ععمر شعبان إسماعيلاقتصاد سياسي · فلسطين

منشور

انعدام الأمن الغذائي في فلسطين وحرب روسيا–أوكرانيا: الأسوأ لم يأتِ بعد

عمر شعبان إسماعيل · المركز العربي واشنطن دي سي · 2022

تحليل المركز العربي في واشنطن عن تفاقم اعتماد فلسطين على الواردات الغذائية بسبب حرب روسيا–أوكرانيا وضرورة تنسيق سياسات الضفة وغزة.

أدى التأثير المحتمل لانخفاض إمدادات الحبوب إلى الأسواق العالمية بسبب الحرب المستمرة بين روسيا وأوكرانيا إلى زيادة المخاوف بشأن انعدام الأمن الغذائي في جميع أنحاء العالم. وكانت العديد من بلدان الشرق الأوسط تعتمد لفترة طويلة على روسيا وأوكرانيا في الحصول على جزء كبير من وارداتها الغذائية، واليوم تحير في حيرة بشأن كيفية تعويض العجز الذي قد ينجم عن الأزمة. وتتوقع دول مثل مصر وتركيا ولبنان واليمن وليبيا وتونس أن تعاني من انعدام الأمن الغذائي بشكل كبير طالما استمرت الحرب. ومن المؤكد أن فلسطين، التي تعاني بالفعل من الاحتلال الإسرائيلي الذي طال أمده والقيود التي تحد من تنميتها الاقتصادية، ستشعر بنصيبها العادل من التأثير السلبي الناجم عن الحرب. ومع ذلك، فإن الجهد المنسق في الضفة الغربية وغزة يمكن أن يوفر بعض الراحة من هذه التهديدات والتهديدات المستقبلية للأمن الغذائي في فلسطين.

بالكاد تمكن الاقتصاد العالمي من التعافي من آثار جائحة كوفيد-19 عندما وصلت الحرب الروسية إلى أوكرانيا، موجهة ضربة أخرى للنمو الاقتصادي العالمي. لقد تسببت الحرب في عواقب مدمرة على الأمن الغذائي العالمي، مما جعل العودة إلى الوضع الطبيعي تبدو بعيدة المنال بشكل متزايد، خاصة بالنسبة للبلدان التي يعتمد أمنها الغذائي بشكل كبير على الواردات.

تتزايد أهمية الأمن الغذائي بسبب زيادة الوعي بالمفهوم وعلاقته بقضايا التنمية الاقتصادية والبيئية والصحية.

تتزايد أهمية الأمن الغذائي بسبب زيادة الوعي بأهمية الأمن الغذائي مفهومها وعلاقتها بقضايا التنمية الاقتصادية والبيئية والصحية. وقد قدم مؤتمر القمة العالمي للأغذية عام 1996 تعريفاً شاملاً للأمن الغذائي: "يتحقق الأمن الغذائي عندما يتمتع جميع الناس، في جميع الأوقات، بإمكانية الوصول المادي والاقتصادي إلى الغذاء الكافي والآمن والمغذي الذي يلبي احتياجاتهم الغذائية وتفضيلاتهم الغذائية من أجل حياة نشطة وصحية". ويحمل هذا المفهوم أربعة أبعاد رئيسية: توافر كميات كافية من الأغذية ذات الجودة الملائمة، والحصول على الغذاء، والاستخدام الفعال للأغذية، والاستدامة.

ويرتبط مفهوم الأمن الغذائي بمجموعة من المصطلحات، من بينها "الاكتفاء الذاتي" الذي يشير إلى قدرة الدول على توفير السلع لتلبية مستوى الطلب. ومع ذلك، فإن البلدان غير القادرة على الاكتفاء الذاتي تلجأ إلى الواردات لتأمين غذائها عبر سلاسل التوريد العالمية، والتي اهتزت العديد منها بشكل كبير بسبب الحرب الروسية الأوكرانية. وتأثرت المواد الغذائية الأساسية بشكل خاص، إذ أنتج البلدان مجتمعان على مدى السنوات الثلاث الماضية 30 في المائة من صادرات القمح العالمية و20 في المائة من صادرات الذرة. وكانت إحدى النتائج الجوهرية للحرب هي زيادة أسعار القمح بنسبة 19.7 في المائة وارتفاع أسعار الذرة بنسبة 19.1 في المائة.

