ععمر شعبان إسماعيلاقتصاد سياسي · فلسطين

منشور

ورقة سياسة: دوافع مسيرة العودة الكبرى وتداعياتها

عمر شعبان إسماعيل · بال ثينك للدراسات الاستراتيجية · 2018

ورقة سياسة تحلّل الدوافع الكامنة وراء مسيرات العودة الكبرى في غزة عام 2018 وتداعياتها السياسية والإنسانية على المستويين المحلي والدولي.

لماذا يحدث ذلك:-

على مدى أربعة أيام جمعة متتالية، تجمّع عشرات الآلاف من سكان غزة بالقرب مما بدأ يوم الجمعة 30/3/2018 عند حدود غزة مع إسرائيل، فيما أصبح يُعرف باسم «مسيرة العودة الكبرى في غزة، GRM». ووفقًا لعدة تقارير، يمكن القول إن الدافع الأهم لمسيرات العودة الكبرى هو الأوضاع المأساوية التي يعيش فيها سكان غزة. فقد خضعت غزة للحصار لأكثر من 11 عامًا. وهي تعاني من انقسام فلسطيني حاد، كما يعاني سكانها من نقص الكهرباء، وشح المياه، وعدم القدرة على السفر. هذا فضلًا عن الحروب الثلاث السابقة التي دمّرت كل شيء في قطاع غزة. ناهيك عن فشل كلا الخيارين؛ عملية السلام التي تقودها السلطة الفلسطينية، والمقاومة المسلحة التي تقودها حماس. وقد دفعت مسيرة العودة الكبرى ظروف الحصار، وارتفاع مستوى البطالة، والتداعيات المستمرة حتى اليوم للحروب الثلاث، ومنع حرية الحركة. غير أن رفع شعار «حق العودة» للمسيرة كان عاملًا توحيديًا ساعد على حشد عشرات الآلاف من المشاركين. فهذا الشعار يتجاوز أي أيديولوجيات أو قضايا اجتماعية-سياسية. وقد حققت المسيرة جزءًا من أهدافها، وهو إطلاق تحركات سلمية تبدأ مع إحياء يوم الأرض في 30 آذار/مارس حتى 15 أيار/مايو، الذكرى السبعين للنكبة الفلسطينية.

وقد تم ذلك أساسًا من أجل تسليط الضوء على حق العودة وضرورة تنفيذ الفقرة 11 من قرار الأمم المتحدة رقم 194. بالإضافة إلى ذلك، يؤكد السياسيون والمحللون أن «مسيرات العودة الكبرى» قد فاجأت إسرائيل وحتى الفصائل الفلسطينية. وفي الواقع، سارعت وسائل الإعلام الفلسطينية والإسرائيلية إلى تغطية كل ما يحدث على الحدود، وقراءة ما ينبغي على المنظمين والفصائل الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية القيام به لاستثمار هذا الحدث في خدمة القضية الوطنية. كما نظرت إسرائيل أيضًا فيما يجب عليها فعله قبل أن تبلغ المسيرات ذروتها في الذكرى السبعين للنكبة في 15/5/2018. وقد كشفت المسيرات أهمية الحراك الشعبي السلمي بوصفه استراتيجية فعالة ذات تأثير محلي ووطني ودولي لاستعادة حقوق الناس. والقاعدة الأساسية لاستمرار المسيرات هي الالتزام بقواعد العمل السلمي وإزالة أي مظاهر للعنف. وإلا فإن المسيرات ستفقد مصداقيتها واحترامها لحقوق الإنسان، وستنجح إسرائيل في ادعاءاتها أمام المجتمع الدولي.

إسرائيل والمسيرات:-

في الواقع، ما يجعل المسيرات السلمية من غزة استثنائية ليس المسيرات بحد ذاتها، بل الكيفية التي تفاعلت بها إسرائيل مع هذه المسيرات في غزة. لقد فشلت إسرائيل في تطوير الآليات المناسبة المطلوبة لمواجهة المظاهرات. ولم تتمكن إسرائيل من تفريق الناس من دون استخدام العنف، وربما قد تنوي إشعال حرب جديدة في غزة. ومما يثير قلق الإسرائيليين بشكل خاص أن المسيرة وفّرت للشعب استراتيجية نضالية جديدة يمكن أن تتفق عليها الفصائل الفلسطينية، على عكس المحاولات السابقة للمقاومة الموحدة التي فشلت بسبب غياب التوافق. وقد يؤثر استمرار مسيرة العودة في الوضع في الضفة الغربية والمناطق العربية داخل إسرائيل.

