّ سيهدد مستقبل الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية، الذين قد يتّجهون إلى مصر والأردن هرباً من التجمعات المغلقة الشبيهة بالكانتونات والمحاطة بالمستوطنات الإسرائيلية. وهو يبعث كذلك برسالة غير معلنة مفادها أن شقيقتَي أوسلو، أي معاهدة وادي عربة مع الأردن ومعاهدة كامب ديفيد مع مصر، معرّضتان لخطر أن تنقضهما إسرائيل بسبب غياب المساءلة على ممارساتها. أما بقية الدول العربية فقد انقسمت بين تأييد كامل للفلسطينيين وبين مناشدة الفلسطينيين على مضض أن ينظروا في تقديم تنازل جديد من دون مكسب سياسي حقيقي.

وقد وجّه الرأي العام الفلسطيني والقيادة السياسية الفلسطينية على السواء انتقادات شديدة لخطط الضمّ. وهدّد الرئيس عباس بإلغاء جميع الاتفاقات مع إسرائيل والولايات المتحدة في حال تحققت هذه الخطط. كما رفضت حماس الضمّ الإسرائيلي والموقف الأميركي من هذه الخطوة. وانضم إلى الأصوات المناهضة للضمّ ناشطون وكتّاب إسرائيليون أيضاً، واصفين إياه بالكارثة، وعادّين إياه تهديداً لمستقبل إسرائيل وأمنها القومي. وهو ما قد يتجلّى في تصاعد عنف المستوطنين المدعوم من الدولة ضد 300 ألف قروي فلسطيني يعيشون في المنطقة (ج) من الضفة الغربية، وفق منظمة «بتسيلم» الإسرائيلية لحقوق الإنسان.

ويبقى السؤال: في ظل رفض عالمي، واحتجاجات محلية، ومعارضة رسمية من ساسة أوروبيين وأميركيين، وتحقيق محتمل يتصل بكوفيد-19، ومحاكمة بتهم فساد، هل يمضي نتنياهو قُدُماً في خطط الضمّ المثيرة للاستقطاب والمقررة في الأول من تموز/يوليو؟

المجال: Palestinian-Israeli Conflict — النص © ISPI — Italian Institute for International Political Studies — محفوظ هنا مع الإسناد إلى المصدر. — المصدر الأصلي

كل المنشورات