ععمر شعبان إسماعيلاقتصاد سياسي · فلسطين

منشور

الربيع العربي والحركة الشبابية الفلسطينية: تحديات وأولويات مختلفة

عمر شعبان إسماعيل · يوروميسكو / المعهد الإيطالي للشؤون الدولية · 2016

فصل ليوروميسكو عن اختلاف استجابة الشباب الفلسطيني للانتفاضات العربية، بما فيها احتجاجات 15 آذار/مارس 2012 والخيارات اللاحقة.

الربيع العربي وحركة الشباب الفلسطيني: تحديات وأولويات مختلفة
عمر شعبان *
* مدير مؤسسة بال-ثينك للدراسات الاستراتيجية، غزة
يمكن القول بثقة كبيرة إن الشعب الفلسطيني عامةً، والشباب الفلسطيني خاصةً، كانوا الأكثر حماساً بين الشعوب العربية للربيع العربي الذي بدأ في كانون الأول/ديسمبر 2010 في تونس قبل أن يمتد إلى مصر وإلى بلدان أخرى في المنطقة. فقد أملوا أن يكون الربيع العربي الوسيلة التي طال انتظارها للإتيان بقيادات أكثر التزاماً في دول عربية مُصلَحة، تقدّم الدعم لوقف الاحتلال الإسرائيلي، وتُنهي المعاملة المهينة التي يلقونها من الأنظمة العربية، وتساعد في عملية المصالحة الوطنية بين حماس وفتح المتعطّلة فعلياً منذ انقسام الطرفين عام 2007. ولم يمضِ وقت طويل حتى أدرك الشباب الفلسطيني أن قضيتهم تُترك خلف ركب الربيع العربي، الذي تحوّل في غضون شهور قليلة نسبياً إلى ثورة مضادة عربية ومجازر بحق مدنيين محتجّين، إن لم يكن إلى حروب أهلية مفتوحة. وسرعان ما خلص الشبان الفلسطينيون إلى أن عليهم تغيير واقعهم بأدواتهم الخاصة، وهي أدوات مقيّدة إلى حد بعيد بالظروف الفريدة للبيئة الفلسطينية.

يناقش هذا الفصل السبل الرئيسية للخروج من المأزق الذي تجد حركة الشباب الفلسطيني نفسها فيه — وهي حركة اتخذت في قطاع غزة شكلاً مختلفاً عمّا اتخذته في الضفة الغربية، لاختلاف السياقين على النحو الموضّح أدناه. ويعرض الفصل بعض الاستراتيجيات التي تنطوي على سلسلة من الخطوات والإصلاحات البنيوية، مثل إصلاح الجامعات وإجراء انتخاباتها، والانتخابات المحلية، وتعزيز الحريات المدنية والفكرية. ولشرح هذه الاستراتيجيات، يقدّم أولاً خلفية عن السياق السياسي، ثم يستعرض الآمال العامة التي أيقظها الربيع العربي لدى الشباب الفلسطيني. ويصف القسم التالي أوجه الشبه والاختلاف بين وضع الشباب الفلسطيني وأوضاع سائر الشباب العربي. ثم يتعمّق في الأفعال المحددة التي أقدم عليها الشباب الفلسطيني لرفع مظالمهم بين

عامَي 2011 و2015. كما يحلّل العقبات المستمرة أمام هذه الأفعال وما نتج عنها من تعمّق الإحباط لدى الشباب. ويختم بالطريق إلى الأمام وببعض التوصيات.

3.1 السياق السياسي

احتلّت إسرائيل الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة عام 1967. ومنذ ذلك الحين ظلت هذه المناطق تحت إدارة عسكرية إسرائيلية حتى عام 1994، حين أُنشئت السلطة الوطنية الفلسطينية بموجب اتفاق أوسلو للسلام بين الحكومة الإسرائيلية ومنظمة التحرير الفلسطينية، التي كانت وما زالت ممثلة الشعب الفلسطيني داخل الأراضي الفلسطينية وفي الشتات. وبمقتضى هذا الاتفاق، مُنحت السلطة صلاحيات حكم محدودة للغاية على أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة. أما حركتا حماس والجهاد الإسلامي فليستا جزءاً من منظمة التحرير، وقد نشأتا بعد عقدين على الأقل من تأسيس المنظمة عام 1964، وهما ترفضان اتفاقات أوسلو علناً وتطالبان بإلغائها على نحو معتاد. جرت أول انتخابات تشريعية ورئاسية عام 1996، وقاطعتها حماس والجهاد الإسلامي. غير أن حماس شاركت في الانتخابات التشريعية الثانية التي جرت في كانون الثاني/يناير 2006، ففازت بـ74 مقعداً من أصل 132 مقعداً متاحاً وشكّلت الحكومة. وشهد قطاع غزة توتراً واقتتالاً دامياً بين حماس والسلطة طوال عامَي 2006 و2007، انتهى في حزيران/يونيو 2007 بانقسام سياسي فعلي بين الضفة الغربية وقطاع غزة اللذين باتا تحت سلطتين منفصلتين. فقد حلّ رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الحكومة وأقال حماس، التي رفضت في المقابل المرسوم الرئاسي وبقيت مسيطرة على غزة.

