منشور
عمر شعبان إسماعيل · بالتنك للدراسات الاستراتيجية · 2020
ورقة تحليل سياساتي عن وصول كوفيد-19 إلى قطاع مُنهَك أصلاً بالحصار وانهيار القطاع الصحي، وعن غياب القدرة على العزل أو العلاج في أكثف بقاع الأرض سكاناً.
يقدّم عمر شعبان في هذا تحليل سياساتي تحليلاً لـ«غزة في مواجهة صراع جديد: كوفيد-19»، في إطار صحة غزة وكوفيد-19 (2020).
في الوقت الذي كان الجميع يحتفلون فيه بمقدم عقد جديد، باغت العالمَ حدثٌ نادر لا يقع إلا مرة كل مئة عام: جائحة عالمية كبرى تحمل اسم كوفيد-19. وجدت الحكومات في مختلف أنحاء العالم نفسها في صراع مع الفيروس، فلجأت إلى إجراءات قصوى لاحتوائه حتى بات نحو مليار إنسان يعيشون في حَجْر. في البداية تابع الفلسطينيون أخبار الجائحة وهم يتنفسون الصعداء، ظنّاً منهم أن الفيروس لن يصل إليهم، ولا سيما في غزة حيث يعيش مليونا إنسان تحت حصار خانق منذ أكثر من عقد. غير أن أسوأ مخاوفهم تحققت: اكتشاف عشرات الإصابات بفيروس كورونا في قطاع غزة والضفة الغربية على حد سواء.
في عام 2012، حذّرت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين من أن قطاع غزة سيصبح غير صالح للحياة بحلول عام 2020. فسنوات من الحصار المدمّر وسلسلة من المواجهات العسكرية التي أودت بحياة الآلاف ضربت القطاع بالبؤس والفقر، ورفعت البطالة في صفوف الشباب إلى 75%، وأركعت الاقتصاد. أما منظومتا الرعاية الصحية والصرف الصحي القائمتان في قطاع غزة فمنهكتان إلى أقصى حد، وتفتقران إلى الموارد والمعدات والمواد الأساسية اللازمة لا لمواجهة جائحة كبرى فحسب، بل لمجرد علاج المرضى العاديين يوماً بيوم. وأي تفشٍّ واسع لكوفيد-19 في قطاع غزة لن يؤدي إلا إلى أثر كارثي، ومن المرجّح أن يخلّف عدداً من الوفيات يفوق حصيلة جميع المواجهات العسكرية السابقة مجتمعة.
في 26 آذار/مارس 2020، أعلنت الأمم المتحدة أنها ستيسّر إيصال ما مجموعه 1200 عدة فحص لكوفيد-19 إلى مستشفيات غزة للمساعدة في مواجهة التفشي. وقد وُضِع نحو 1636 شخصاً ممن وصلوا إلى غزة عبر معبر رفح أو معبر بيت حانون (إيرز) في حجر صحي إلزامي في 22 مركزاً موزعة في أنحاء قطاع غزة، من بينها مدارس وفنادق ومراكز صحية. ويوجد 505 أشخاص آخرين في حجر منزلي حالياً. وفي قطاع غزة، لا يتجاوز نصيب الفرد الواحد من المساحة الشخصية 0.18 متر مربع في المتوسط، وهو ما يضع الغزيين قسراً في تجمعات من الشبكات الاجتماعية المتشابكة. فبإمكان شخص واحد أن ينقل المرض بسهولة إلى عشرات من أفراد أسرته وجيرانه القاطنين على مقربة منه، في بيوت ملتصقة بعضها ببعض. وفي واحدة من أكثر بقاع العالم كثافة سكانية، يبلغ متوسط عدد أفراد الأسرة نحو ستة أفراد، ويعيش معظم السكان في بيوت عائلية ممتدة تضم عشرين فرداً فأكثر. لا بد من اتخاذ إجراءات أشد صرامة لاحتواء الفيروس، وإلا ترتبت عواقب كارثية لم تشهد غزة لها مثيلاً من قبل.
وحين ذاع خبر الإصابات المؤكدة، شرع الغزيون في اتخاذ تدابير وقائية لحماية أنفسهم وأفراد أسرهم من العدوى. لكن في ظل نقص الموارد والمعدات الكافية، لم يبقَ أمامهم سبيل آخر للتعامل مع الضغط سوى السخرية والفكاهة السوداء. فمن منشورات فيسبوك إلى وسوم تويتر، تفاعل الغزيون مع مفارقة أن تنصحهم السلطة الفلسطينية بعدم السفر وهم يعيشون تحت الحصار وممنوعون من السفر منذ أكثر من عقد. وردّ آخرون بالتهكم على إشعارات العزل التي تقضي بإغلاق الأعمال والمتاجر والدخول في حجر، متسائلين كيف لهم أن يوفّروا لأبنائهم قوتهم في ظل نشاط تجاري شحيح واقتصاد عليل، حتى قبل وصول الفيروس أصلاً.