وفي أعقاب هذه التغييرات، اعتمدت العديد من الدول سياسات اقتصادية طارئة. وقد عمل البعض على تأمين احتياطي غذائي أكبر من خلال بناء صوامع جديدة وزراعة المواد الغذائية الأساسية مثل القمح والذرة على حساب المحاصيل الأخرى، في حين أن آخرين، بما في ذلك الهند وتحولت المجر وإندونيسيا والأرجنتين إلى سياسات الحماية، فحظرت صادرات القمح ووضعت حواجز أخرى أمام التجارة. وفي الوقت نفسه، في 14 مايو 2022، وافقت مجموعة السبع على آليات للتعاون في تأمين سلاسل الإمدادات الغذائية.

يتأثر القطاع الزراعي في فلسطين منذ فترة طويلة بالعديد من الصراعات والعقبات التي تؤثر بشكل مباشر وكبير على الأمن الغذائي، والتي هي نتيجة الظروف الاقتصادية التي تفرضها إسرائيل، فضلا عن الفجوة الجغرافية والسياسية بين الضفة الغربية وقطاع غزة. وقد تفاقمت هذه التحديات بسبب أزمة الغذاء العالمية الحالية.

تبلغ المساحة المشتركة للضفة الغربية وقطاع غزة 6,023 كم2، وتمثل الضفة الغربية 94% من المجموع. ومن هذه المساحة الإجمالية، يتم استخدام 1200 كيلومتر مربع للزراعة، 90% منها في الضفة الغربية.

الضفة الغربية: بحسب وزارة الزراعة الفلسطينية، يواجه المزارعون الفلسطينيون عدة ظروف عمل صعبة. وتقع 63% من الأراضي الزراعية في الضفة الغربية في المنطقة (ج)، التي تخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، وتخضع لشروط لا تسمح بالاستثمار الفلسطيني الدائم والتنمية الزراعية.

كما أدت السيطرة الإسرائيلية على موارد المياه إلى تقييد تنمية القطاع الزراعي الفلسطيني.

وقد أدت السيطرة الإسرائيلية على موارد المياه إلى تقييد تنمية القطاع الزراعي الفلسطيني، حيث تستخدم إسرائيل نحو 85 في المائة منها من المياه الجوفية من حوض المياه الجوفية الغربي، مما يترك للفلسطينيين 15 في المائة فقط لاستخدامها في احتياجاتهم المنزلية والزراعية. وهذا يعد انتهاكًا لاتفاقيات أوسلو لعام 1993، ويتم دون موافقة لجنة المياه الإسرائيلية الفلسطينية المشتركة، التي من المفترض أن تعمل وفقًا للاتفاقية بشأن تنظيم وإدارة قضايا المياه المشتركة.

قطاع غزة: تتزايد التحديات في غزة في ظل الحصار المستمر والاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة. وبحسب تقييمات وزارة الزراعة الفلسطينية فإن خسائر القطاع الزراعي تجاوزت 200 مليون دولار خلال العدوان الإسرائيلي الأخير في مايو 2021. وسلط أسامة نوفل مدير عام الدراسات في وزارة الاقتصاد في قطاع غزة الضوء على العبء الإضافي على المستهلكين من ارتفاع الأسعار نتيجة الحرب الأوكرانية، قائلا للأسف خرجت الأمور في غزة عن السيطرة نتيجة تداعيات الصراع الروسي الأوكراني الذي أدى إلى ارتفاع أسعار معظم السلع والسلع الغذائية حول العالم.

علاوة على ذلك، فإن هشاشة الاقتصاد الفلسطيني جعلته عرضة بشكل خاص للتحولات العالمية، وتضررت مطاحن الدقيق الفلسطينية بشكل كبير بسبب الزيادة في أسعار المواد الغذائية العالمية بسبب الحرب الروسية الأوكرانية. وبالإضافة إلى معاناتها من تقلبات الأسعار العالمية، تخضع المطاحن الفلسطينية للسياسات التي تضعها إسرائيل والسلطة الفلسطينية، حيث أن معظم مطاحن غزة تستورد القمح من إسرائيل.

نقص التنوع الغذائي يسبب مشاكل إضافية. ووفقا لاستطلاع أجراه برنامج الأغذية العالمي في مارس 2022، يعاني 1.8 مليون شخص في فلسطين حاليًا من انعدام الأمن الغذائي، ويفتقر 50 بالمائة منهم أيضًا إلى الفيتامينات والمعادن الأساسية. ولذلك تفاقمت مشكلة الأمن الغذائي في فلسطين منذ بداية الحرب الأوكرانية. وفي ضوء تطور الحرب، فضلاً عن استمرار السياسات الرسمية الحالية في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، يبدو من المرجح أن الوضع سوف يزداد سوءاً.