بعد سيطرة حماس على غزة في حزيران/يونيو 2007، ردّت إسرائيل بفرض حصار على القطاع وتقييد حركة الأشخاص والبضائع من الأراضي وإليها تقييداً شديداً. فأُجبر الفلسطينيون من أهالي غزة الذين كانوا يعيشون في الضفة الغربية على العودة، بينما حُصر الخروج من غزة في «الحالات الإنسانية الاستثنائية». ومنذ ذلك الحين، يخضع قطاع غزة دورياً لحصار جوي وبري وبحري تفرضه إسرائيل ومصر (ماسي، 2014). ونتيجة لذلك، ازدادت القضية الفلسطينية تعقيداً، ولم يعد الشعب الفلسطيني يعاني من الاحتلال وحده بل ومن الانقسام الداخلي بين قطاع غزة والضفة الغربية أيضاً. وفي ضوء ذلك، بينما تركّز اهتمام الشباب في غزة أساساً على رفع الحصار الإسرائيلي، كان على الشباب في الضفة الغربية أن يواجهوا في المقام الأول الانقسام السياسي الداخلي.

3.2 الربيع العربي: آمال الشباب الفلسطيني

قبل الربيع العربي، كانت القضية الفلسطينية حاضرة في الخطاب السياسي لمعظم الأنظمة العربية. غير أن الفعل السياسي لصالح الفلسطينيين و/أو ضد الاحتلال الإسرائيلي كان محدوداً للغاية ومنقسماً. فباستثناءات قليلة، كانت التحالفات السياسية والمالية لكل نظام عربي، وفهمه لمصالح أمنه القومي، تدفع الضغط العربي — جماعياً كان أم فردياً — على إسرائيل أو فتح أو حماس لإنهاء الاحتلال أو الانقسام إلى مؤخرة جدول أعماله السياسي. وحتى الحرب الإسرائيلية غير المسبوقة على غزة في 2008-2009 لم يكن لها إلا أثر ضئيل جداً على هذه الديناميات. فهذه الأولى من ثلاث حروب على غزة في ست سنوات لم تُحدث تحوّلاً في الموقف الدبلوماسي ولا في فعل الدول العربية — على عكس ما كان لكثير من الفلسطينيين أن يأملوه بحق.

وسرعان ما لاحظ الشعب الفلسطيني — بقدر كبير من خيبة الأمل لدى الكثيرين — أن فلسطين لم تكن ضمن الأولويات العليا للربيع العربي في بداياته: لا في تونس ولا في ميدان التحرير بمصر. وقد كان الأمر كذلك رغم أن فلسطين، ولا سيما الانتفاضة الثانية، كانت واحدة من أهم عوامل التعبئة في المظاهرات الجماهيرية النادرة التي شهدتها البلدان العربية خلال العقد السابق. ومع ذلك، تقبّل الفلسطينيون بواقعية وتفهّم أن على الأمم العربية، في هذه المرحلة المبكرة من صحوتها، أن تركّز على مشكلات شعوبها ومطالبها، كالمساواة الاقتصادية والاجتماعية والديمقراطية والعدالة الانتقالية. وكان الأمل معقوداً على أن تصبح فلسطين، متى عولجت هذه المطالب، الأولوية التالية للأنظمة العربية الوليدة المرتقبة.

يدرك الفلسطينيون تمام الإدراك محدودية إمكانية نيل حقوقهم السياسية من دون دعم الدول العربية الرئيسية (وفي مقدمتها مصر) والمجتمع الدولي. فالسعي إلى ذلك من دون سند عربي ينطوي على خطر استعداء دول عربية محورية، إذ يبدو وكأنه يجعل القضية الفلسطينية أولوية سابقة على مسارات الإصلاح الداخلي في تلك الدول. غير أن الشعب الفلسطيني في فلسطين المحتلة، الذي يرزح تحت وطأة ثلاث سلطات متداخلة — السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، وحماس في غزة، والأهم من ذلك الاحتلال الإسرائيلي للمنطقتين معاً — سارع إلى محاولة محاكاة مظاهرات الربيع العربي. وكانت الأجيال الشابة متحمسة على وجه الخصوص لأن مظاهرات الربيع العربي بدت في معظمها من صنع الشباب العربي وبقيادته، وهو شباب بدا لأول مرة في الذاكرة الحية قادراً، ولو ظاهرياً، على تحدّي «دولة البوليس العميقة» مع بعض احتمالات النجاح.

