منشور
عمر شعبان إسماعيل · المركز الفلسطيني للبحث السياسي والمسحي · 2022
ورقة سياسات صادرة عن المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية (2022)، تُقدّم الحجة بأن استكمال الانتخابات المحلية في قطاع غزة — المعلّقة منذ مرحلتها الأولى عام 2021 — يُمثّل المسار الأكثر براغماتيةً للخروج من المأزق السياسي، دون اشتراط مسبق بالمصالحة الوطنية الشاملة.
ورقة سياسات صادرة عن المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية (2022)، تُقدّم الحجة بأن استكمال الانتخابات المحلية في قطاع غزة — المعلّقة منذ مرحلتها الأولى…
عمر شعبان
استكمال الانتخابات المحلية في قطاع غزة بداية الخروج من المأزق
ملخص تنفيذي
تعيش غزة حالة تجمّد سياسي مزدوج: انقسام داخلي يتجاوز عمره خمسة عشر عاماً، وحصار خارجي مطبق منذ عام 2007. وفي ظل هذا المأزق المركّب، تُقدّم الورقة الراهنة حجةً مفادها أن استكمال الانتخابات المحلية في قطاع غزة — التي جرت مرحلتها الأولى في مدن الضفة الغربية ومدينة غزة عام 2021 — يُمثّل بوابةً عملية للخروج من هذا المأزق، ولا تحتاج بالضرورة إلى توافق وطني شامل مسبق.
تنطلق الورقة من أن الانتخابات المحلية في قطاع غزة ليست ترفاً ديمقراطياً، بل هي حاجة وظيفية وإدارية عاجلة؛ إذ تعمل معظم البلديات والهيئات المحلية في القطاع بتشكيلات قائمة منذ أكثر من خمسة عشر عاماً دون تجديد أو انتخاب. وتتناول الورقة الدوافع السياسية والاجتماعية والاقتصادية لإجراء هذه الانتخابات، وتستعرض العقبات التي تعترضها، مع اقتراح آليات لتجاوزها.
أولاً: السياق العام — غزة بعد خمسة عشر عاماً من الحصار
منذ سيطرة حركة حماس على قطاع غزة في يونيو 2007 وفرض الحصار الإسرائيلي والمصري، يرزح القطاع تحت وطأة أزمة إنسانية متفاقمة. يعيش في القطاع ما يزيد على مليوني فلسطيني في رقعة جغرافية لا تتجاوز 365 كيلومتراً مربعاً، يعاني معظمهم من ارتفاع معدلات الفقر والبطالة التي تتجاوز 47%، فضلاً عن شُحّ المياه العذبة وانهيار البنية التحتية وضعف الخدمات الأساسية.
على الصعيد السياسي، يعيش القطاع في فراغ تمثيلي حاد: المجلس التشريعي الفلسطيني معطّل، والانتخابات الرئاسية والتشريعية التي كانت مقررة عام 2021 أُجّلت بقرار من الرئيس محمود عباس، والهيئات المحلية في غزة تعمل بمجالس معيّنة أو مُمدَّد لها دون سند شعبي. وقد أفضى ذلك إلى حالة من الشرعية المنقوصة التي تُثقل كاهل المنظومة الحوكمية برمّتها.
ثانياً: الانتخابات المحلية 2021 — خطوة ناقصة
في مايو 2021، أجرت السلطة الفلسطينية الانتخابات البلدية في الضفة الغربية ومدينة غزة فقط، في حين علّقت لجنة الانتخابات المركزية إجراءها في باقي محافظات قطاع غزة بسبب ضغوط حركة حماس وتعقيدات اللوائح المقدمة. شاركت حركة حماس في انتخابات مدينة غزة عبر قوائم مدعومة منها، وحققت نجاحات ملحوظة. غير أن امتناعها عن السماح بالعملية الانتخابية في باقي مدن القطاع أفرز واقعاً مشوّهاً: بلديات منتخبة في الضفة، وهيئات محلية معيّنة في غزة.
تُجادل هذه الورقة بأن استكمال هذه العملية الانتخابية في قطاع غزة بات ضرورة لا تحتمل التأجيل، وأن التفريق بين الانتخابات المحلية وأسئلة الحوكمة الوطنية الأشمل يُمثّل المدخل الأمثل للمضي قُدُماً.
ثالثاً: دوافع استكمال الانتخابات المحلية
1. الشرعية الوظيفية للهيئات المحلية: تفتقر البلديات والهيئات المحلية في غزة إلى الشرعية الانتخابية اللازمة لإبرام عقود الخدمات، والحصول على التمويل الدولي، والتفاوض مع الجهات المانحة. واستكمال الانتخابات يمنحها هذه الشرعية.