تفاقمت مشكلة الأمن الغذائي في فلسطين منذ بداية الحرب الأوكرانية، ويبدو من المرجح أن الوضع سيتفاقم.

وأوضح أسامة نوفل، خلال ورشة عمل عقدت في غزة يوم 24 مارس 2022، أن وزارة الاقتصاد أصدرت قرارا بإعفاء التجار من رسوم استيراد القمح والدقيق على أي حدود، مضيفا أنه “في بداية الأزمة تم عقد اجتماع مع كبار تجار السلع الأساسية في قطاع غزة، وتم التركيز على العمل على توفير تلك السلع”. ولاحقاً، أعلنت وزارة الاقتصاد قرارها بعدم السماح بزيادة الأسعار دون موافقتها”.

وتعليقا على الحرب في أوكرانيا وتأثيرها على إمدادات الدقيق، قال مدير عام مطاحن السلام في غزة عبد الدايم عواد: “السبب الرئيسي [لارتفاع الأسعار] هو الحرب الروسية الأوكرانية. كان لدينا متاجر لمدة شهرين أو ثلاثة أشهر، ولكن عندما نفدت، اضطررنا إلى شراء حبوب القمح بالأسعار الجديدة، وكانت مرتفعة للغاية». ومع ذلك، فإن بناء الصوامع وتخزين القمح يتطلب سياسة منسقة بين الحكومة والقطاع الخاص.

سياسات الاحتلال الإسرائيلي: يفرض الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية عدداً من التحديات على الأمن الغذائي الفلسطيني، بما في ذلك عدم قدرة الفلسطينيين على السيطرة على الأراضي والموارد المائية، وسيطرة إسرائيل على الحدود الفلسطينية، والتي تفرض معاً اعتماداً اقتصادياً على إسرائيل وتمنع حرية استيراد وتصدير البضائع. تنتهك كل هذه السياسات المسؤولية التي تتحملها قوة الاحتلال لضمان الاحتياجات الأساسية في الأراضي المحتلة، على النحو المنصوص عليه في المادتين 68 و76 من اتفاقية جنيف الرابعة.

بالإضافة إلى ذلك، فإن استمرار الصراع دون أفق للتوصل إلى حل سياسي، إلى جانب الركود والقيود التجارية وصعوبة الوصول إلى الموارد وارتفاع معدلات البطالة والفقر، يشكل تحديًا خطيرًا لتحقيق أهداف القضاء على الجوع وتحقيق الأمن الغذائي وتحسين التغذية في فلسطين، وهي الأهداف التي تم تحديدها في تقرير برنامج الأغذية العالمي لشهر مارس 2022.

أوجه القصور في الاقتصاد الفلسطيني: يعتبر الاقتصاد الفلسطيني اقتصاداً خدمياً إلى حد كبير، حيث تشير الإحصائيات إلى أن عدد الوظائف في الزراعة وصيد الأسماك والحراجة هو الأقل بين القطاعات الاقتصادية في البلاد. عام 2020، 15.2% من الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة يعملون في الزراعة، في حين يعمل 62% في قطاع الخدمات، يشير ich إلى أن تركيز الحكومة موجه نحو قطاع الخدمات أكثر من الزراعة.

ذكرت وزارة الزراعة الفلسطينية أن نقص التمويل في القطاع الزراعي هو أحد العوامل التي تقف في طريق تحقيق البلاد للأهداف المحددة في الاستراتيجية الوطنية للقطاع الزراعي (2017-2022). وفي الوقت نفسه، تؤدي السياسات الحكومية المتضاربة في الضفة الغربية وقطاع غزة إلى تفاقم الوضع. على سبيل المثال، على الرغم من أن الحكومة الفلسطينية أصدرت إعفاءً من ضريبة القيمة المضافة على القمح، فإن الإعفاء ينطبق فقط على المطاحن الموجودة في الضفة الغربية، وليس المطاحن الموجودة في غزة.

ضعف البنية التحتية: يعتمد المجتمع الفلسطيني بشكل كبير على واردات القمح، التي تلبي حوالي 95% من الطلب المحلي. ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى افتقارها إلى البنية التحتية الملائمة لتخزين الحبوب وإلى سياسة عامة واضحة للمطاحن في الضفة الغربية وقطاع غزة. ومن شأن وضع مثل هذه السياسة أن يعزز قدرة المجتمع الفلسطيني على الصمود ويحد من آثار تقلب الأسعار العالمية، حيث أن القدرة الحالية لتخزين القمح، وفقا لمنظمة الأغذية والزراعة، تكفي لتغطية ثلاثة أشهر فقط.