3.3 ربيع فلسطيني؟

مع بدء اضطرابات الربيع العربي في التكشّف، كان يمكن لمظالم الشباب الفلسطيني أن تبدو بحق شبيهة بمظالم الشباب في أنحاء المنطقة الأخرى، مع فارق جوهري واحد: أن الأسباب الجذرية لمعظم هذه المظالم لم تكن تحدّدها في نهاية المطاف حكوماتهم، بل احتلال عسكري يقارب الخمسين عاماً. فمثل سائر الشباب، كان على الشباب الفلسطيني أن يواجه عقوداً من الاستبداد السياسي وقمعٍ عنيف بدرجات متفاوتة لأي تعبئة سياسية تتحدى بنى السلطة القائمة، بما فيها إسرائيل، ومنذ اتفاقات أوسلو السلطة الفلسطينية أيضاً، وإن كان الاحتلال هو الغالب فيها جميعاً. وكانت آفاقهم السياسية والاجتماعية محدودة بانعدام الحريات السياسية وبانتشار البطالة، ما يعني خيارات مقيّدة إلى أقصى حد أمام التطور السياسي والتعليمي والفردي، أو أمام تحدّي المنظومة (أو المنظومات) السياسية ككل التي تتوقف عليها فرصهم المحدودة، والتي تحدّد كل جانب من جوانب حياتهم.

على أن للشباب الفلسطيني مظالم بالغة التميّز أيضاً، تتصل بفرادة وضعهم، المحصور بين الاحتلال الإسرائيلي من جهة، ومن جهة أخرى — ومنذ الانقسام — حكم فتح المتزايد الاستبداد في الضفة الغربية وحكم حماس في غزة. فلم تكن أمام الشباب الفلسطيني حكومة واحدة يُسقطونها: كانت أمامهم، نظرياً على الأقل، ثلاث. ومن ثمّ فإن حركة جماهيرية لإسقاط حكومتَي الطرفين معاً في آن، على غرار الحركات الجماهيرية في أماكن أخرى من المنطقة، كانت ستفتقر إلى الاتساق: إذ كانت ستُبقي قائمة الحكومةَ الفعلية لكل الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة، أي الاحتلال الإسرائيلي. لذلك كان المدخل إلى تحسين حريات الشباب الفلسطيني وفرصهم، ولو تحسيناً طفيفاً، هو إصلاحات أو ديناميات سياسية من شأنها خفض الاستبداد المتصاعد لدى أحد طرفَي الحكم الفلسطيني أو كليهما، بما يتيح مساحة أوسع للفعل السياسي الشبابي على النحو الموصوف في خاتمة هذه الورقة. أما الظروف الاجتماعية والسياسية الأوسع، كالبطالة الجماعية في غزة، فكانت تتوقف على عوامل أكبر مثل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لغزة والسياسات الدولية التي تدعمه أو ترعاه بصورة غير مباشرة. فإذا كان بوسع سائر الشباب العربي أن يأمل بحق أن يفضي إسقاط حكوماتهم الاستبدادية مباشرةً — ولو ببطء — إلى تحسّن جوهري في أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية، فقد كان الفلسطينيون يعلمون أن نيل حريات سياسية أوسع (كحرية التعبير) عبر إنهاء الانقسام بين حكومتَي فتح وحماس المتنافستين لا يعدو أن يكون خطوة أولى. أما التغيير الأكثر جوهرية في الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، الذي يبتغيه الشباب العربي في كل مكان، فلا سبيل إليه عند الفلسطينيين إلا عبر مرحلة ثانية تنبثق فيها من تلك الحريات الأوسع حركةٌ فاعلة لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي.

3.4 أفعال الشباب الفلسطيني وأشكال تعبئته

كما ذُكر آنفاً، تابع الشباب الفلسطيني عن كثب وبإعجاب كبير الربيع العربي الذي قاده الشباب العربي. فسارعوا إلى محاكاته بهدف نهائي هو إحداث تغيير إيجابي في واقعهم. وكان من أوائل الأفعال الملموسة الدعوة إلى احتجاج جماهيري لإنهاء الانقسام، باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي كما جرى في أنحاء كثيرة من العالم العربي. وكان التاريخ المختار هو 15 آذار/مارس 2011. وقد لقي اندلاع هذا الحراك الشبابي ترحيباً إيجابياً من المجتمع الفلسطيني عموماً، لكنه اصطدم كذلك بقلق وارتياب كبيرين من السلطتين الوطنيتين: حماس في غزة والسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية.