في غزة، أكثر من 50% من مجموع السكان عاطلون عن العمل، وترتفع النسبة إلى 75% بين الشباب، وهو ما يترك آلاف العاملين في الزراعة والنقل وتجارة التجزئة وغيرها من القطاعات في حال من اليأس (إذ يبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في إسرائيل نحو ثلاثين ضعف نظيره في غزة). ومن المتوقع أن ترتفع معدلات البطالة بفعل الإغلاقات الواسعة للأنشطة التجارية والاقتصادية. وقد أغلقت السلطات في غزة المساجد أمام الصلاة، وأوقفت الفعاليات والأنشطة التي تنطوي على أي تجمع للناس، وقيّدت دخول الصيادين إلى ميناء غزة البحري بشروط مشددة، وأغلقت أسواق الشوارع. ونُظر إلى هذه القرارات بوصفها شراً لا بد منه للحيلولة دون تفشٍّ واسع. غير أنها ستوجّه ضربة موجعة لاقتصاد ضعيف. وفي غياب خطة إنقاذ اقتصادي، سيزداد عدد الغزيين المتضررين.
وفي حال حدوث تفشٍّ واسع لكوفيد-19 داخل القطاع، ترسم الأرقام صورة قاتمة: فبحسب مكتب منظمة الصحة العالمية في غزة، لا يوجد في قطاع غزة سوى 62 جهاز تنفس اصطناعي. وهي أقل بكثير مما تقتضيه مواجهة الفيروس، والكثير منها لا يعمل على النحو الصحيح في الوقت الراهن. ولا يتوفر سوى 2313 سريراً في المستشفيات لسكان يتجاوز عددهم مليوني نسمة، أي بطاقة استيعابية تتقلص إلى أقل من 0.5 سرير لكل ألف شخص. وهذا بالمقارنة مع أكثر من 4.6 سرير في سويسرا، و3.3 سرير في إيطاليا، و3 أسرّة في إسبانيا، وهي أكثر الدول الأوروبية تضرراً من كوفيد-19. ويوجد حالياً 60 وحدة عناية مركزة في القطاع بأكمله، 40 منها مشغولة. وتبلغ كلفة تجهيز وحدة عناية مركزة واحدة نحو 50 ألف دولار، فيما تبلغ كلفة عدة الفحص الواحدة نحو 5000 دولار. ولا تملك مستشفيات غزة في الوقت الراهن الموارد المالية التي تتيح لها تزويد نفسها بما يكفي من المعدات والمواد الأساسية مثل الكمامات. وباختصار، فإن سيناريو تفشٍّ شبيهاً بما جرى في أوروبا أو الصين سيكون حكماً بالإعدام على قطاع غزة.
وستزداد سلسلة الإمداد إنهاكاً في ظل إغلاق وشيك، مع صعوبات لوجستية كبيرة في نقل المواد الغذائية والأدوية وسائر الضروريات يومياً إلى الأسر والمتاجر في أنحاء القطاع. كما أن الآثار السلبية لانقطاع الكهرباء وتعذّر الحصول على مياه شرب نظيفة قد تكون قاتلة هي الأخرى. وقد زادت المنظمات غير الحكومية وشركات القطاع الخاص والعاملون لحسابهم الخاص والطلبة جميعاً من اعتمادهم على الإنترنت للعمل أو الدراسة من المنزل. غير أن كثيراً من الأسر في أنحاء قطاع غزة لا تملك هاتفاً ذكياً ولا اتصالاً بالإنترنت.
وللحد من احتمال حدوث تفشٍّ واسع في قطاع غزة، يتعين على المجتمع الدولي أن يدرك الصعوبات المقبلة. فسلطة حماس في قطاع غزة غير معترف بها حالياً من الولايات المتحدة ولا الاتحاد الأوروبي ولا إسرائيل. وبابا الدخول الرئيسيان إلى قطاع غزة هما كرم أبو سالم وإيرز، وكلاهما تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة. وتفشي كوفيد-19 لا يقيم اعتباراً لحدود ولا أيديولوجيا ولا انتماء إثني؛ إنه يتجاوزها جميعاً، ويهاجم البشر كافة. وعلى إسرائيل وحماس أن تتعاونا معاً للحفاظ على سلامة كل منهما. ويبدو أن إسرائيل أدركت التحدي المقبل، ولذلك يسّرت خلال الأيام الأخيرة إدخال عدد الفحص وغيرها من المعدات الطبية الأساسية إلى قطاع غزة. وفي المقابل، أدركت حماس أن ثمة فرصة سياسية يمكن اغتنامها: فبإثبات قدرتها على احتواء الفيروس بإجراءات مسؤولة وإدارة ذكية، يمكن أن يُنظر إليها بوصفها كفؤة وأكثر شرعية.
على أن تفشي كوفيد-19 قد أظهر، لا لإسرائيل وحماس فحسب بل لكثير من الدول المتقدمة حول العالم أيضاً، أنه كان ينبغي لها أن تستثمر أكثر في الرعاية الصحية والبنية التحتية الصحية بدل تخصيص موازنات بأكملها للدفاع والحرب. كما أن الاستقرار الاقتصادي عامل أساسي إضافي في احتواء أي فيروس: فقد خسرت غزة كثيراً من كوادرها المهنية، ولا سيما الأطباء والممرضين الذين هاجروا إلى الخارج بفعل الأوضاع الاقتصادية القاسية.
لقد أبرزت أزمة كوفيد بجلاء الأهمية الحيوية للاستثمار في الرعاية الصحية بوصفه عاملاً حاسماً في الرفاه الاقتصادي على مستوى الفرد والمجتمع. والفيروس لا يعرف حدوداً؛ ومن ثم فقد أكد كذلك ضرورة التعاون المتبادل، وهو تعاون قد يفتح — على نحو ينطوي على مفارقة ربما — آفاقاً سياسية كانت تُعدّ يوماً مستحيلة.
المجال: Humanitarian Crisis — المصدر الأصلي