منشور
عمر شعبان إسماعيل · بال ثينك للدراسات الاستراتيجية / NESA · 2020
مقال نيسان/أبريل 2020 عبر NESA/بال ثينك عن فجوات الاستعداد ونقص الفحوصات ومراكز الحجر.
متميّز عن «صراع غزة الجديد: كوفيد-19» (#73): مقال نيسان/أبريل 2020 عبر NESA/بال ثينك عن فجوات الاستعداد ونقص الفحوصات ومراكز الحجر.
بقلم: عمر شعبان، خريج NESA، مؤسس ومدير شركة Palthink للدراسات الإستراتيجية
لم يكن قطاع غزة بحاجة إلى تحدٍ جديد يعمق واقعه المأساوي والكارثي. غزة منطقة صغيرة تبلغ مساحتها 200 ميل مربع، ويبلغ عدد سكانها مليوني نسمة، يعيشون تحت الحصار منذ 14 عامًا، وعانوا من ثلاث حروب دامية في الأعوام 2008-2009 و2012 و2014، بالإضافة إلى عشرات الاشتباكات القصيرة. قطاع غزة يواجه تحدي كورونا بقدرات ضعيفة وموارد محدودة للغاية.
يقتل وباء كوفيد-19 يوميا آلاف الأشخاص حول العالم، بما في ذلك الدول المتقدمة والغنية مثل الولايات المتحدة وأوروبا، والتي تتمتع بأنظمة صحية هي الأقوى في العالم، فكيف يواجه قطاع غزة هذا الوباء؟ وكيف يمكن ذلك في ظل الاحتلال والحصار وغياب شبكات الأمان المالي والقدرة الاقتصادية على مواجهة تداعيات المرض الذي يصيب كافة مناحي الحياة؟
وفي تقرير أصدرته الأمم المتحدة عام 2012، فإن قطاع غزة سيكون غير صالح للعيش بحلول عام 2020، وفق معايير الصحة والمياه والتعليم والتوظيف وغيرها. وفي غزة، يوجد في المتوسط 6 أسرة مستشفى لكل 10 آلاف مواطن، مقارنة بأكثر من 33 سريرًا لنفس العدد في إيطاليا و46 سريرًا في سويسرا. وبالإضافة إلى قلة الأسرة، أصبحت أرفف الصيدليات في المستشفيات فارغة، وتفتقر حتى إلى الأدوية الأساسية والمحاليل الطبية، مما يضطر قيام بعض المواطنين بشراء احتياجاتهم من الصيدليات خارج المستشفى، حيث تكون نادرة أيضاً ولا تتوفر لهم دائماً. وحتى الطواقم الطبية من أطباء وممرضين وغيرهم، محرومون من الحصول على رواتبهم كاملة منذ سنوات طويلة، وقيود السفر تمنعهم من تلقي التدريب والسفر إلى الخارج إلا في حالات محدودة للغاية.
شاهد سكان قطاع غزة ظهور فيروس كورونا بمشاعر مختلطة من القلق والسخرية. ماذا يعني إغلاق الحدود بين الدول وغزة محاصرة منذ 14 عاما؟ ماذا يعني إغلاق المطارات ومنع السفر من مطارات العالم وغزة ليس لها مطار وأهلها ممنوعون من السفر منذ 14 عاما؟ ومع اقتراب الوباء من الشرق الأوسط، بما في ذلك إسرائيل وأراضي السلطة الفلسطينية، بدت ظروف قطاع غزة الناجمة عن الحصار والقيود المفروضة على الدخول والخروج بمثابة نعمة لهم. وأخيرا، ظهر جانب إيجابي غير مقصود على الإطلاق لهذا الحصار.
وبلغ عدد حالات كورونا في فلسطين 160 إصابة، 12 منها في غزة قادمة من معبر رفح مع مصر وحاجز بيت حانون (إيرز) مع إسرائيل. منذ منتصف شهر آذار/مارس، تم وضع الوافدين إلى غزة في مراكز الحجر الإلزامي البالغ عددها 35 مركزًا لمدة 14 يومًا. تعمل مراكز الحجر الصحي في المستشفيات والمدارس والعيادات بشكل أساسي على تعزيز خط الدفاع الأول ضد الوباء فيروس كورونا في غزة، لكنه يحتاج إلى زيادة في شرائط الفحص، التي دخل منها 1200 شريط فقط إلى غزة، وهي غير كافية لإجراء الفحوصات اللازمة للتأكد من سلامة الخارجين من الحجر الصحي ومراقبة حالة المصابين في المستشفى القريب من معبر رفح.