في 15 آذار/مارس 2011، احتشد آلاف الشبان الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة، مطالبين في المقام الأول بإنهاء الانقسام بين فتح وغزة الذي كان قد بلغ عامه الرابع. وعُرف هذا الحراك باسم «حركة 15 آذار». وللأسف — وإن كان متوقعاً — وُلدت حركتهم ميتة، إذ قوبلت بإجراءات أمنية قاسية من السلطتين الوطنيتين في الضفة الغربية وغزة على السواء. وقبل حركة 15 آذار وبعدها أيضاً، اتّسم الحراك الشبابي الفلسطيني بدرجة عالية جداً من الاستقطاب السياسي على أسس حزبية، ولا سيما منذ أن جرت مأسسة الانقسام عام 2007. وباستثناءات قليلة، ورغم محاولات النهوض بحركة شبابية أكثر استقلالاً عن سيطرة الأحزاب السياسية، ظل الكثير من الفعل السياسي الشبابي على المستوى الوطني — إن لم يكن كله — مقيّداً بوقوعه داخل أطر الأحزاب السياسية المتنافسة (كأذرعها الشبابية)، بما في ذلك داخل الجامعات. وقد غدت أي محاولة كبرى لبناء حركة خارج الديناميات الحزبية صعبة على نحو خاص بعدما جرت مأسسة الانقسام وصارت فتح وحماس شديدتَي الحذر من أي تعبئة سياسية جماهيرية تفلت من سيطرتهما أو تتحدى سلطتهما في الضفة الغربية أو غزة.

وثمة سبب أعمق للإخفاق هو الخلاف داخل الحركة الشبابية نفسها. فقد دارت خطوط الانقسام الرئيسية حول من وما الذي ينبغي اعتباره الهدف الأول لهذه الحركة، وحول ما إذا كان بالإمكان مواجهة عدة أهداف في آن واحد بفعالية. هل يركّزون على الاحتلال الإسرائيلي أولاً؟ أم يواجهون بدلاً من ذلك سلطاتهم الوطنية التي كانت وما زالت منقسمة انقساماً مزمناً؟ وكيف يمكن — بل كيف ينبغي — لحركة الاحتجاج أن تركّز على الاثنين معاً وفي الوقت نفسه، والأهم أن تفعل ذلك بفعالية حقيقية؟ وإذا ركّزت الحركة أساساً على الضفة الغربية أو على غزة، فكيف تتجنب اتهام أنصار فتح أو حماس لها بأنها ليست سوى أداة أخرى في الصراع السياسي بين الطرفين؟ وإذا تركت الاحتلال في خلفية شعاراتها وأفعالها، فكيف تتجنب اتهام حماس والسلطة معاً لها بتجاهله؟ وهل كانت أي «ثورة» أو حركة شعبية جماهيرية مستدامة ممكنة في ظل احتلال لا يتزحزح، وفي ظل «التنسيق الأمني» بين السلطة وإسرائيل في الضفة الغربية، وهو ما زاد من تضييق الحجم الممكن للاحتجاجات وأماكنها فحصرها في مساحات صغيرة داخل مراكز المدن الكبرى الخاضعة لسيطرة محكمة من السلطة؟ أما الإنجاز الكبير الوحيد لحركة 15 آذار فكان الضغط على السلطتين الوطنيتين، وهو ما قادهما في النهاية إلى أول اتفاق مصالحة وُقّع في القاهرة في أيار/مايو 2011، تلاه اتفاق ثانٍ في الدوحة في شباط/فبراير 2012. غير أن هذين الاتفاقين ظلا حبراً على ورق، إلى أن وُقّع اتفاق أشمل، هو اتفاق مخيم الشاطئ، في 23 نيسان/أبريل 2014، اتفقت فيه حماس وفتح على حكومة توافق وطني رأت النور في 2 حزيران/يونيو 2014. وعلى العموم، ظلت الأهداف والوسائل الأعم لحركة 15 آذار مرتبطة بالديناميات الأوسع للسياسة الوطنية، وببرامج الأحزاب السياسية والتنافس بين برامجها (مثل تأييد المفاوضات مع إسرائيل أو معارضتها، و/أو الشروط التي تجري بها). وقد ادّعت كل من الحركة الشبابية الفلسطينية والحركة الوطنية أنها تسعى إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي والانقسام بين فتح وحماس. غير أن انقسام الضفة الغربية وغزة نفسه رسّخ أيضاً الخلاف حول الوسائل التي يمكن أو ينبغي بها تحقيق ذلك، وحول الشكل الذي قد يتخذه عملياً فعلٌ سياسي شبابي جماهيري منظّم لمواجهة الاحتلال في كل من جزأي الأرض الفلسطينية — قطاع غزة والضفة الغربية المقطوعين أحدهما عن الآخر.

أما رواد حركة 15 آذار وأهدافهم وأساليب عملهم، فقد ركّز الحراك الشبابي الأقدم على أساليب «الانتفاضة الشعبية» في مواجهة إسرائيل، ولا سيما حول جدار الضفة الغربية. غير أنه ظل محصوراً في الضفة الغربية، حيث ما زالت بعض المواجهة المباشرة مع الجنود الإسرائيليين ممكنة. أما في غزة، فمنذ الانسحاب الإسرائيلي عام 2005 باتت إمكانية المواجهة الشعبية الشبابية المباشرة مع الجنود الإسرائيليين شبه معدومة، باستثناء مسيرات نادرة وبالغة الخطورة نحو المنطقة العازلة التي فرضتها إسرائيل. وفي وقت أحدث، حملت آخر تجليات حركة احتجاج شبابية في غزة — وهي إلكترونية بحتة — اسم «تمرد»، على غرار حركة الاحتجاج الجماهيرية التي دفعت الجيش المصري إلى عزل الرئيس المصري المنتخب محمد مرسي في 30 حزيران/يونيو 2013، في الذكرى الأولى لانتخابه. وكما كان متوقعاً، أُخمدت «تمرد» الفلسطينية في غزة بردع من حماس، قبيل «يوم غضب» أُعلن عنه في 11 تشرين الثاني/نوفمبر 2013 ولم يتحقق (الغول، 2013).

