ععمر شعبان إسماعيلاقتصاد سياسي · فلسطين

منشور

نحو دور أكثر فاعلية لألمانيا في فلسطين

عمر شعبان إسماعيل · مجلة أورينت — المعهد الألماني الشرقي · 2022

تدعو هذه المقالة إلى دور ألماني أكثر فاعلية في حل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. يستعرض الكاتب الموقع الفريد لألمانيا بوصفها أكبر اقتصادات الاتحاد الأوروبي، ذات علاقات متينة مع الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي وقيم ديمقراطية موثوقة. ويحدد أربعة محاور يمكن لألمانيا أن تؤثر فيها: (1) دعم الوحدة والمصالحة الفلسطينية بين غزة والضفة الغربية، مستلهماً تجربة إعادة التوحيد الألمانية؛ (2) تيسير حوار عملية السلام؛ (3) تعزيز الحوكمة الرشيدة وبناء المؤسسات في السلطة الفلسطينية؛ (4) معالجة الأزمة الإنسانية في قطاع غزة. يدعو الكاتب الحكومة الائتلافية الألمانية الجديدة إلى توظيف رصيدها السياسي والخروج من نهجها الخارجي المحافظ تجاه الشرق الأوسط.

تدعو هذه المقالة إلى دور ألماني أكثر فاعلية في حل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. يستعرض الكاتب الموقع الفريد لألمانيا بوصفها أكبر اقتصادات الاتحاد الأوروبي…

عمر شعبان

نحو دور ألماني أكثر فاعلية في فلسطين

أولاً: المقدمة

تُعدّ ألمانيا أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي، إذ بلغ ناتجها المحلي الإجمالي 3.85 تريليون دولار أمريكي في عام 2020 وفقاً للبنك الدولي. وليس لها أعداء، وتربطها علاقات جيدة مع جميع الأطراف تقريباً. وفي سياق الشرق الأوسط، لا تمتلك تاريخاً استعمارياً ولم تنخرط في أي نزاع عسكري. ويُقدّر سكان المنطقة العربية عموماً المواقف التي تتخذها ألمانيا في دعم العدالة وتوجهها التنموي؛ وتُعدّ قضية اللاجئين السوريين مثالاً قوياً على ذلك. كما تتمتع بنقاط قوة متعددة من حيث التكنولوجيا والإبداع، واقتصاد قوي، وخدمات طبية متقدمة، وحرية الصحافة، وحقوق المرأة، واحترام حقوق الإنسان، والأدب والثقافة.

تُعتبر ألمانيا دولة ديمقراطية ملتزمة بالقيم العالمية، وينظر الفلسطينيون إلى الألمان بوصفهم شعباً طموحاً، ودوداً، منفتحاً، متفائلاً ومجتهداً، ويرغبون في دور ألماني معزّز وفعّال في حل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. كما تؤمن القيادة الفلسطينية بذلك. ويؤمن المجتمع المدني بالدور التراكمي لألمانيا تجاه بناء المجتمع وتحقيق التنمية. وقد دعمت المؤسسات الألمانية هذا التوجه من خلال تقديم الأموال لدعم القطاعات الأكثر احتياجاً في فلسطين. كما تُعدّ ألمانيا أهم شريك لإسرائيل بعد الولايات المتحدة، ولأسباب تاريخية تربط ألمانيا علاقة خاصة بإسرائيل. وكما قالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل قبل بضع سنوات: "إن أمن دولة إسرائيل هو أحد أسس السياسة الألمانية"، في اعتراف واضح بهذا الالتزام.

يؤكد المحللون السياسيون أن الدور السياسي لألمانيا في فلسطين لا يوازي جوانبه الاقتصادية والإنسانية، إذ إن سياستها الخارجية محافظة، أو مترددة. ولدى ألمانيا خط سياسي ينسجم مع المصلحة العليا للاتحاد الأوروبي ولا يتجاوزها. وهي لا تشارك الولايات المتحدة خطها السياسي وتفضّل تحقيق توازن بين متطلبات الديمقراطية والاستقرار. ويتضح ذلك في كيفية تعاملها مع النزاعات في الشرق الأوسط، كما في مصر وتونس واليمن وسوريا. وتمتلك ألمانيا القدرة على تقديم المشورة وطرح حزمة من الحلول بوصفها خريطة طريق. وتعرض هذه المقالة آليات من شأنها تعزيز الدور الألماني وإمكانات التدخل المستقبلي على المسارين الفلسطيني-الفلسطيني والفلسطيني-الإسرائيلي.