2. تخفيف الاحتقان الشعبي: خمسة عشر عاماً من الفراغ التمثيلي ولّدت احتقاناً متصاعداً في الشارع الغزي. والانتخابات المحلية تُتيح قناةً تعبيرية شرعية تُخفّف من هذا الاحتقان وتُعيد بعض الثقة في العملية السياسية.
3. الديناميكية الديمقراطية المتصاعدة: شهدت نقابات عمالية وجمعيات طلابية وهيئات مهنية في غزة انتخابات حرة نسبياً خلال السنوات الأخيرة. واستكمال الانتخابات المحلية يُعمّق هذا المسار ويُرسّخه.
4. التجديد القيادي للهيئات المحلية: يُتيح الانتخابات إدخال دماء جديدة في هياكل الحكم المحلي، مما يُعزز الكفاءة ويُشجّع على المساءلة.
5. الدور التنموي: الهيئات المنتخبة قادرة على التعامل بفاعلية أكبر مع المنظمات الدولية والمانحين في تصميم وتنفيذ مشاريع التنمية المحلية.
رابعاً: دوافع حركة حماس للموافقة على استكمال الانتخابات
في السياق الراهن، ثمة مصلحة موضوعية لحركة حماس في قبول استكمال الانتخابات المحلية:
1. الشرعية الانتخابية: انتخابات 2006 التشريعية هي آخر اختبار شعبي خضعت له الحركة. الانتخابات المحلية تُتيح لها تجديد شرعيتها الشعبية في بيئة أكثر قابلية للإدارة من الانتخابات الوطنية.
2. الانفتاح الدولي: التوجه الدولي نحو إعادة التعامل مع غزة يمر عبر البلديات والمؤسسات المحلية أكثر من مرور الحكومة المركزية في غزة. الانتخابات المحلية تُسهّل هذا التعامل.
3. ترسيخ الحضور السياسي: في ظل التحولات الإقليمية، ومساعي المصالحة الجارية برعاية مصرية وقطرية، يُتيح لحماس قبول الانتخابات المحلية تقديمَ نفسها كطرف براغماتي يُقبل التعددية ضمن صلاحياتها الإدارية.
خامساً: العقبات أمام استكمال الانتخابات
1. الخلاف حول اللوائح والتمثيل: لجنة الانتخابات المركزية تشترط أن تكون اللوائح المقدمة وفق أحكام قانون الانتخابات المعمول به، في حين تريد حماس ضمانات بعدم استغلال العملية لصالح منافسيها.
2. التوظيف السياسي: يُخشى من توظيف الانتخابات المحلية كورقة ضغط في الجدل السياسي بين الفصائل بدلاً من تحويلها إلى أداة حوكمة فعلية.
3. التنسيق مع السلطة الفلسطينية: اشتراط ربط الانتخابات بمسار المصالحة الشاملة يُعقّد المسار ويُبطئه، في حين أن الفصل بين المسارين قد يُسرّع العملية.
4. الموقف الإسرائيلي: إسرائيل لا تعترض تاريخياً على الانتخابات البلدية في غزة بالقدر ذاته الذي تعترض فيه على الانتخابات التشريعية والرئاسية.
سادساً: الخلاصة والتوصيات
تُخلص الورقة إلى أن استكمال الانتخابات المحلية في قطاع غزة يُشكّل خطوة براغماتية ممكنة، تخدم مصلحة جميع الأطراف: السلطة الفلسطينية التي ترغب في استعادة الشرعية الجامعة، وحركة حماس التي تحتاج إلى تجديد رصيدها الشعبي، والمجتمع الدولي الذي يريد شريكاً محلياً شرعياً في غزة، والمواطن الغزي الذي يريد صوتاً حقيقياً في إدارة شؤون حياته اليومية.
التوصيات:
- فصل مسار الانتخابات المحلية عن مسار المصالحة الوطنية الشاملة، والتعامل مع كل منهما باستقلالية.
- تكليف لجنة الانتخابات المركزية بوضع جدول زمني واضح لاستكمال الانتخابات في محافظات غزة.
- إشراك المجتمع المدني ومنظمات المجتمع المحلي في مراقبة العملية وتعزيز قبولها الشعبي.
- حثّ الدول المانحة والشركاء الدوليين على ربط دعمهم للهيئات المحلية في غزة بمعيار الشرعية الانتخابية تدريجياً.
- مطالبة حركة حماس بالفصل بين دورها الحكومي وانخراطها الحزبي في العملية الانتخابية، ضماناً لنزاهتها.
---
المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية (PCPSR)، أوراق السياسات النقدية، العدد 2022/2، آب/أغسطس 2022.
المجال: Palestinian Politics — Gaza Politics · Local Elections · Hamas · Palestinian Governance · Democracy · Palestinian Politics — النص © PCPSR — Palestinian Center for Policy and Survey Research — محفوظ هنا مع الإسناد إلى المصدر. — المصدر الأصلي — PDF