وبصرف النظر عن مظاهرات «الانتفاضة الشعبية» الأسبوعية ضد جدار الضفة الغربية وعن استثناءات دورية (كاستئناف المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية القصيرة الأمد في آب/أغسطس 2013)، فإن المظاهرات الشعبية الكبرى الوحيدة الأخرى على المستوى الوطني في السنوات القليلة الماضية جرت في الضفة الغربية في أيلول/سبتمبر 2012 احتجاجاً على أسعار الوقود والخدمات وعلى الارتفاع الهائل في تكاليف المعيشة. ومع أن تكاليف المعيشة تصيب الشباب أكثر من غيرهم، فإن تلك الحركة في حد ذاتها لم يقُدها الشباب ولم تتمحور حولهم. أما الاحتجاجات الأخرى فقد ظلت محصورة إلى حد بعيد في وسائل التواصل الاجتماعي، حيث لم يكن نادراً أن يتعرض منتقدو السلطة أو رئيسها على تلك الوسائل للاعتقال.

3.5 شكل متطرف من أشكال المقاومة: لا انتفاضة ولا عمل عسكري

الهبّة: في مطلع تشرين الأول/أكتوبر 2015، بدأ في القدس والضفة الغربية شكل متطرف من أشكال المقاومة، نفّذ فيه شبان فلسطينيون عمليات طعن ضد جنود ومستوطنين إسرائيليين. وحتى شباط/فبراير 2016، كان 162 فلسطينياً قد قُتلوا رمياً بالرصاص و12,000 قد أُصيبوا على يد جنود أو مستوطنين إسرائيليين، بينما قُتل 31 إسرائيلياً وأُصيب 500. وقد جاءت موجة الهجمات المتبادلة هذه، المستمرة حتى اليوم، مباشرةً في أعقاب خطاب الرئيس عباس أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي أعلن فيه أن السلطة لن تلتزم بالاتفاقات السابقة مع إسرائيل ما لم تفِ إسرائيل بالتزاماتها. واتهم عباس إسرائيل بانتهاك منهجي للاتفاقات التي يعود تاريخها إلى عقدين والتي ترسم الترتيبات الأمنية والاقتصادية وغيرها في الأراضي الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل خلال حرب 1967 وبعدها. وقال عباس إنه لا يوجد سبب يدعو الفلسطينيين إلى البقاء أوفياء لهذه الاتفاقات ما دام الإسرائيليون غير أوفياء لها.

وقد سعى كثير من الصحفيين والمثقفين والكتّاب الفلسطينيين والإسرائيليين والدوليين إلى إيجاد تسمية ملائمة لهذه الحركة. فبعضهم يسمّيها انتفاضة، في إشارة إلى الانتفاضة الأولى التي بدأت عام 1987، واحتج فيها آلاف الفلسطينيين سلمياً على الاحتلال الإسرائيلي في غزة والضفة الغربية معاً. أما الانتفاضة الثانية فبدأت في أيلول/سبتمبر 2000، حين زار رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون الحرم الشريف، وهو موقع مقدّس لدى اليهود والمسلمين على السواء. ولمّا كانت هناك فروق كثيرة بين الانتفاضتين والهجمات الراهنة، وجد الفلسطينيون أن تسميتها «هبّة» أنسب. فمفهوم الانتفاضة يحمل معنى أوسع، إذ خرج فيها آلاف الفلسطينيين من كل شرائح المجتمع سلمياً ضد الاحتلال العسكري الإسرائيلي في غزة والضفة الغربية. وثمة جانب آخر: فالانتفاضة الأولى، وإن كانت حركة شعبية، قادتها الفصائل السياسية وفصائل المقاومة، في حين أن الهجمات الجارية يقودها أفراد لا انتماء لهم إلى أي جماعة منظّمة. وبينما قادت انتفاضة 1987 قيادةٌ محلية منتمية إلى فصائل منظمة التحرير وغيرها، تُعدّ الهبّة الراهنة موجّهة بصورة غير مباشرة ضد قيادة منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية، اللتين يراهما الشباب الفلسطيني متهاونتين ومسنّتين وفاسدة. إنها في الحقيقة سلسلة من الأفعال الفردية التي لا يتحكم بها أي قائد.