ثانياً: ألمانيا وإسرائيل/فلسطين

أقامت ألمانيا علاقات دبلوماسية متقدمة مع الفلسطينيين خلال العقود التي تلت اتفاقات أوسلو وتشكيل السلطة الوطنية الفلسطينية. وكانت أول دولة تفتتح تمثيلاً دبلوماسياً في أريحا، ولديها حالياً مكتب تمثيلي في رام الله، فيما توجد أيضاً بعثة فلسطينية في برلين. وتدعم ألمانيا حل الدولتين وتشجع أطرافاً أخرى على دعمه، معتبرةً إياه أساساً للسلام في الشرق الأوسط. ويقوم الممثل الألماني لدى السلطة الفلسطينية بالعديد من الأنشطة الهادفة إلى التواصل مع الفلسطينيين، بمن فيهم المزارعون والعمال والصيادون، والتحدث إليهم بشأن ظروفهم المعيشية. كما توجد عدة مؤسسات ألمانية تعمل في الأراضي الفلسطينية، وتقدم الدعم والتمويل في مجالات عديدة.

تواصل ألمانيا دعم الحكومة الفلسطينية، والموازنة، والبنية التحتية، والشرطة، ولجنة الانتخابات المركزية، كما تدعم العديد من المنظمات غير الحكومية من خلال منح منتظمة. وكانت ألمانيا أكبر داعم لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين في الشرق الأدنى في عام 2020، إذ ساهمت بمبلغ 182 مليون دولار أمريكي، وقدمت في ديسمبر/كانون الأول الماضي 21 مليون دولار أمريكي دعماً طارئاً. وفي الوقت نفسه، تحافظ ألمانيا على علاقات استراتيجية مع إسرائيل، وتعتبر أمنها واستقرارها جزءاً من السياسة الألمانية، إلى حد كبير بسبب مسؤوليتها التاريخية تجاه الشعب اليهودي. ومنذ إقامة العلاقات الدبلوماسية في عام 1965، شهدت العلاقات الألمانية-الإسرائيلية تكثيفاً وتعميقاً مستمرين، سواء على المستوى الرسمي أو في المجتمع المدني. واليوم، تُعدّ العلاقات الألمانية-الإسرائيلية وثيقة وودية. وفي فبراير/شباط 2016، اجتمعت حكومتا البلدين للمرة السادسة. وإضافة إلى ذلك، تشهد الزيارات الرسمية العديدة في كلا الاتجاهين على كثافة العلاقات وتنوعها.

يميل الفلسطينيون عموماً إلى النظر بإيجابية إلى ألمانيا في السياسة الدولية. وتعتقد الأغلبية أن ألمانيا مهتمة بحل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، وتفضّل أن تكون لألمانيا أقوى علاقة مع السلطة الفلسطينية بين جميع الدول الأوروبية. كما يعتقد معظمهم أيضاً أن ألمانيا شريك مهم لإسرائيل وأنها تدعم حق إسرائيل في الوجود. وترى الأغلبية في الوقت نفسه أن العلاقات الإسرائيلية-الألمانية ممتازة، ولا توافق بشكل كامل على نهج ألمانيا في حل الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. ويرى كاتب هذه المقالة أن على ألمانيا ألا تدع علاقتها الخاصة بإسرائيل تقيّد نهجها بحيث يقتصر على تقارب في وجهات النظر في الصراع. ويؤمن الفلسطينيون بقوة بأن ألمانيا تستطيع أن تضطلع بدور أكثر فاعلية، وسوف يدعمونها في القيام بذلك.