وفي ظل حالة الطوارئ التي أعلنها الرئيس محمود عباس، والتي تم تمديدها لمواصلة إغلاق المؤسسات التعليمية ودور العبادة والأسواق التجارية وبعض أسواق الخضار، والتي تم استبدالها بتخصيص مناطق منفصلة في عدة أحياء للتعويض عن إغلاق الأسواق المركزية لبيع السلع الأساسية؛ ولجأت العديد من الشركات ومؤسسات المجتمع المدني إلى إغلاق مكاتبها جزئياً أو كلياً أثناء عملها عن بعد من المنزل. وشكل ذلك تحديًا آخر أمام شركات توزيع الكهرباء والإنترنت لزيادة ساعات توصيل الكهرباء وزيادة قدرة شبكات الإنترنت على التعامل مع الطلب الزائد بسبب استخدام الإنترنت من قبل الموظفين والطلاب. كما أثرت حالة الطوارئ على قطاعات أخرى مثل النقل الذي كان يعتمد في السابق على حركة الطلاب والموظفين بين المحافظات وداخلها، والقطاع الخاص حيث اضطرت العديد من مؤسساته إلى تسريح موظفيها أو تقليص ساعات العمل لضمان استمرار عملهم والالتزام بالقرارات الحكومية في الوقت نفسه. هذا وأدى ذلك إلى تفاقم الوضع الاقتصادي للفلسطينيين في غزة، حيث تجاوزت معدلات البطالة 75% قبل الأزمة الحالية، مما يهدد مستقبل الشباب ويخاطر بعواقب خطيرة لارتفاع معدلات الجريمة وتوجه العديد من الشباب إلى التطرف الديني وغيرها من المشاكل البعيدة المدى.
ولا تزال بعض مصانع السلع الاستهلاكية في المنطقة الصناعية في غزة تعمل. وضاعفت بعض المصانع طاقتها الإنتاجية من مستلزمات الحماية الطبية. على سبيل المثال، يوفر أحد المصانع المحلية معظم احتياجات المستشفيات ومراكز الحجر الصحي من الأقنعة ومعدات الحماية للعاملين في المجال الطبي والمرضى. وقام هذا المصنع في قطاع غزة بتصدير كميات كبيرة من الأقنعة ومعدات الحماية إلى إسرائيل. ويعتمد هذا المصنع وغيره بشكل كامل على استيراد مدخلات الإنتاج من إسرائيل وعبرها.
وكما رأينا في العديد من الدول، فإن الموجة الأولى من الفيروس انحصرت في حالات وافدة من الخارج، وجاءت العدوى عن طريق مخالطة حاملي المرض من الدول التي قدموا منها. إن تسرب العدوى من مراكز الحجر الصحي عبر الاختلاط بأشخاص آخرين من المجتمع سيكون له عواقب وخيمة لا يمكن السيطرة عليها إذا أخذنا بعين الاعتبار الظروف التي يعيشها قطاع غزة. ويعاني قطاع غزة من نقص أجهزة التنفس الاصطناعي التي يمكنها إنقاذ حياة المرضى من خلال دعم وظائف الجهاز التنفسي التي يضربها المرض في أخطر مراحله. عدد تلك الأجهزة في غزة أ هو 62. من بينها 20 جهازًا فقط لا يستخدمها بالفعل مرضى آخرون غير مصابين بفيروس كورونا، وبعض الأجهزة غير صالحة للاستخدام بسبب الأعطال والحاجة إلى قطع غيار غير متوفرة.
وتحكم حركة حماس قطاع غزة منذ 14 عاما، وهي منظمة تتمتع بحالة من العداء مع الجارة إسرائيل، وتنافس أيديولوجي مع مصر، التي تعتبر حماس وجماعة الإخوان المسلمين منظمتين إرهابيتين، فضلا عن الانقسامات السياسية مع السلطة الفلسطينية. كيف يمكن لثلاثة أعداء مواجهة عدو مشترك جديد، كوفيد-19؟ وتعتمد غزة بشكل شبه كامل على ثلاثة معابر: معبر إيرز مع إسرائيل المخصص لحركة الأشخاص، ومعبر كرم أبو سالم مع إسرائيل المخصص لدخول الواردات وخروج الصادرات، ومعبر رفح مع سيناء/مصر المخصص للأفراد.