وعلى وجه الخصوص، تحرّك الهبّةَ الجارية جملةُ عوامل. ففشل العملية السياسية بين السلطة والحكومة الإسرائيلية على مدى فترة طويلة جداً، وتصعيد جيش الدفاع الإسرائيلي في القدس، إلى جانب عنف المستوطنين، هي الأسباب الرئيسية وراء بدء هذه الانتفاضة. وفي ضوء ذلك، فإن الوضع القائم في الضفة الغربية هش وليس في الواقع بالهدوء الذي صُوّر به. وقد يكون ذلك نتيجة للانقسام الفلسطيني منذ 2007، الذي أوجد حالة إحباط تصيب جميع الفلسطينيين سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، ودفعت إلى انفجار إحباط الشباب على وجه الخصوص. والمساهمون الأبرز في هذا التمرد هم الشبان والنساء الذين لا ينتمون إلى أي فصيل سياسي. فليست للمشاركين خلفية سياسية محددة: لا إسلامية ولا ليبرالية. وهذا ما حال دون قدرة الأحزاب السياسية على تنظيم الهبّة وقلّص قدرتها على التأثير في التمرد. وجيل الهبّة هو الجيل الذي وُلد بعد اتفاقات أوسلو. وقد جرى تحليل هؤلاء الشبان عموماً بوصفهم «ضعفاء» سياسياً وعاجزين عن إحداث تغيير، وكثيراً ما سُخر منهم بأنهم لا يعنون إلا بالجلوس أمام شاشات التلفاز أو الحاسوب للدردشة أو للحديث عن تسريحات شعرهم الأنيقة. وقد ظن كثير من المحللين من قبلُ أن هذا الجيل لا يكترث بفلسطين ولا بالقضية الوطنية ولو قليلاً. غير أن الهبّة الأخيرة قلبت هذا الرأي رأساً على عقب تماماً. وما يُظهره هذا الانفجار من الإحباط والعنف بين الشباب الفلسطيني في نهاية المطاف هو وجود اتجاه خطير نحو تطرّف فردي ومجتمعي على خلفية جمود العملية السياسية.

3.6 «شتاء عربي» و«شتاء فلسطيني»: خيبة أمل وتطرّف؟

لاحظ الشباب الفلسطيني إخفاق الربيع العربي في إحداث تغيير جوهري نحو الأفضل. وشاهدوا التطورات في سوريا وليبيا واليمن، حين تحوّل الربيع العربي إلى إراقة دماء عربية-عربية وإلى ثورات مضادة شرسة ودامية انطوت على مجازر واسعة النطاق بحق المدنيين. أما الأحداث في مصر فكانت مقلقة للشباب الفلسطيني على نحو خاص. وقد وجد استطلاع أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في أيلول/سبتمبر 2015 أن 80% من فلسطينيي الضفة الغربية وغزة يعتقدون أن فلسطين لم تعد القضية العربية الأولى، مما يشير إلى أن ما عُلّق من أمل على أن يُنشئ الربيع العربي أنظمة عربية جديدة قوية بما يكفي للوقوف في وجه إسرائيل قد تبدّد منذ زمن.

ومن ثمّ بدأ الشبان يبحثون عن خيارات أخرى قد تكون حظوظها في تغيير واقعهم أوفر من اتّباع ثورات الآخرين. كما أنهم لا يستطيعون ببساطة استنساخ نموذج الربيع العربي في بيئة يمكن القول إنها فريدة في تعقيدها وصعوبتها أمام أي حركة احتجاج جماهيري، سواء من حيث إمكانية الاحتجاج أو من حيث الشعارات التي يمكن أن تحرّك الناس فعلاً. ففي حين كان بوسع غيرهم أن يهتف «الشعب يريد إسقاط النظام»، لم يكن بوسع الفلسطينيين، وأمامهم الاحتلال الإسرائيلي بوصفه نظامهم الأساسي، إلا أن يهتفوا «الشعب يريد إنهاء الانقسام». بل إن بلوغ إنهاء الانقسام نفسه كان أكثر مما تحتمله حركة احتجاج جماهيري: فهو لم يخدم مصلحة أي من سلطتَي الحكم الفلسطينيتين، لا في 2011 ولا بعدها، على الرغم من اتفاقات مصالحة رسمية كثيرة بينهما (مجموعة الأزمات الدولية، 2015).