ثالثاً: إمكانيات الانخراط الألماني في الأراضي الفلسطينية

أسفرت الانتخابات الأخيرة في ألمانيا عن حكومة جديدة ومستشار جديد، ما أدى إلى تشكيل ائتلاف إشارة المرور (الاشتراكيون الديمقراطيون، والديمقراطيون الليبراليون، والخضر). وعند تحليل اتفاق الحكومة وإطارها، تتعلق أولوياتها بقضايا مثل المناخ، وإصلاح الضرائب الداخلية، والأجور، والهجرة. ثم نشأت الأزمة الروسية-الأوكرانية. وعلى الرغم من كل ذلك، فقد أعطت الحكومة أيضاً أولوية للشرق الأوسط: إذ سافرت وزيرة الخارجية أنالينا بيربوك إلى المنطقة، والتقت بقادة إسرائيليين وبرئيس دولة فلسطين محمود عباس، وكذلك بنظرائها في الأردن ومصر. وشددت على أهمية تعزيز جهود السلام فضلاً عن قضايا أخرى. وقد أكد رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية أن "نجاح عملية السلام يحتاج إلى مرجعيات واضحة ومتفق عليها، وإجراءات لبناء الثقة، ووسيط نزيه لعملية السلام، فضلاً عن إطار زمني واضح ومتفق عليه… ويمكن لألمانيا وأوروبا أن تسعيا من خلال (اللجنة الرباعية) إلى ملء الفراغ السياسي الذي تعيشه المنطقة الآن."

سياسياً، يمكن لألمانيا أن تؤدي دوراً سياسياً نشطاً في مسألتين استناداً إلى نقاط قوتها:

## III.1 الوحدة بين الفلسطينيين (جهود المصالحة)

مثل كثير من الدول، التزمت ألمانيا بسياسة عدم الاتصال مع حماس في غزة. وقد يمنع هذا الالتزام تدخلاً ألمانياً مباشراً لدعم الحوار بين الفلسطينيين. إن تحقيق الوحدة بين غزة والضفة الغربية شرط أساسي للعودة إلى عملية السلام، وتوحيد النظام السياسي لإحياء حل الدولتين وتجنب حرب جديدة على المدنيين في غزة. وفي جلسات مع دبلوماسيين ألمان، تحدثت عن الحاجة إلى إيجاد آلية مختلفة للتعاون مع المنظمات غير الحكومية والقطاع الخاص من أجل تعزيز الضغط باتجاه المصالحة الفلسطينية من خلال مراكز الفكر، ومجتمعات الشباب والنساء.

وعلى غرار التجربة الألمانية بعد إعادة التوحيد بين برلين وبون، فإن الفجوة الواسعة بين غزة والضفة الغربية على المستويات الاقتصادية والإنسانية والقانونية تعكس ما كان قائماً بين ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية. وقد تفاعلت مع خبراء ألمان خلال زياراتي إلى برلين ومدن أخرى، محاولاً استكشاف نهج ألمانيا في ردم الفجوة وتوحيد السياسات (القوانين، والتجارة، ومنظمات الأعمال، والائتمان، وغرف التجارة، والمجتمع المدني). ويمكن لألمانيا أن تعيد إنتاج تجربتها من خلال بناء جسور بين المؤسسات الألمانية والفلسطينية لاستعادة الانسجام في المجالات المدنية التي لا تثير حساسية سياسية.

## III.2 حوار عملية السلام

يمكن لألمانيا أن تؤدي دوراً سياسياً نشطاً في حوار عملية السلام، لا سيما بالنظر إلى مصداقيتها لدى الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء. ويوفر موقف ألمانيا الداعم لحل الدولتين أساساً بنّاءً لتيسير المفاوضات. كما أن التقليد الألماني في الدبلوماسية متعددة الأطراف ودعم القانون الدولي يضعها في موقع جيد للإسهام بشكل ذي معنى في تجديد جهود السلام.