أزمة تمويل المنظمات الدولية: تعاني المنظمات الدولية حالياً من أزمة تمويل. وينطبق هذا بشكل خاص على وكالة غوث وتشغيل اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، التي يعتمد عليها ثلث سكان غزة على مساعداتها الغذائية. وحتى الآن، تمكنت الوكالة من الحفاظ على تدفق المساعدات، لكنها تدعو حاليًا إلى تقديم مساعدات إضافية unds من الدول المانحة من أجل تغطية ارتفاع الأسعار.

وتعاني السلطة الوطنية الفلسطينية من أزمة مالية تشكل تحديا لقدرتها على توفير السلع الأساسية.

كما تعاني السلطة الوطنية الفلسطينية من أزمة مالية تشكل تحدياً لقدرتها على توفير السلع الأساسية، وهو ما سيؤثر على الأرجح على البرامج والمساعدات التي تقدمها للشرائح الأشد فقراً وضعفاً في المجتمع الفلسطيني. وبسبب الأزمة الأوكرانية، فإن الأموال المقدمة للسلطة أو المنظمات الدولية الأخرى قد ينتهي بها الأمر إلى إعادة تخصيصها لأوكرانيا، مما يزيد من تفاقم وضع الفلسطينيين.

إن التنبؤ بالآثار الاقتصادية والمالية للحرب الروسية الأوكرانية يعد عملية صعبة. وبالفعل، قامت البلدان في جميع أنحاء العالم بوضع إجراءات واحتياطات طارئة تهدف إلى الحفاظ على الأمن الغذائي. ولكن البلدان النامية، مثل فلسطين، التي تعتمد بشكل أكبر على الواردات، تحتاج إلى سياسات أكثر شمولاً تضمن التدفق الكامل للمواد الغذائية إلى الأسواق بدلاً من السياسات المليئة بالتناقضات، مثل تلك الموجودة بين غزة والضفة الغربية. ومن الضروري تغيير السياسات الفلسطينية على نطاق أوسع، وتبني تدابير احترازية، وتأسيس برامج المساعدات الإنسانية، ووضع خطط للبرامج واللوائح الاجتماعية والاقتصادية قبل أن تتفاقم أزمة الأمن الغذائي في فلسطين. ويمكن تحقيق ذلك من خلال ما يلي:

1) تشكيل وحدة الأزمات: النظر في الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة، فضلاً عن تدهور الأوضاع الاقتصادية، يجب إعطاء الأولوية للمصالح الوطنية من خلال وضع سياسات وطنية مشتركة تتغلب على الانقسام بالتعاون مع المجتمع المدني، ومن خلال وضع سياسات قادرة على مواجهة الأزمة المقبلة. يجب أن يشمل ذلك:

2) سياسات الحكومة: يجب على الحكومة الفلسطينية وضع سياسات زراعية تهدف إلى تقليص الفجوة بين استيراد السلع والاعتماد على الإنتاج المحلي، وهو المسار الذي سيؤدي في النهاية إلى الاكتفاء الذاتي. ويجب أن تستند هذه السياسات إلى ما يلي:

ولا تزال الشكوك قائمة بشأن الأمن الغذائي في فلسطين، والذي ازداد سوءًا منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية. وبغض النظر عن ذلك، فمن الواضح أنه يجب على صناع القرار في الضفة الغربية وقطاع غزة توحيد جهودهم من أجل منع ما يمكن أن يصل إلى عواقب وخيمة على الأمن الغذائي الفلسطيني. كما يجب على الأمم المتحدة ووكالاتها أن تقوم بواجباتها الأخلاقية في هذا الشأن، وعلى إسرائيل كقوة احتلال أن تتعاون من خلال توفير الوسائل الاقتصادية لمساعدة الفلسطينيين على تأمين متطلباتهم الغذائية وتحقيق الأمن والاستقرار.

المجال: Gaza Economy — food insecurity · Ukraine war · wheat · Gaza Politics · West Bank — النص © Arab Center Washington DC — محفوظ هنا مع الإسناد إلى المصدر. — المصدر الأصلي

تغطية إعلامية ذات صلة

كل المنشورات