لذلك، ومنذ انطلاقها، كانت إسرائيل قلقة بشأن الاستعدادات لمسيرات العودة الكبرى. واعتبر محللون أن إسرائيل بالغت في التعبير عن خوفها من المسيرات، حتى قبل أسابيع من انطلاقها، بسبب عدم فهم إسرائيل لمعنى المسيرة التكتيكية وانعكاساتها الاستراتيجية. ومع ذلك، أطلقت إسرائيل قبل أسابيع حملة إعلامية واسعة، حذرت فيها جميع الأجهزة الأمنية والسياسية والإعلامية المدنيين من المشاركة في المسيرة، من خلال التهديد بمعاقبة كل من يقترب من الحدود. وقد اتسم رد الفعل الإسرائيلي على المسيرات بالاستخدام المفرط للقوة. فعندما يجري الحديث عن إسرائيل وغزة، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو الحرب والعنف. لكن مسيرات العودة والحراك الشعبي السلمي غيّرا المعادلة. فقد بدا المشهد مختلفًا. ولم يُصب أي جندي إسرائيلي في المسيرات، بينما قُتل أكثر من 30 متظاهرًا وأُصيب 3,000 آخرون. وقد جاءت هذه المسيرات لتنعش ذاكرة المجتمع الدولي بأن هناك شعبًا مهمشًا يعيش تحت الحصار، وقد حُرم من احتياجاته الأساسية.

معارضة التطبيع الجاري بين إسرائيل والدول العربية:-

يعتقد المحللون السياسيون الإسرائيليون أن الفلسطينيين كسبوا معركة الإعلام، إذ التُقطت منذ البداية عدة صور على يد مصورين فلسطينيين وعُرضت في مجلات وصحف دولية، بما في ذلك صحف إسرائيلية. وتضمنت هذه الصور عشرات الفلسطينيين العزّل، والمحاصَرين، والفقراء، والعاطلين عن العمل، الذين أُصيبوا برصاص القناصة الإسرائيليين. وقد جاءت هذه المسيرة لإحياء قضية مصيرية شطبتها إسرائيل من جدول أعمال قضايا الوضع النهائي، وهي قضية اللاجئين الفلسطينيين. وقد تشكل هذه المسيرة ضربة خطيرة لتحرك الدول العربية نحو التطبيع مع إسرائيل. لذلك تعمل إسرائيل بوحشية لتجنب عودة القضية الفلسطينية إلى الطاولة الدولية. وقد تجلى ذلك في أفعال غادي آيزنكوت، رئيس أركان جيش الدفاع الإسرائيلي، الذي أمر الجنود الإسرائيليين بإطلاق النار لتفريق المتظاهرين وقتلهم. وفي الوقت نفسه، كان من المفترض عقد اجتماع بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ورئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي، مئير بن شبات. ويعكس هذا الاجتماع التقدم في العلاقات الإسرائيلية السعودية، إلا أن إسرائيل تخشى الآن أن يؤثر نجاح مسيرة العودة الكبرى سلباً في مسار التطبيع مع الدول العربية، بما يستدعي إعادة بناء كل شيء من الصفر. وإضافة إلى ذلك، تشعر إسرائيل بالقلق من أن تفشل حكومة نتنياهو اليمينية في مواصلة سياسة تخويف المجتمع اليهودي من التفاوض مع الفلسطينيين، عبر محاولة استفزاز رد انتقامي عنيف من المتظاهرين. وينطبق ذلك بصورة خاصة إذا أسفرت هذه المسيرة عن قيادة شعبية منظمة جديدة تحظى بدعم شعب معبأ ومستعد للتضحية بنفسه، بما يُظهر للعالم مدى ما يتعرض له الفلسطينيون في غزة من قمع، وهم غير عنيفين وسلميون وأبرياء. ويمكن أن يكون لذلك أثر إيجابي هائل، بحيث تُظهر المزيد من الدول تضامنها مع الشعب الفلسطيني، بينما تقاطع دول أخرى إسرائيل.

وفي واقع الأمر، دان المجتمع الدولي أفعال قوات الاحتلال الإسرائيلي ضد المتظاهرين الفلسطينيين السلميين. فعندما أصدر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بياناً دعا فيه إلى تشكيل لجنة لإجراء تحقيق عادل وشفاف في أحداث مسيرة غزة، أكد أن للفلسطينيين الحق في التعبير عن أنفسهم. وإضافة إلى ذلك، أصدرت ليز ثروسيل، المتحدثة باسم مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، بياناً أدانت فيه “القتل المروع” للمتظاهرين الفلسطينيين في غزة. وقد أشارت إلى العدد الكبير من الإصابات والوفيات، مبينة أن الفلسطينيين القتلى والجرحى كانوا عزّلًا، ولم يشكلوا تهديداً خطيراً للقوات الإسرائيلية المدججة بالسلاح، ناهيك عن أن كثيراً من الفلسطينيين قُتلوا على مسافة بعيدة من السياج الأمني.