كيف يمكن لهذا القطاع الفقير والمحاصر أن يواجه كوفيد-19؟ هل تنجح السلطات في غزة في منع انتشار المرض خارج مراكز الحجر الصحي؟ هل ستوفر الهيئات المهنية الاحتياجات الطبية وتتحمل مسؤولياتها تجاه سكان قطاع غزة؟ ما هو مصير من لا دخل لهم والمسافرين الفلسطينيين العالقين خارج الوطن والذين فقدوا وظائفهم ومصادر دخلهم بسبب هذه الأزمة العالمية؟ هل تبدو العزلة الاجتماعية حلا منطقيا وممكنا حيث يتجمع 2 مليون مواطن في مساحة جغرافية لا تتجاوز 365 كيلومترا مربعا؟ كيلومترات؟
وتدرك إسرائيل جيدا أن تفشي الوباء في غزة يمثل كابوسا رهيبا لها بسبب التداخل والقرب الجغرافي مع قطاع غزة ومسؤوليتها عنه وفقا لاتفاقيات جنيف التي تلزم قوة الاحتلال برعاية السكان الخاضعين لسيطرتها. صحيح أن إسرائيل سحبت قواتها من داخل غزة عام 2005، لكنها لا تزال تسيطر على الجو والبر والبحر. يعيد كوفيد-19 هيكلة الأولويات بين الأطراف الثلاثة: حماس وإسرائيل والسلطة الفلسطينية الذين كانوا في حالة تنافس. وأجبر كوفيد-19 الأطراف الثلاثة على توحيد جهودهم علناً وسراً لمواجهة عدو مشترك جديد. وقد تم تنحية الخلاف السياسي جانباً لمصلحة مواجهة التحدي الجديد.
فهل كنا بحاجة إلى كوفيد-19 ليدرك السياسيون وصناع القرار أن سياسة الحصار والعسكرة والعداء غير صالحة؟ وفي عام 2007، ومع فرض الحصار على غزة، والذي جاء بعد وقت قصير من سيطرة حركة حماس على مقاليد السلطة في غزة، ومنع دخول مواد البناء إلى القطاع، وانسحاب العديد من المؤسسات الدولية مثل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية من العمل في غزة، تدهور الوضع الصحي وانتشر التلوث في البر والبحر بسبب توقف مشاريع معالجة المياه العادمة. ومع وصول التلوث البحري إلى شواطئ إسرائيل، اضطرت الحكومة الإسرائيلية إلى السماح بدخول المواد الأولية اللازمة وكذلك السماح لبعض الأشخاص مشاريع في مجال معالجة مياه الصرف الصحي لمنع مياه الصرف الصحي غير المعالجة، بسبب توقف المشاريع إلى شواطئها.
الحصار قد يمنع دخول الأفراد وتهريب الأسلحة والمخدرات، لكنه لن يمنع على الإطلاق دخول التطرف والتلوث والوباء. هذه الأمراض الفتاكة لا تعرف حدودا، ولا تعتمد على المعابر، ولا تميز بين فرد وآخر؛ يؤثر كوفيد-19 على الجميع. ومواجهتها تتطلب تكاتف الخصوم قبل الأصدقاء.
لقد خلق كوفيد-19 واقعا جديدا أجبر ثلاث جهات متنافسة على التعاون معا، وسيكون له تداعيات مستقبلية أيضا. في تقديري، ستتغير سياسة التسليح وتخصيص الميزانية للحرب القائمة سابقًا، وستدرك هذه السلطات أن دعم الجهود الصحية لا يقل أهمية عن الجهود المبذولة في المجالات الأخرى. كما سيدركون أن تحقيق الأمن لا يمكن أن يتم دون رفع الحصار والقيود وتعزيز التعاون والتنسيق.
المصدر: https://nesa-center.org/covid-19-in-the-gaza-strip/
المجال: Humanitarian Crisis — COVID-19 · health system · blockade · quarantine · NESA — المصدر الأصلي