وعلى الصعيد السياسي، ترسّخ هذا الانحسار في الإمكانات بإسقاط مرسي في تموز/يوليو 2013. ففي عهد الرئيس السيسي الذي خلف الرئيس مرسي، لم تُبقِ «الحرب على الإرهاب» التي استهدفت جماعة الإخوان المسلمين — التي تنتمي إليها حماس ويطابق النظام المصري بينهما — أي أفق واقعي لتغيير سياسي إيجابي في مصر على المدى البعيد. وعلى سبيل المثال، أدرجت محكمة مصرية حماس على قوائم المنظمات الإرهابية (ثم نُقض القرار لاحقاً لأسباب سياسية). والأهم أن مصر دمّرت، لأول مرة منذ حُفرت عام 2007، جميع الأنفاق تقريباً بين غزة ومصر التي كانت قد مكّنت الغزيين من النجاة من الحصار الإسرائيلي المصري. وفي 19 أيلول/سبتمبر 2015، بدأت تنفيذ خطتها لإغراق الأنفاق القليلة المتبقية ومنطقة الحدود بأكملها بمياه البحر. كما استخدم الرئيس السيسي التمرد الدائر في سيناء — الذي بات منتسباً لداعش وإن كان قائماً منذ عقود، والذي استغل الأنفاق لتهريب السلاح من قطاع غزة وإليه — لتبرير إغلاق معبر رفح إغلاقاً تاماً إلا في أيام قليلة جداً منذ تولّي السيسي قبل أكثر من عامين.
47 استطلاع المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، 2015: http://www.pcpsr.org/sites/default/files/poll%2057%20pressrelease%20English.pdf
48 انظر: “Egypt court overturns Hamas terror blacklisting”, BBC News, 6 June 2015، اطُّلع عليه في 7 تشرين الثاني/نوفمبر 2015: http://www.bbc.co.uk/news/world-middle-east-33034249

قد يبدو وضع معبر رفح الحدودي الذي يربط غزة بمصر عبر سيناء مسألة تقنية بحتة. غير أنه الرمز الأقصى لانسداد الآفاق السياسية على المستوى الوطني الذي يصفه هذا الفصل، ولا يضاهيه سوى العامين أو الثلاثة الممتدة من 2007 إلى 2010، أي مباشرةً بعد «الحرب الأهلية» الفلسطينية في حزيران/يونيو 2007 وحرب «الرصاص المصبوب» الإسرائيلية على غزة في 2008-2009، وقبل الربيع العربي. وقد كان لهذه الآفاق المسدودة أثر مدمّر على الشباب بوجه خاص. فبالنسبة إلى الشبان، عنى الإغلاق شبه التام وغير المسبوق لمعبر رفح منذ إسقاط مرسي، وغياب أي أفق واقعي للتغيير، انعدامَ فرص تطوير تعليمهم خارج «سجن» غزة. وكان معظم الشباب الفلسطيني في قطاع غزة، الذين يعتبرون معبر رفح بوابتهم الوحيدة للخروج من غزة، يأملون أن تخفّف القيادة المصرية القيود على المعبر، وهو ما لم يحدث. وقد أثّر ذلك سلباً في مستوى ثقتهم وأملهم بآفاق التغيير التي جاء بها الربيع العربي. بل إنهم لم يعودوا يستطيعون واقعياً أن يتخيلوا حتى مغادرة القطاع.

وفي الظروف الراهنة التي لا تُظهر بادرة تغيير معقولة، نظراً إلى رسوخ الوضع القائم، صارت حتى تطلعات الشباب غير السياسية — العمل، والزواج، وبناء بيت أو شرائه — بعيدة المنال أكثر من أي وقت مضى. وقد تجلّت مستويات اليأس التي ولّدتها آخر حروب غزة عام 2014، غير المسبوقة في طولها ودمارها واستهدافها العشوائي للمدنيين (بمن فيهم، والأهم، الطبقة الوسطى)، حين حاول مئات الغزيين لأول مرة على الإطلاق، ومنهم شبان من الطبقة الوسطى، الفرار إلى أوروبا بحراً فور انتهاء الحرب، فغرقوا حين أُغرقت قواربهم في البحر المتوسط. ولم تتحسن الأوضاع منذ ذلك الحين، ولم تُظهر أي بادرة على أنها ستتحسن في أي مستقبل قريب واقعي. فالحصار والحرب و«آلية إعمار غزة» — ذلك الاتفاق الذي رعته الأمم المتحدة شكلاً وفرضته إسرائيل فعلاً، والذي كان يُفترض به تيسير الإعمار بينما هو في الواقع يعزز سيطرة إسرائيل على غزة — قد منحت القطاع أعلى معدل بطالة في العالم، عند 41.5% (مجموعة الأزمات الدولية، 2015). أما بطالة الشباب على وجه الخصوص فهي الأسوأ في المنطقة عند نحو 60%. ووفقاً لتقرير للبنك الدولي، لكان الناتج المحلي الإجمالي لغزة أربعة أضعاف ناتجها الحالي لولا الصراع والحصار (الأونكتاد، 2015). ولا يمكن لشيء أن يغيّر هذه الديناميات سوى اتفاق سياسي مفاجئ، كالاتفاق غير المباشر المُشاع بين حماس وإسرائيل على ميناء بحري مقابل قبرص. غير أن هذا الأمر جرى التقليل من شأنه منذ التقارير الأولى عنه. وهو على أي حال سيستغرق سنوات عدة حتى يُظهر أثراً اقتصادياً، ريثما يُبنى مثل هذا الميناء البحري. ومن ثمّ فإن هذه الأزمة غير المسبوقة في حدّتها في إمكانات حياة الشباب في غزة باقية لسنوات كثيرة، مهما جدّ من تطورات أخرى.