السلطة الفلسطينية والمسيرات:-

تدرك السلطة الوطنية الفلسطينية أهمية مسيرة العودة الكبرى في تعزيز موقعها ليس وطنياً فحسب، بل دولياً أيضاً، في مواجهة تسريبات صفقة القرن والمحاولات الملتوية لتصفية القضية الفلسطينية. وعلى الرغم من مشاركة حركة فتح في المسيرات، وهي التي تُعد العمود الفقري للسلطة الفلسطينية، فإنها لم تدعم المسيرات رسمياً. وتدعم حركة فتح فلسفة الرئيس محمد عباس التي تركز على المظاهرات السلمية للوصول إلى الأهداف الفلسطينية المشروعة. كما أدانت السلطة الفلسطينية رد فعل الجيش الإسرائيلي تجاه المتظاهرين الفلسطينيين السلميين، وأعلنت الحداد العام في الضفة الغربية وقطاع غزة احتراماً لأرواح الفلسطينيين الذين قتلهم القناصة الإسرائيليون قرب السياج. ودعت السلطة الفلسطينية مجلس الأمن والأمم المتحدة والمجلس الدولي لحقوق الإنسان إلى تشكيل لجنة دولية للتحقيق في جرائم إسرائيل ومحاسبتها على ما ارتكبته بحق المدنيين الأبرياء الذين لا يشكلون أي تهديد لقواتها المسلحة والمحمية. ومع ذلك، لم تبدد هذه المسيرات مخاوف السلطة الفلسطينية من أن حركة حماس قد تستثمر هذه المسيرات للتهرب من استكمال عملية المصالحة مع السلطة. ويبدو أن حماس أرادت أن تُظهر للعالم أنها قادرة على توجيه الفلسطينيين في حشد احتجاج جماهيري، حتى باستراتيجية جديدة تقوم على اللاعنف وتبتعد عن مهمتها التي تركز أساساً على المقاومة المسلحة ضد الجيش الإسرائيلي. وتعتقد حماس أن انصراف الناس إلى مواجهة الإسرائيليين يمنعهم من الانصراف إلى مواجهة حماس نفسها. وقد صرّح صلاح البردويل، عضو المكتب السياسي لحماس، بأن حركة فتح أساءت فهم مصطلح “المصالحة الفلسطينية”، إذ فُهم على أنه انتقال للسلطة من يد إلى يد أو، بعبارة أخرى، “التمكين”. وقد أدى ذلك إلى أن تعتبر فتح هذا التصريح بمثابة رفض من حماس لتمكين الحكومة في قطاع غزة، وبالتالي هدد الرئيس عباس بزيادة العقوبات على غزة. وهذا ما دفع المبعوث الأميركي إلى توجيه رسالة متوترة إلى حماس للمساعدة في حل الأزمة الإنسانية في غزة مقابل نبذ العنف ونزع السلاح.

إن التوتر المتزايد بين الطرفين، فتح وحماس، أدى إلى فرض مزيد من العقوبات على قطاع غزة. فعلى سبيل المثال، فإن قرار السلطة الفلسطينية عدم دفع رواتب موظفيها في غزة، قد أدى حرفياً إلى أزمة اقتصادية، ومن شأنه حتماً أن يفضي إلى تداعيات سياسية وأمنية طويلة الأمد. وقد تتمثل هذه التداعيات في اندلاع احتجاجات جماهيرية ضد حماس ومؤسساتها، نظراً إلى أن الرئيس عباس عزا عقوباته على غزة إلى رفض حماس السماح لحكومة السلطة الفلسطينية ببسط سيطرتها الكاملة على جميع الوزارات والمرافق الحكومية في غزة. وفي الواقع، ووفقاً للتصريحات التي أدلى بها أحد قادة حماس، فإن أي احتجاجات شعبية ضد حماس بسبب تدهور الوضع الاقتصادي ستدفع الحركة فوراً إلى الشروع في مواجهة عسكرية مع إسرائيل. وكان عدد من قادة حماس قد أكدوا سابقاً أنهم أبلغوا الأطراف الإقليمية والدولية بأن حماس غير مستعدة لتحمل تبعات الحصار الذي تفرضه إسرائيل ومصر، فضلاً عن عقوبات السلطة الفلسطينية على قطاع غزة، وأنها سترد إما بالدفع نحو حرب مع إسرائيل أو بزيادة مستوى المشاركة الشعبية في مسيرات العودة الكبرى على الحدود بين إسرائيل وقطاع غزة. كما هددت حماس أيضاً بفصل قطاع غزة بعد التوقف الكامل لخدماتها فيه. وهنا قد يظهر طرف جديد على الطاولة لملء الفراغ، وربما تكون حركة فتح الإصلاحية التي يمثلها محمد دحلان. ومع ذلك، يبدو أن مصر لن تقبل بأن يكون لقطاع غزة سلطة شرعية منفصلة قائمة بذاتها.

