منشور
عمر شعبان إسماعيل · بالتنك للدراسات الاستراتيجية · 2008
تعليق كُتب في السنة التي أعقبت الانقسام، يقرأ خيارات غزة السياسية والاقتصادية عند مفترق طرق جديد.
يقدّم عمر شعبان في هذا تعليق تحليلي تحليلاً لـ«غزة أمام مفترق الطرق من جديد»، في إطار Gaza Politics (2008).
بقلم: عمر شعبان
في أعقاب فوز حركة حماس في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني عام 2006، فرضت الحكومة الإسرائيلية، بدعم من الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، حصاراً مشدداً على جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة، أعقبته مقاطعة للحكومة الفلسطينية الجديدة.
وقد أوقفت عدة دول، من بينها مانحون رئيسيون مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، دعم الموازنة الذي كانت تقدمه في السابق للحكومة الفلسطينية. وكانت النتيجة تدهوراً تدريجياً في الأوضاع المعيشية للشعب الفلسطيني على جميع المستويات.
وتخضع غزة لحكم حركة حماس بالكامل منذ حزيران/يونيو 2007، حين سيطرت الحركة على قطاع غزة بالقوة عقب اشتباكات دامية مع الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية. وعلى إثر ذلك، اتخذت إسرائيل إجراءات إضافية لزيادة إحكام الحصار المفروض على غزة. ففي أيلول/سبتمبر 2007 أعلنت الحكومة الإسرائيلية قطاع غزة «كياناً معادياً»، وهددت بقطع الإمدادات الأساسية بما فيها الكهرباء والوقود. كما قلّصت إلى حدٍّ بعيد عدد الأشخاص المسموح لهم بالعبور من معبر إيريز. وإضافة إلى ذلك، خفّضت إسرائيل كميات السلع الإنسانية إلى أدنى مستوى، بما في ذلك المواد الغذائية والمستلزمات الطبية. وما زاد الأمر سوءاً أنّ عدداً من البنوك الإسرائيلية سارت على قرار الحكومة فقاطعت البنوك الفلسطينية في غزة؛ وقد أفضى هذا القرار إلى أزمة سيولة نقدية خطيرة في غزة.
وإلى جانب هذه المصاعب، شهدت غزة في الأسابيع القليلة الماضية تطورين رئيسيين، هما انهيار العلاقات الفلسطينية الداخلية، والتهدئة بين حماس وإسرائيل. وقد كان لكليهما أثر بالغ على حياة الناس.
أولاً، فشل محادثات المصالحة بين فتح وحماس التي كان مقرراً أن تبدأ في القاهرة في التاسع من تشرين الثاني/نوفمبر، وهو ما صدم الفلسطينيين الذين كانوا ينتظرون ويأملون أن يجلب الحوار قدراً من السلام والاستقرار إلى المنطقة.
وقد بات الفلسطينيون أكثر اقتناعاً بأنّ الفصيلين المتنافسين يفتقران إلى أي نية حقيقية للمصالحة. فقبل يوم واحد من موعد الاجتماعات المقرر، سحبت حماس مشاركتها. وتقول الحركة إنها أفرجت عن معتقلين سياسيين في بادرة حسن نية، وإنها تنتظر خطوة مماثلة من السلطة الفلسطينية في رام الله. غير أنّ أعضاء في الحكومة في رام الله يقولون: «السلطة الفلسطينية ليس لديها معتقلون سياسيون».
ثانياً، التصعيد العسكري الذي بدأ في الخامس من تشرين الثاني/نوفمبر بين حماس وفصائل مسلحة أخرى في غزة من جهة وإسرائيل من جهة أخرى. فقد توغّل الجيش الإسرائيلي عند الحدود الشرقية للمنطقة الوسطى من قطاع غزة، ما أدى إلى ردٍّ من الفصائل المسلحة. وخلال تلك العملية، اشتبك الجيش الإسرائيلي مع مقاتلين من حماس، ودمّر منزلين ونفقاً، وقتل خمسة من مقاتلي حماس. وعقب ذلك الحادث، ردّت فصائل فلسطينية أخرى بإطلاق صواريخ محلية الصنع على جنوب إسرائيل. وردّت السلطات الإسرائيلية في الخامس من تشرين الثاني/نوفمبر بإعلان إغلاق كامل لجميع المعابر التجارية ومعابر الأفراد.