## III.3 الحكم الرشيد وبناء المؤسسات

إن دعم الحكومة في تعزيز مبدأ الفصل بين السلطات يؤدي إلى الشفافية، ويدعم الحد من شبهات الفساد، ويحسن أداء الحكومة. كما أن مواصلة دعم المؤسسات الحكومية تحسن أكثر من استجابتها. ودعم الموازنة العامة، والبنية التحتية، وقطاع الحكم المحلي يزيد من فرص جودة الحياة للفلسطينيين، ويزيد من خلق فرص العمل، ويحسن بصورة جوهرية مواقف المجتمع تجاه السلام. ومنذ عام 1994، دعمت ألمانيا جميع القطاعات الفلسطينية، ولها اليوم تأثير كبير: في الحكومة والمؤسسات الأمنية وكذلك في القطاع الخاص والقطاع غير الحكومي.

وكان هناك أيضاً أمل قبيل الانتخابات الفلسطينية لعام 2021، عندما كانت 36 قائمة مرشحة قد سجلت. وكان موقف المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل واضحاً في دعم الانتخابات، وكنا نأمل أن تواصل الحكومة الحالية الحوار الفعال مع الإسرائيليين والفلسطينيين باتجاه تيسير إجراء الانتخابات قبل يونيو/حزيران 2023. ويمكن أن يفتح إجراء انتخابات عامة الطريق أمام عملية ديمقراطية مستمرة في جميع الهيئات المدنية (الجامعات، والنقابات، والبلديات، وهيئات أخرى).

## III.4 ماذا عن قطاع غزة؟

منذ عام 2007، واجه قطاع غزة أربع حروب مدمرة، كان لها أثر سلبي على الناس والمؤسسات والبنية التحتية والمرافق. ولم يُعَد بناء كثير من المنازل بعد. كما يخضع غزة للحصار منذ ذلك العام في ظل الحكومة الفعلية لحماس. وقد أصبحت معاناة مليوني فلسطيني (65% منهم دون سن الثلاثين) أعمق في هذه المنطقة الصغيرة والصعبة. وهناك تطرف وتشدد وارتفاع في الفقر وأعلى معدلات البطالة في العالم وفقاً للتقارير الدولية. إن استمرار الحصار سيفاقم الأزمة ويؤدي إلى تجدد الصراع العسكري، ما يعني المزيد من هدم المنازل والمصانع والبنية التحتية التي يدعمها المانحون، بما في ذلك ألمانيا. إن عدم تجدد الصراع ومنع أسبابه واجب على الجميع. وهناك آليات تعالج أصل المشكلة، مثل ضمان حرية حركة الأشخاص والبضائع، وكذلك تمكين الفلسطينيين من العمل في إسرائيل والسفر لأغراض التعلم. وكل ما سبق يتوافق مع القانون الدولي، ويدعم التنمية البشرية، ويجلب الاستقرار، وهو ما يصب في مصلحة الجميع. وفي ديسمبر/كانون الأول الماضي، قدمت ألمانيا حزمة دعم مالي للفلسطينيين، شملت 6 ملايين يورو كمساعدات مالية لإعادة بناء نحو 150 منزلاً مدمراً ودعم 50 أسرة في تلبية احتياجاتها العاجلة من الإغاثة النفسية والاجتماعية. ويلزم تطوير آلية مناسبة لتسريع إعادة الإعمار وتوفير الاستقرار للمتضررين.

## IV. الخلاصة

يمكن لألمانيا أن تؤثر في مجريات الأحداث بشأن أربع قضايا: الوحدة الفلسطينية؛ وعملية السلام وبناء الثقة؛ والحوكمة وبناء المؤسسات؛ والمعضلة الإنسانية في قطاع غزة. ويمكنها التأثير في جميع هذه الاتجاهات رغم وجود أولويات أخرى، وذلك من خلال قدرات غير مستثمرة قد تساعد في معالجتها.

---

نُشر في: ORIENT – مجلة المعهد الألماني للدراسات الشرقية في هامبورغ، العدد الثاني/2022، ص. 55–58.

المجال: Regional & International Politics — German-Palestinian Relations · EU Foreign Policy · Palestinian-Israeli Conflict · Gaza Politics · Palestinian Politics — النص © ORIENT — German Orient-Institut — محفوظ هنا مع الإسناد إلى المصدر. — المصدر الأصلي

تغطية إعلامية ذات صلة

كل المنشورات