منشور
عمر شعبان إسماعيل · معهد الشرق الأوسط · 2022
يتناول عمر شعبان دوافع الهجوم الإسرائيلي في أغسطس 2022 على حركة الجهاد الإسلامي في غزة وتداعياته على العلاقة بين غزة والضفة الغربية وبين فصائل المقاومة. ويجادل بأن إسرائيل لم تستهدف فقط إحباط تهديد تكتيكي، بل سعت أيضاً إلى تعميق الانقسام الفلسطيني، وفصل حماس عن الجهاد الإسلامي، وتعزيز موقع يائير لابيد الانتخابي، وتحديث بنك الأهداف، وإرسال رسائل إقليمية. ويشير إلى أن المواجهة استمرت 55 ساعة، وأسفرت عن مقتل 47 فلسطينياً، بينما أطلقت الفصائل نحو 1000 صاروخ، وأن حماس امتنعت عن التدخل المباشر بسبب المزاج الشعبي في غزة ومقتضيات الحكم. ويخلص إلى أن إسرائيل ألحقت ضربة قاسية بالجهاد الإسلامي لكنها لم تنجح بالكامل في فصل الساحات أو كسر التنسيق بين حماس والجهاد، فيما تراجعت شعبية الجهاد في غزة وارتفعت في الضفة الغربية.
عمر شعبان، أغسطس 2022: هجوم إسرائيل على الجهاد الإسلامي استهدف تعميق الانقسام الفلسطيني أكثر من مجرد ردع تهديد تكتيكي.
في 1 آب/أغسطس، انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي مقطع فيديو قصير يظهر فيه بسام السعدي، وهو قيادي في حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية (PIJ) يبلغ من العمر 62 عاماً من مخيم جنين للاجئين في الضفة الغربية، وهو يُسحب على الأرض على يد جنود إسرائيليين، مع آثار دماء على الأرض وكلب شرطة ينهشه. وأثار المقطع الشكوك في أنه ربما قُتل. لكن قبل أن تنشر إسرائيل صوراً تؤكد أنه لا يزال على قيد الحياة، هددت حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية في غزة بالرد. ويُعدّ السعدي شخصية بارزة داخل الحركة، إذ قاد المفاوضات بين الفصائل الفلسطينية المختلفة في جنين، التي أفضت إلى تشكيل غرفة عمليات مشتركة في المخيم. كما موّل المقاومة المسلحة داخل المخيم، بحسب مصادر إسرائيلية.
واستناداً إلى «معلومات استخبارية» عن هجوم وشيك بـ«صاروخ مضاد للدروع» من جانب حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية، فرضت إسرائيل بعد ذلك إغلاقاً على البلدات الإسرائيلية المحاذية لقطاع غزة. وكان قبول هذا الإغلاق سيعني منح الحركة نصراً دعائياً، حتى من دون أن تنفذ الأخيرة هجوماً. كما أن إسرائيل لم تكن لتقبل بمحاولة الحركة ربط أحداث غزة بالضفة الغربية. ولذلك اختارت إسرائيل أن تبادر بتوجيه ضربة إلى الحركة الفلسطينية المسلحة.
## دوافع جميع الأطراف
بدأ الهجوم الإسرائيلي على غزة في 5 آب/أغسطس باغتيال قائد رفيع في سرايا القدس، الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية، واستمر يومين ونصف اليوم (55 ساعة). وردت سرايا القدس وفصائل مسلحة أخرى بإطلاق نحو 1,000 صاروخ محلي الصنع على البلدات الإسرائيلية القريبة من غزة. ولم تتدخل حماس، التي تحكم القطاع فعلياً، عسكرياً. وفي المجمل، قُتل 47 فلسطينياً، من بينهم قائد ثانٍ في سرايا القدس، إلى جانب 15 طفلاً و4 نساء.
وبدت دوافع حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية لتكثيف الضغط واضحة، بالنظر إلى الاسم الذي اختارته لهذه الجولة من التصعيد: «وحدة الساحات». وإذ رأت الحركة في الإجراءات الإسرائيلية في جنين محاولةً للقضاء على المقاومة المسلحة في الضفة الغربية، خلصت إلى أن ثمة حاجة إلى تحرك عاجل لإظهار لإسرائيل أن مهاجمة الضفة الغربية ستكون مكلفة وقد تفتح أيضاً جبهات أخرى.
أما الدوافع الإسرائيلية، فقد تجاوزت بكثير تحييد تهديد تكتيكي وحماية سكان ما يسمى بـ«غلاف غزة» — وهي المناطق المأهولة في إسرائيل الواقعة ضمن 7 كيلومترات من حدود غزة — من هجوم مزعوم. وشملت أيضاً:
• تعزيز التشظي الفلسطيني: لا شك في أن وحدة الجبهة الفلسطينية تشكل تهديداً استراتيجياً لإسرائيل. وقد أصبحت هذه الوحدة واقعاً خلال أحداث أيار/مايو 2021 و«انتفاضة الوحدة». ونتيجة لذلك، سعت إسرائيل منذ ذلك الحين إلى استعادة الفصل بين الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية، والتعامل مع كل منها على حدة.