في هذه الظروف، صار الميل إلى التطرف السياسي خياراً لدى عدد قليل جداً من الشباب الفلسطيني حتى الآن، وإن كان للواقع الفلسطيني، مرة أخرى، خصوصيته في هذا الشأن مقارنةً ببقية الأمم العربية. فقد باتت دعوات داعش، الموجود الآن رسمياً وراء الحدود في سيناء، إلى الإطاحة بحماس في غزة أكثر تواتراً، ورافقتها حوادث أمنية كان آخرها سلسلة تفجيرات صغيرة بسيارات استهدفت قادة في حماس. وقد أفاد تقرير لصحيفة التلغراف في حزيران/يونيو 2015 بأن «موجة اعتقالات أفضت إلى احتجاز مئات الجهاديين خلال الشهر الماضي بلغت ذروة جديدة هذا الأسبوع حين أطلقت قوات حماس النار فأردت يوسف الحنّار، 27 عاماً، وهو قائد سلفي محلي، في حي الشيخ رضوان شمالي مدينة غزة. وقال مسؤولون إنه أُصيب بالرصاص أثناء محاولة توقيفه». وقد أعادت حرب 2014، ولو مؤقتاً، شيئاً من مصداقية حماس، وخاصة جناحها العسكري كتائب القسام، بوصفها حركة مقاومة عسكرية. وكان ذلك صحيحاً على وجه الخصوص بالمقارنة مع تقاعس السلطة الفلسطينية، بل وقمعها أحياناً، لمظاهرات التضامن في الضفة الغربية: فقد بدت السلطة لكثيرين معنيّة بحرمان حماس من أي رصيد سياسي يجنيه «نصر» بقدر ما هي معنية بالتوحد لانتزاع مطالب حماس بميناء بحري ومطار، وهي مطالب بُرّرت بوصفها حاجات إنسانية بقدر ما هي سياسية. وكان يمكن حتى لأكثر شباب غزة ليبرالية أن يُسمعوا الإسرائيليين قولهم إن «غزة في زمن الحرب هي حماس، وحماس هي غزة» (بلومنثال، 2015). غير أنه بعد عام، ومع عدم تحقق مطالب حماس خلال الحرب واستمرار الحصار، قد تكون قدرة الجناح السياسي لحماس على كبح جاذبية داعش على الأقل، وعلى كبح انجراف أعمّ للشباب المحبَط نحو سلفية جهادية غير وطنية، آخذة في التراجع البطيء ما لم يوجد اتفاق سياسي يفتح حدود غزة فتحاً جدياً، من قبيل فكرة الميناء البحري المذكورة آنفاً. غير أن عدد الشبان المتعاطفين مع داعش يبقى ضئيلاً، وإن كان بعضهم قد استخدم بالفعل «انتساباً» متخيلاً لداعش لضمان تغطية إعلامية عالمية لتحدّيهم حماس. أما الأوسع انتشاراً بكثير بين شبان غزة — بل يكاد يكون اليوم شاملاً — فهو الرغبة في الهجرة، ولو لمجرد أن يتمكنوا من إعالة أسرهم في غزة. لكن انعدام الآفاق أمام التغيير السياسي أو أمام الهجرة، منذ أغلقت إسرائيل ومصر الحدود، يجعل حتى هذه الرغبة حلماً بعيد المنال.

كان لافتاً أن أوسع موجة سخط على وسائل التواصل الاجتماعي في غزة بشأن قضية داخلية منذ فترة جاءت في أعقاب حدث محلي جداً: محاولة انتحار صاحب بسطة ذرة على كورنيش غزة تحمل اسم «روتس الغلابة» (في إشارة ساخرة إلى اسم أحدث وأرقى مقهى فندقي على شاطئ غزة)، بعدما زعم أن بلدية غزة منعته من العمل بذرائع شتى، منها أن كراسيه البلاستيكية تفسد المنظر العام. وقد وُسم الرجل بـ«بوعزيزي غزة»، نسبةً إلى محمد البوعزيزي، البائع المتجول التونسي الذي أشعل انتحاره رمزياً الربيع العربي؛ وارتفعت على الإنترنت دعوات إلى استقالة رئيس بلدية غزة. ومهما تكن التفاصيل، فقد دلّ ذلك على وجود استعداد للتفاعل بسخط مع أي ظلم مُدرَك، وإن يكن على ا…

المجال: Palestinian Politics — Arab Spring · youth · 15 March · reconciliation · EuroMeSCo — النص © EuroMeSCo / IAI — محفوظ هنا مع الإسناد إلى المصدر. — المصدر الأصلي

تغطية إعلامية ذات صلة

كل المنشورات