## حماس والمسيرات:-

لم تتردد حماس في الاستفادة من الدعوات التي أطلقتها الهيئة الوطنية العليا للمسيرات من أجل تنظيم مسيرات سلمية قرب الحدود في ذكرى يوم الأرض والنكبة، بما في ذلك منظمات حقوق الإنسان، ومنظمات المجتمع المدني، والفصائل الفلسطينية الأخرى. والهدف هو تنفيذ الفقرة 11 من قرار الأمم المتحدة رقم 194. وقد جاء ذلك بعد إدراك حماس أن الحراك الشعبي السلمي أكثر جدوى في الوقت الراهن من أجل كسب التعاطف والدعم الدوليين مقارنة بالخيار المسلح. وبعبارة أخرى، استطاعت حماس أن تجد صيغة تخدمها في جميع الاتجاهات؛ فقد نجحت في تحويل غضب الناس (الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وارتفاع البطالة بين العمال والخريجين، وتدني مستوى المعيشة، وتلوث المياه، إلخ) نحو إسرائيل بعد فشلها في استكمال عملية المصالحة. ولا ننسى أن حماس حريصة على عدم الانخراط في حرب دموية جديدة مع إسرائيل. وهذا ما دفع حماس إلى الإعلان عن أن عائلة كل شهيد ستحصل على 3000 دولار، و300 دولار عن كل مصاب في المسيرات. وأكدت حماس أن هدفها الرئيسي هو فكرة (العودة)، بينما يُعد مصطلح (رفع الحصار) جزءاً من العملية برمتها. وقد كان هذا واضحاً عندما عرض رئيس المكتب السياسي لحماس، إسماعيل هنية، لوحة كبيرة لمارتن لوثر ومانديلا وغاندي، كتب عليها: "مسيرة العودة ورفع الحصار". واعتبر بعض ممثلي المجتمع المدني والنشطاء أن هذه خطوة خاطئة، وأنه لا يحق لأي حزب سياسي توظيف قضية مقدسة، مثل حق العودة، لمصالحه الخاصة. فمسيرة العودة تتعلق فقط بحق العودة نفسه، ولا يجوز بأي حال استخدامها لأغراض أخرى. ومع ذلك، لم تبذل الفصائل جهداً كافياً لحماية أرواح الشباب، ولم تضبطهم لتحقيق ما يُفترض تحقيقه، وهو "المقاومة السلمية". وصعود الفصائل إلى فكرة الحراك الشعبي السلمي من أجل عودة اللاجئين، ويبدو أن الفصائل منقسمة أيضاً عندما يتعلق الأمر بالمسيرات السلمية.

## الآثار الإقليمية المتوقعة طويلة الأمد للمسيرات

لقد قوّضت مسيرة العودة المبرر الذي قدمته الحكومة الإسرائيلية بأن القضية الفلسطينية مجرد مشكلة هامشية. فالقضية الفلسطينية شأن إسرائيلي داخلي، ولن تختفي من تلقاء نفسها، وستؤثر في الظروف المعيشية للإسرائيليين نتيجة تدهور الأوضاع في قطاع غزة. وقد اعتبرت إسرائيل أن عدد المتظاهرين في الجمعة الثانية (جمعة الكاوتشوك) كان أقل، وقد يتراجع في الجولة المقبلة، لا سيما بعد ارتفاع أصوات فلسطينية كثيرة للاعتراض على محاولات حماس إساءة استخدام المسيرات لخدمة مصالحها السياسية الخاصة. وقد تؤدي المسيرة إلى انفجار غير مسبوق في غزة، رغم أن كلاً من حماس وإسرائيل ليستا معنيتين بمواجهة جديدة. ومع ذلك، فإن الحذر الذي أظهرته إسرائيل وحماس لا يشكل ضمانة لعدم تصاعد الأمور أو لعدم خروج الوضع عن السيطرة في المستقبل القريب.

المجال: Palestinian Politics — Great Return March · Gaza protests · right of return · Israel · blockade · 2018 demonstrations — المصدر الأصلي

كل المنشورات