• فصل فصائل المقاومة عن بعضها البعض: بالتوازي مع ما سبق، تسعى إسرائيل إلى دق إسفين بين حماس وحركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية من خلال التركيز على المكاسب التي يمكن أن تجنيها حماس إذا بقيت خارج المواجهة الجارية، كما يتضح من حرصها على تجنب استفزاز حماس.
• تعزيز السيرة العسكرية للابيد: بالنظر إلى المسيرات العسكرية والأمنية الطويلة لرؤساء الحكومات الإسرائيليين السابقين، ربما سعى رئيس الوزراء يائير لابيد، الذي كانت خلفيته العسكرية تقتصر على العمل مراسلاً لصحيفة الجيش الأسبوعية، إلى تعزيز سيرته قبيل انتخابات تشرين الثاني/نوفمبر.
• تحديث بنك الأهداف: انسجاماً مع سياستها القائمة على استخدام قوة عسكرية ساحقة بشكل دوري، أو ما يُعرف بـ«جزّ العشب»، لإبقاء الجماعات المسلحة المعادية في حالة ضعف، يواصل الجيش الإسرائيلي السعي إلى تحديث بنك أهدافه في غزة، الذي قد يشمل القدرات الصاروخية أو الأنفاق أو غير ذلك من البنى التحتية الرئيسية. لكن كان واضحاً هذه المرة أنه أراد توجيه ضربة أشد إيلاماً.
• توجيه رسالة إلى لبنان: قد يكون تصاعد التوتر بين إسرائيل وحزب الله بشأن مواصلة إسرائيل استغلال حقول كاريش للغاز الطبيعي، التي ينظر إليها الجانب الإسرائيلي باعتبارها أولوية اقتصادية عليا، بينما يراها لبنان اعتداءً على مصالحه، عاملاً آخر. وقد يكون ذلك أيضاً وسيلة لتحييد الجبهة الفلسطينية في حال وقوع مواجهة عسكرية على الجبهة الشمالية.
تسويق الأسلحة المجرَّبة ميدانياً: تباهت مصادر عسكرية إسرائيلية رفيعة المستوى باستخدام سلاحين جديدين لاغتيال الجعبري، إذ دُمّرت شقته السكنية من دون إلحاق أضرار كبيرة بالبناية المحيطة وسكانها الآخرين.
وفي ما يتعلق بقرارات حماس عدم الانضمام إلى التصعيد، فهناك عدة أسباب لذلك، في مقدمتها تقديرها أن الرأي العام الفلسطيني في غزة كان معارضاً لحرب أخرى طويلة الأمد. إضافة إلى ذلك، خلصت حماس، التي تدرك مسؤوليتها بصفتها السلطة الحاكمة عن رفاه السكان، إلى أن الأسباب التي تدعو إلى الانضمام إلى المعركة — أي الدفاع عن حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية — لم تكن بقوة الأسباب التي أملت الأعمال القتالية في أيار/مايو 2021، عقب اقتحام إسرائيل للمسجد الأقصى.
## تداعيات على علاقة حماس بحركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية
سلّط الهجوم الأخير الضوء على مدى خطورة استمرار غياب رؤية واستراتيجية وقيادة موحدة لدى الفلسطينيين. فقد خاضت حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية هذه المعركة وحدها من دون تدخل مباشر من حماس. وفي الوقت نفسه، لم يسأل أحد عن غياب السلطة الفلسطينية لأن غيابها أصبح مألوفاً.
ورغم أن ترك حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية وحدها في المعركة أثّر بالتأكيد في العلاقة بين الفصيلين، فلا شك يذكر في أن الجناح العسكري لحماس كان مشاركاً في الصراع، وإن كان ذلك بطريقة حذرة وغير معلنة. ولم يكن بإمكان الحركة أن تشن العملية من دون ضوء أخضر من حماس. وعلاوة على ذلك، تكشف التسريبات الميدانية والتقارير الإسرائيلية عن «بصمة» أمنية لحماس طوال فترة التصعيد.
في مؤتمر صحفي عُقد في طهران عقب وقف إطلاق النار، أصرّ الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية، زياد النخالة، على أن محاولة إسرائيل شقّ صفّ حماس والجهاد الإسلامي لم تنجح، واصفًا حماس بأنها «العمود الفقري للمقاومة»، مضيفًا: «نحن في تحالف مستمر معها لمواجهة العدو، وسنبقى موحّدين مع جميع قوى المقاومة الأخرى».