وكانت تبعات هذا الإغلاق بالغة القسوة على الفلسطينيين العاديين.
فقد فرضت السلطات الإسرائيلية قيوداً على حركة الأفراد عبر معبر إيريز، وعلى دخول المواد الأساسية عبر المعابر الأخرى. ولم يُغلق معبر إيريز في وجه الفلسطينيين وحدهم، بل في وجه الزوار الدوليين والسلك الدبلوماسي أيضاً. ففي الأسبوع الماضي مُنع عشرون دبلوماسياً من الاتحاد الأوروبي من دخول غزة. وفي السابع عشر من تشرين الثاني/نوفمبر، لم يُسمح لممثلين عن خمس وعشرين منظمة إنسانية دولية بالدخول.
وإضافة إلى ذلك، أوقفت السلطات الإسرائيلية نقل الوقود والإمدادات الإنسانية إلى غزة. كما أُوقف نقل الوقود الصناعي من إسرائيل إلى محطة توليد الكهرباء في غزة، وهو ما أدى إلى توقف المحطة بالكامل يوم الخميس الثالث عشر من تشرين الثاني/نوفمبر. ويُنتَج أكثر من 50% من كهرباء قطاع غزة محلياً، لكن بوقود قادم من إسرائيل، أما البقية فتوردها شركات إسرائيلية مباشرة. وقد أسفر تقييد تدفق الوقود الصناعي إلى غزة عن انقطاعات في التيار الكهربائي؛ إذ لا تحصل كل منطقة في قطاع غزة على الكهرباء سوى ثماني ساعات في اليوم.
ولا تزال خدمات المياه والصرف الصحي مقيَّدة بشدة جرّاء نقص الوقود. فقد كانت كميات السولار والبنزين وغاز الطهي الموردة للاستخدامات الخاصة والبلدية والتجارية أدنى من الكميات التي نُقلت في أي أسبوع منذ بدء التهدئة في حزيران/يونيو. واضطرت وكالة الأونروا إلى وقف برنامج مساعداتها الإنسانية المقدَّم للمستفيدين منها بسبب الإغلاق.
ومنذ عام 1967، حين احتلت إسرائيل غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، ما فتئ الاحتلال الإسرائيلي يستخدم المعابر ونقاط العبور أداةً لفرض عقوبات جماعية غير مسبوقة على الفلسطينيين، عبر سياسة إغلاق مطوّلة. وقد تكثّفت هذه السياسة في الآونة الأخيرة، ولا سيما في قطاع غزة الذي لا يملك سوى معبرين يربطان 1.3 مليون نسمة بالعالم الخارجي: رفح في الجنوب مع مصر، وإيريز في الشمال مع إسرائيل. وهناك ثلاث نقاط عبور تجارية أخرى تُستخدم لتبادل البضائع وإدخال الغذاء إلى قطاع غزة. وجميع نقاط العبور هذه تخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، وهي منذ عام 2000 إما مغلقة جزئياً أو مغلقة كلياً.
ويبدو مستقبل التهدئة بين إسرائيل وحماس غير مؤكد في هذه المرحلة. فقد كان الحادث الأمني في الخامس من تشرين الثاني/نوفمبر أول حادث خطير منذ بدء التهدئة التي جرى التوصل إليها في السادس عشر من حزيران/يونيو بين حماس وإسرائيل بوساطة مصرية. وفي ظل استمرار التدهور والتصعيد العسكري، تتفق إسرائيل وحماس على أنّ التهدئة ينبغي أن تستمر. والجدير بالذكر أنّ حماس أوقفت إطلاق الصواريخ على إسرائيل في الأيام القليلة الماضية، في حين تواصل جماعات أخرى مثل الجهاد الإسلامي وكتائب الأقصى، المحسوبة على حركة فتح، إطلاق الصواريخ محلية الصنع. وفي تقديري، فإنّ حماس معنية بالحفاظ على التهدئة، مع الأخذ في الاعتبار أنّ حماس قادرة على ضبط الفصائل المسلحة الأخرى ومنعها من إطلاق الصواريخ محلية الصنع.
المجال: Gaza Politics — المصدر الأصلي