من ناحية أخرى، فإن الضربة القاسية التي وجّهتها إسرائيل إلى حركة الجهاد الإسلامي في مواجهة لم توافق عليها حماس قد تثبت أنها درس قاسٍ للحركة. وبمعنى آخر، قد ينتهي الأمر بالحادثة الأخيرة إلى تعزيز سيطرة حماس على المقاومة في غزة وتقوية قدرتها على إبقاء الجهاد الإسلامي ضمن الانضباط.
وقد يدل قرار حماس بالتصرف «بمسؤولية» ومنع مزيد من التصعيد على استعدادها للدخول في هدنة طويلة الأمد مع إسرائيل من أجل العمل على تحسين رفاه سكان غزة، والسماح بتدفق مساعدات إعادة الإعمار الدولية، وربما حتى إبرام صفقة لتبادل الأسرى.
تراجعت شعبية الجهاد الإسلامي داخل غزة وارتفعت خارجها
كان هناك استياء شعبي واسع في غزة من فكرة هذا التصعيد الكبير ردًا على اعتقال في الضفة الغربية، وهي اعتقالات تكاد تكون حدثًا يوميًا هناك. فمنذ عام 1967، دخل مليون فلسطيني السجون الإسرائيلية. إن التصعيد كلما جرى احتجاز شخص سيكون أعلى كلفة مما تستطيع غزة احتماله.
لم يكن لدى سكان غزة أي اهتمام بمواجهة عسكرية أخرى، ولا سيما أنها جاءت بعد 15 شهرًا فقط من الهجوم الإسرائيلي الأخير على القطاع، الذي ألحق خسائر بشرية ومادية كبيرة. بل إن الفلسطينيين في غزة يفضّلون الحفاظ على المكاسب القليلة التي حصلوا عليها منذ ذلك الحين، وعلى رأسها 15 ألف تصريح عمل في إسرائيل وتسهيلات أخرى. ولم يؤدّ تكرار إطلاق الصواريخ الفاشل، الذي تسبب في سقوط عدد من الضحايا الفلسطينيين، إلا إلى زيادة الاستياء والإحباط الشعبيين. وفي الوقت نفسه، فإن غياب حملة إعلامية فعّالة من جانب الجهاد الإسلامي لتحفيز الرأي العام في غزة أو إقناعه ألحق ضررًا بالغًا بمكانتها خلال تصعيد آب/أغسطس 2022.
ومع ذلك، ففي حين تراجعت شعبية الجهاد الإسلامي في غزة، ارتفع حضورها في الضفة الغربية بالفعل، ويرجع ذلك جزئيًا إلى محاولتها ربط غزة بالضفة الغربية، ولكن أيضًا إلى استعدادها لمواجهة إسرائيل رغم تلقيها ضربات شديدة، وقيامها بذلك منفردة. وإلى جانب إظهارها تصميمها، نجحت الحركة في إبراز قدراتها المؤسسية. فبعد مقتل قائدين عسكريين بارزين، هما قائد المنطقة الجنوبية في قطاع غزة وقائد وحدة الصواريخ، زادت الجهاد الإسلامي من قوتها النارية، مظهرة أن عملها العسكري منظم ومؤسسي بما يكفي لتحمّل فقدان أكثر من قائد واحد.
## الخلاصات
حققت الهجمة الإسرائيلية عدة أهداف استراتيجية وتكتيكية — وإن لم تحققها كلها. فقد نجحت في توجيه ضربة شديدة إلى الجهاد الإسلامي، وإن لم تكن بالضرورة ضربة حاسمة. ونجح رئيس الوزراء لابيد في كسب ورقة قد تزيد من فرصه في الانتخابات المقبلة. لكن من حيث إبقاء جبهتي غزة والضفة الغربية منفصلتين وإبقاء فصائل المقاومة منقسمة، لم تتمكن إسرائيل من تحقيق اختراق كبير. وعلى الرغم من فقدان الثقة والضرر الذي لحق بالعلاقة بين حماس والجهاد الإسلامي، فقد أوضح قادة الحركتين أنهم سيواصلون التنسيق والتعاون الوثيقين.
ومع ذلك، سيتعين على الجهاد الإسلامي، في المرحلة المقبلة، إعادة تقييم استراتيجيتها، بما في ذلك الحاجة إلى استعادة مكانتها داخل قطاع غزة وإصلاح علاقتها مع حماس، وكلا الأمرين سيستغرقان وقتًا. وفي الأثناء، ستحتاج الحركة أيضًا إلى أخذ سياسة إسرائيل القائمة على توسيع الحوافز والفرص الاقتصادية في الحسبان، وهي سياسة تهدف إلى دفع حماس إلى التصرف كحكومة بدلًا من كونها حركة مقاومة عسكرية — وهو تحول يتعارض مع مصالح الجهاد الإسلامي ذات التوجه الكفاحي.
المجال: Gaza Politics — Islamic Jihad · Hamas · Israeli escalation — النص © Middle East Institute — محفوظ هنا مع الإسناد إلى المصدر. — المصدر الأصلي